الدكتور موسى الشريف في حوار خاص بجريدة الـمـحـجـة:


في قضايا التاريخ الاسلامي، وتاريخ الأندلس وفقه السنن التاريخية وتقريب مادة التاريخ للشباب

–  أولا بالنسبة للتاريخ الإسلامي كيف نعيد قراءته اليوم؟ وبأي هدف ؟

+ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي الأمي، وآله وصحبه أجمعين.

التاريخ الإسلامي تاريخ ثر معطاء ممتد، فهو ليس فقط تاريخ هذه الأمة بل هو ممتد عبر القرون إلى آدم عليه الصلاة والسلام، كما نعلم أن كل الأنبياء كانوا مسلمين، إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، يعقوب عليه الصلاة والسلام أيضا، يقول تعالى حكاية عن وصيته لبنيه {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}، وأيضا سليمان عليه الصلاة والسلام قال {وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ}، فكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مسلمون {وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} الحواريون لعيسى عليه الصلاة والسلام. الأنبياء وأصحابهم كلهم مسلمون بالمعنى العام للإسلام،  فتاريخنا ممتد إلى آدم عليه الصلاة والسلام، لكن التاريخ بالمعنى الخاص والمبتدأ ببعثة النبي الأعظم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هذا التاريخ مبتدأ بالبعثة، تاريخ جليل عظيم، فيه مزايا ليست لأي أمة من الأمم، منقول بالسند، يمكن تمحيصه، يمكن تمييز الصحيح من الضعيف من الموضوع بسهولة، بينما ليس ذلك لأي أمة من الأمم اليوم، تاريخنا فيه العبر، فيه العظات، فيه مواطن الفرح والسرور، وفيه مواطن الحزن والألم، فيه مواطن الانتصار وفيه مواطن الانكسار، فيه مواطن الشرف والعزة وفيه مواطن الذل والتراجع وهي قليلة ولله الحمد، وأيضا من الأشياء المهمة في تاريخنا أن الأمة كانت إذا كبت في مكان إلا وكانت تظهر في مكان آخر، مثلما حصل في الأندلس، لما كبت في الأندلس فُتحَت القسطنطينية وانتشر الإسلام بقوة في تلك البقاع، ولما ضعفنا جميعا بعد القرن العاشر الهجري ظهرت دولة هائلة قوية دولة المغول في الهند، وكان فيها أعظم سلاطين المسلمين المتأخرين أورنك زيب عالَم كير، وهو سلطان ضخم حكم خمسين سنة، سلطان مغولي في الهند في آخر القرن الثاني عشر الهجري وأوائل القرن الثالث عشر الهجري، وكانت سلطنة ضخمة، ثم لما ضعُف المسلمون في كل إفريقيا ظهرت دعوة عثمان بن فودي وأسس دولة قوية في نيجيريا.

وهكذا تاريخنا تاريخ عجيب؛ لا يخبو في مكان إلا ويظهر في مكان آخر ويزدهر ويسطع، فلذلك لابد من عناية المسلمين بالتاريخ لأنه يبث فيهم الأمل، وكل معاني القوة والعزة، ويبث فيهم الرغبة في تحسين الحاضر واستشراف المستقبل إن شاء الله تعالى.

– حفظكم الله، في هذا الصدد وأنتم تتحدثون عن مواطن أو فترات الانتصار وفترات الانكسار ما الذي يمكن أن نستفيده من حركية التاريخ بالنسبة للمسلمين اليوم؟ أو لنقل سنن التاريخ؟

+ سنن التاريخ، أولا هذا سؤال لطيف ومهم، سنن التاريخ عديدة ومهمة؛ من أهمها أن التاريخ يبين بوضوح أن البقاء للأصلح، وأن المعركة الدائمة ما بين الحق والباطل أن تبدأ من فجر التاريخ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، الغلبة فيها الحق، ولو تراجع الحق قليلا أمام الباطل ولو انكسر الحق قليلا أمام الباطل فإنه سرعان ما يعيد ترتيب الأوراق ويعود بقوة ليواجه الباطل منتفشا مغرورا، في العصر الحديث حتى لا نتكلم فقط في الماضي نرى اليوم بفضل الله تعالى الصحوة الإسلامية قد تعاظمت، تعاظمت كثيرا إلى أن وصلت إلى ما يسمى اليوم بالربيع العربي، هذا انتصار كبير جدا بفضل الله تعالى، وهذا توضيح للسنة الإلهية، ذلك أنه مهما تعاظم الباطل فإن الحق قادم، التاريخ يحدثنا عن اضطهادات كبيرة كانت للمسلمين في دول الربيع العربي، ثم إن الله سبحانه وتعالى أورث المسلمين الأرض والأموال والمكانة الجليلة اليوم، فاللهم لك الحمد ولك الشكر.

أيضا التاريخ يدلنا بوضوح على أن المسلمين قادمون بإذن الله تعالى إلى المكانة اللائقة بهم وإلى العزة والريادة والسيادة، فهذه سنة واضحة في التاريخ.

مما يهمنا ذكره أيضا في هذا المقام أن من سنن التاريخ الواضحة أن مَن نَصَر الله سبحانه وتعالى فإن الله سبحانه وتعالى ينصره ولو بعد حين، والمسلمون اليوم بإذن الله في طريقهم إلى نصرة الله تعالى، والله سبحانه وتعالى سينصرهم عما قريب، وسنجد إن شاء الله من أحداث التاريخ القريبة القادمة وتاريخ المستقبل، سنجد فيه خيرا كثيرا للإسلام والمسلمين إن شاء الله وأنا واثق من هذا إن شاء الله.

moussa cherif

– من بين اهتماماتكم التاريخية اهتمامكم بتاريخ المسلمين في الأندلس، هذه الحضارة المشرقة، يعني في صحوتها الأولى وفي كبوتها إلى حين زوالها، ما يمكن أن يستفاد منها من حيث السنن التاريخية أيضاً؟

+ الأندلس بقعة عزيزة من بقع العالم الإسلامي، يتجلى فيها أمر الله تعالى وحكمته وقضاؤه وقدره، فلما نَصَرْنا الله تعالى ونصرنا ديننا نُصِرْنا على تلك الأمم المنتشرة في أوروبا وفي مواقع عديدة، ولما تخلينا، ولما ضعفنا وتراجعنا، وجعلنا كتاب الله تعالى خلف ظهورنا ودبر آذاننا، وتهاونا في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، سلّط الله علينا تلك الأمم الكافرة وأخرجتنا من بلادنا وديارنا في الأندلس

الأندلس هي أحداث أكثر من أن تُحصر، العِبر والعظات الأندلسية عِبر وعِظات مهمة جدا، جدا، جدا، لماذا؟ ليس فقط للماضي ولكن للحاضر أيضا، الأندلس نحن فرطنا فيها، ولذلك الأحداث دامية جدا، أحداث الأندلس عندنا يقرأ عنها الإنسان يحزن كثيرا ويتألم طويلاً ويشعر بالألم الشديد من أحداث الأندلس، لكن المتمعن في تلك الأحداث يجد أنها بما كسبت أيدينا، الله تعالى يقول {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}، فنحن الذين فرَّطنا، نحن الذين ضعفنا في الأندلس، نحن الذين ما استطعنا أن نحافظ على الوجود الإنساني في الأندلس بخلافاتنا، بضعف الولاء والبراء فينا، بمعصية الله تعالى، بالتفرق وعدم الاجتماع، بالتهاون في الحفاظ على الإرث الإسلامي الرائع في الأندلس، بالتهاون في قضية الولاء والبراء، فكان المسلم يخون أخاه المسلم، ويُسلِّم بلاده للكفار في مشهد مخز مأساوي، فلذلك الأندلس اليوم تبث فينا المعاني المهمة هو أن ننتبه، إذا لم ننصر الله تعالى في أنفسنا ولم ننصر الله تعالى في المجتمع، وإذا لم نحافظ على الثوابت الإسلامية وعلى رأسها قضية الولاء والبراء، ستعاد قضية الأندلس وستكرر في كل وقت وفي كل حين، وما فلسطين إلا أندلس أخرى، طبعاً، لأن فلسطين جرت فيها خيانات مشهورة لأنظمة عربية معروفة، فلسطين جرى فيها تفريط،  وجرى فيها عصيان،  وكان بعض الولاة عليها يتلقون رشاوى من اليهود من أجل أن يبقوا في فلسطين، لأن السلطان عبد الحميد أصدر أمره بأن لا يبقى الكافر على أرض فلسطين اليهودي أكثر من ثلاثة أشهر، ثم جددها إلى ستة أشهر، فكان ولاة القوم يقبضون الرشاوى فيمكث اليهودي ما شاء الله له أن يمكث ويعيث في الأرض فساداً، كل هذا بتقصيرنا نحن، بضعفنا نحن، بفسادنا نحن، ما كان لليهود والصهاينة أبداً أن ينتصروا على أهل فلسطين لولا الضعف وعدم الاستمساك بكتاب الله وسنة رسول الله وعدم الأخذ بهدي الإسلام ، ثم الخيانات التي جرت، وضعف الولاء والبراء الذي جرى أمامك، نعم، فنحن لا نريد أن تتكرر أندلس أخرى إن شاء الله.

– لكم موقع إعلامي عبر الشبكة الفضائية هو موقع التاريخ ، تعنون فيه بجوانب عديدة  من التاريخ وأحداثه وسننه والعبر منها، لماذا هذا الموقع؟ وما الذي تصبون إلى تحقيقه في هذا الموقع التاريخي؟

+ موقع التاريخ، أرجو أن يكون قد سدّ ثغرة موجودة في الساحة، سَدَّ شيئا من الثغرة طبعاً، الثغرة أوسع من أن يسدّها موقع واحد أو اثنان أو ثلاثة، لكن سدّ شيئا من الثغرة الموجودة، “موقع التاريخ” موقع يقوم عليه أعداد قليلة من الموظفين، وذلك بسبب قلة الموارد وقلة العدد وضعف الإمكانات البشرية والمادية، لذلك فموقع التاريخ هذا يحتاج إلى تعاضد وتآزر من جهات عديدة للارتقاء به أكثر، هو يقوم بمهمة لكن هذه المهمة محدودة بسبب ما ذكرته من ضعف الإمكانات والموارد، إن شاء الله تتعالى هناك خطط لتوسيع الموقع والارتقاء به عما قريب إن شاء الله.

– أخيرا كيف يمكن إعادة العناية بالتاريخ في المجال التعليمي والإعلامي وتشجيع الشباب للاهتمام من جديد بتاريخ الأمة وفهمه فهما سليما والاعتزاز به والاستفادة منه نهضة الأمة.

+ التاريخ محتاج إلى أن نقربه إلى شباب الأمة اليوم، مشكلة شباب الأمة أنهم لا يكادون يطالعون التاريخ، ولعل من جملة الأسباب أن المواد التاريخية في المدارس كانت طريقة سردها للتاريخ مملة، وضعيفة، فلذلك شباب اليوم ينفر من مادة التاريخ، فعرض التاريخ عرضا جديدا مشوقاً لطيفاً من شأنه أن يغير نظرة جيل اليوم إليه، لذلك أقول من المهم جدا هو أن يُعاد كتابة التاريخ بطريقة مشوِّقة جميلة طيبة حتى يستفيد الشباب منه، لأنه مليء بالعبر والعظات والفوائد، تاريخ اليوم مهم جدا جدا في بيان مواطن العز والقوة والفخار ومواطن الضعف حتى نستفيد من تلك المواطن في حاضرنا ونستفيد من ذلك في التخطيط للمستقبل وإعادة بناء الأمة كل الأمة إلى أمجادها وعزها إن شاء الله تعالى.

–        حفظكم الله ورعاكم وجزاكم الله خيرا.

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *