التقوى : مفهومها ومنزلتها وأثرها في الاستقامة(2/1)


سبل  تكوين الـمسلم التقي الإيجابي

عن أبي ذر جندب بن جنادة، وأبي عبد الرحمن معاذ بِن جبل رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن))(1).

إن الأمر بلزوم تقوى الله تعالى مهما اختلف الزمان والمكان ومهما اختلفت الأحوال والمناصب والمواقع، يأتي من كون العبودية لله تعالى لا تتأثر بهذه التغيرات، ذلك بأن المناصب والأحوال وغيرها إنما هي خَوَل من المعبود جل وعلا وأما التقلب في المكان والزمان فإنه لا يُخرج الإنسان من وظيفته التي من أجلها خلقه الله، وأن الإنسان مهما حلّق في أجواء السماء أو جاب مشارق الأرض ومغاربها أو مخر عُباب البحار أو غاص في أعماق المحيطات فإنه في ذلك كله لا يخرج من ملك الله ولا يُـخرجه من كونه عبدا لله فلا يعفيه من حق الله التي هي تقواه.

إن تقوى الله تعالى ليست مجرد شعور يخالط القلب ويلامسه ويُـشعره بالرقة والخوف والوجل…

إن تقوى الله تعالى هي منهج للقيادة الذاتية تتولد عن رؤية الإنسان نفسه يتموقع في هذا الكون الواسع الذي لا يعلم حدوده إلا الواسع العليم الذي خلق السماوات والأرض بأييد، وتصوُّرٍ لهذا الكون في يد خالقه الذي لا يعزب عنه منه مثقال ذرة، ولا ينِدّ عن سلطانه منه حبة خردل…والكل آتيه طائعا والكل يسبح بحمده والكل آتيه عبدا..لقد أحصاهم وعدّهم عدّا…إن استحضار هذه الحقائق ووضوح هذا التصور يعطي للعبد مقياسا جديدا يقيس به نفسه، وإيمانا  جديدا يعظم به ربه.

إن تقوى الله تعالى هي علاقة بين العبد وبارئه جل في علاه ينشئها هذا التصور الذي ينظر الإنسان من خلاله إلى نفسه وهي تتضاءل في الصِغر وينظر إلى ربه الذي تعجز العقول الذكية عن إدراك كنه عظمته.

إن تقوى الله تعالى هي السلوك الطبيعي الذي يمليه الإنسان المؤمن على نفسه والذي يضبط علاقته بربه حيث يستصغر كل طاعة مهما عظمت لأنه يبتغي بها وجه العظيم؛ ويستعظم، في المقابل، كل معصية مهما صغُرت لأنها جرأة وسوء أدب من الصغير تجاه العظيم.

إن تقوى الله العظيم من هذه الزاوية تجعل المتقي لا يفكر أصلا في معصية خالقه سواء بترك المأمور أو بفعل المحظور. إنها علاقة صالحة ينشئها العبد، اختيارا، مع الله باعتباره عبدا يعرف قدره ويقدُرُ مولاه.

وعليه فإن تقوى الله تعالى ليست حالات عارضة أو تكلفاً يتكلفها العبد، إنه الخضوع التام لأمر الله تنصبغ به حياة المتقين.

قال تعالى : {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون}(الأعراف : 201).

قال الإمام الطبري في تأويل هذه الآية : “إنّ الّذِينَ اتّقَوْا الله من خلقه، فخافوا عقابه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه إذَا مَسّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشّيْطانِ تَذَكّرُوا يقول : إذا ألمّ بهم طيف من الشيطان من غضب أو غيره مما يصدّ عن واجب حقّ الله عليهم، تذكّروا عقاب الله وثوابه ووعده ووعيده، وأبصروا الحقّ فعملوا به، وانتهوا إلى طاعة الله فيما فرض عليهم وتركوا فيه طاعة الشيطان..(2).

وقال الإمام القشيري رحمه الله : “إنما يمس المتقين طيفُ الشيطانِ في ساعات غفلتهم عن ذكر الله، ولو أنهم استداموا ذكر الله بقلوبهم لما مسَّهم طائف الشيطان، فإن الشيطانَ لا يَقرَبُ قلباً في حال شهوده الله ؛ لأنه ينخنس عند ذلك. ولكن لكل صارمٍ نبوة، ولكلِّ عالمٍ هفوة، ولكل عابدٍ شدة، ولكل قاصدٍ فترة، ولكل سائر وقفة، ولكل عارفٍ حجبة، قال صلى الله عليه وسلم : ((إنه ليُغَان على قلبي…)) أخبر أنه يعتريه ما يعتري غيرَه، وقال صلى الله عليه و سلم : (( الحِدَّةُ تعتري خيار أمتي ))، فأخبر أنَّ خيار الأمة – وإنْ جَلَّتْ رُتْبَتَهُم – لا يتخلصون عن حِدَّةٍ تعتريهم في بعض أحوالهم فَتُخْرِجُهم عن دوام الحِلْم…”(3).

وقال تعالى : {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون…}(آل عمران : 135).

والذي يتعين ملاحظته في الآيتين الكريمتين هو التذكر وذكر الله تعالى وكأن المتقي حين يصيب من الذنب ما يصيب يكون ناسيا  فإذا ذكر الله تذكر  موقع العبودية وحق المعبود فيُبصر ولا يُصر. لأن الإصرار يورث في النفس هيئة لا ينفع معه ذكر مقام الرب تعالى وهي الاستهانة بأمر الله، والتحقير لمقامه وعدم المبالاة بهتك حرماته، والاستكبار عليه تعالى، سواء كان الذنب المذكور من الصغائر أو الكبائر ولا تبقى مع هذا عبودية ولا ينفع معه ذكر، ولذلك  قيده بقوله : {وهم يعلمون }.

إن ما يستفاد من الآيتين الكريمتين أيضا أن المتقين يمسهم الطائف من الشيطان ويظلمون أنفسهم ويفعلون الفاحشة…(4) فهم ليسوا معصومين كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وفي هذا جواب على السؤال الطبيعي الذي مفاده: إذا كان المتقي يتمتع بملكة تحمله على فعل الواجب وترك الحرام فما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : ((…وأتبع السيئة الحسنة تمحها…))؟.

إن المعصية لا تخرج المتقي عن درجة التقوى، فما ظن الذين يزعمون أنها تخرج المؤمن من دائرة الإيمان(5)؟

إن قوله صلى الله عليه وسلم : ((وأتبع السيئة الحسنة تمحها…)) يستفاد منه خبر لطيف من اللطيف الخبير أن المتقين قد يرتكبون المعاصي غير أنها ليست لهم دأبا وإنما تمثل في حياتهم استثناء، ومن هذا الخبر نقتبس نظرة إيجابية تساعد على مواصلة السير إلى الله تعالى وفي طريقه وعلى نهجه.لأن الذي اختار التقى وسار على الهدى، باذلا جهده  ومخلصا قصده، لابد له في سيره من كبوة  ولا بد له، رغم نباهته، من غفوة؛ فذلك نقص في المخلوق يستره الخالق بكمالاته، فلا يتوقف عن السير إليه ولا يمدّ يديه إلا إليه، فتقوى الله أوسع؛ إنها الكل الصالح الذي لا تلغيه بعض الجزئيات السيئة وفي كتاب الله نجاة من الردى، وبصيرة من العمى، وشفاء لما في الصدور قال تعالى : {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}(آل عمران : 133- 136).

إن الإيجابي في هذا الخبر أن المتقي إذا صدرت منه  السيئة لا يفقد البوصلة ولا يشعر بالتيه بل يُحس أنه لا يزال في دائرة التقوى ولم ينهدم ما بناه.

ومن الإيجابي أيضا أن بعض الصالحين والدعاة وأهل الخير الذين نظن بهم القرب والرضا من الله تعالى قد نسمع عنهم أو نرى منهم ما لا نحب فنطمئن إلى فضل الله الكريم وأن الأمة لا يزال فيها قائم لله بالحجة.

وفي هذا الخبر رد على بعض المتحاملين على المؤمنين والذين يتصيدون خطاياهم ويفرحون بها أكثر مما يفرح المؤمنون بفضل الله : {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله}(النساء 53)؟ إن شعور المؤمن بأن خطيئته لم تحرمه من وصف التقى تجعله لا يبالي بأقوال العِدى، يقول لهم كما قال نوح عليه السلام لقومه : {…إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون}(هود : 38).

إن قول النبي صلى الله عليه وسلم : ((وأتبع السيئة الحسنة تمحها…)) فيه منهج إصلاح الطبع بالشرع، فإذا كان من طبع الإنسان ومن طبيعته أنه ينسى ويقل عزمه وتغلب عليه شِقوته وتضعف هِـمّته…فإن من شأن شرع الرحمن أن يذكره ويقوي عزيمته ويُـعلي هِمّـته…ليتدارك النقص ويُـعيد لسيرته جمالها وحسنها ويمحو عنها ما علق بها.

وفي قوله صلى الله عليه وسلم : ((..أتبع السيئة الحسنة…)) أمر بالإِتْـباع الذي يفيد القصد إلى  فعل الحسنة بعد السيئة، وكأن السيئة سرقت جزءاً من جمال سيرة المتقي وفرّت فتتبعها الحسنة لتسترِدّ منها ما أخذت.ولا شك أنها حسنة خاصة لأن الحسنات تمثل الأصل في حياة المتقي، فلا داعي إذاً إلى الدعوة إلى فعلها.

قد يراد بها حسنة يصلح بها ما نتج من ضرر عن السيئة التي ارتكبها، خاصة إذا كانت سيئة تعدى ضررها إلى الغير، على حدِّ قوله تعالى: {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإنّ الله يتوب عليه}(المائدة : 39)،

أو تكون حسنة زائدة على ما ألِـفه من الخير لئلا تؤثر السيئة على سيرته فتكون الحسنة الجديدة التي أُمِر بفعلها مقابل السيئة التي ارتكبها وتبقى حسناته المعتادة كما تبقى سيرته بذات الحسن والجمال.

وفي كلتا الحالتين فإن المتقي لا يعرف بالضبط مقدار الحسنة التي تكافئ السيئة التي اقترفها، والذي تحمله عليه تقواه هو الاجتهاد في الحسنات حتى يظن أنه قد فعل ما يدل على صدق توجهه ويوجب قبول الله لأوبته.

وحتى لو علم بمقدار الحسنة التي تكافئ السيئة التي فعل واكتفى بها، فإن الحسنة بعشر أمثالها فيكون قد ربح.

إن سيئة المتقين تحملهم على الانكسار والتذلل لله الواحد القهار، فهي بدون شك خير من حسنات يفعلها بعض الغافلين تحملهم على التدلل والاستكبار.

ومهما يكن المعنى المراد من  قوله صلى الله عليه وسلم : ((…تمحُـها…)) فإن فيه  إشعاراً بمحو أثرها وانعدام تأثيرها  على حاضر المتقين ومستقبلهم لأن السيئة في الحقيقة لا تُمحى من تاريخهم ومن سيرتهم، فالذي يمحى هو ما تخلفه من سوء عاقبة في الدنيا وسوء جزاء في الآخرة. وللقرآن الكريم تعبير جميل يفيد غياب السيئة وبالتالي غياب أثرها ،قال تعالى : {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين}(هود : 114).

تلك سيرة المتقين وتلك تربية الوحي لهم يفعلون الطاعات ويجتنبون المنكرات وإن وقع منهم سوء عالجوه بالإحسان.

وفي قوله عليه الصلاة والسلام : ((وخالق الناس بخلق حسن)) لطائف تربوية عميقة ؛ لأن القارئ لهذا الحديث قد يرى أهل التقى في غنى عن هذا التوجيه ما داموا على ما مرّ من وصفهم، لكن المتأمل يجد أنهم قد يكونون أحوج الناس إلى التذكير بحقوق الناس عليهم من الخلق الحسن.

إن السيرة الطاهرة للمتقي قد تحمله على نوع من التكبر والاستطالة على العباد عندما يشعر أنه أعْـبَـدُ منهم  وأقرب إلى الله تعالى منهم، وفي ذلك من الإساءة إلى الخلق ومن التزكية للنفس ما لا يخفى، وما يدريك ألم يقل العليم الخبير : {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى}(النجم : 31)؟.

إن مِلاك التقى هي التواضع للعلي العظيم والرحمة بخلق الله أجمعين

يقول الله تعالى في الحديث القدسي: ((إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي  ولم يستطل بها على خلقي ورحم الأرملة واليتيم ورحم المسكين…)).

إن الذي يستكبر على الناس بالمال أو بالجاه أو بالمنصب أو غيرها… قد يدرك يوما أنه كان مخطئا في حق نفسه وحق غيره وقبل ذلك في حق المنعم سبحانه، وخاصة عندما يرى هذه الزوائل تترك أصحابها أو يتركونها، لكن الذي يترفع على الناس بالتديّـن لا أراه ينتبه.

ثم إن الناس لا ينتفعون بعبادة العابدين ولا بنسك المتنسكين وإنما ينفعهم منهم الخلق الحسن. وهو الذي يحبب إلى الناس هذا الدين ويجعلهم يتذوقون ثماره ويتفيّـأون ظلاله. وكل خلق سيئ ينتج عكس هذه النتائج ويساهم في الصد عن سيل الله.لأن الذي يسيء الأدب والخُلُق مع الخلْق يبْعُـد  منه أن ينصحهم وإن فعل فإنه يبْـعُـد منهم أن يقبلوا منه، إن التواضع للناس وحسن الخلق يشعر الإنسان بالانتماء إليهم والمساواة معهم وهذه جسور للتواصل لابدّ منها. قال تعالى : {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين}(فوصلت : 32).

إن بعض المسلمين -لسبب ما- يرون أنهم يحتكرون الهدى ولا يشاركهم فيه إلا من كان على طريقتهم، وأنهم وحدهم يمثلون الفرقة الناجية وأن من سواهم -من المسلمين وغير المسلمين- كلهم في ضلال مبين.

لقد حكى القرآن الكريم سِيَـر بعض الأمم التي كانت تزعم أنها -من دون الناس- صاحبة الحظوة والولاية لله تعالى والمحبة، قال تعالى : {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى…}(البقرة : 110).

وزعموا -بناء على ذلك- أنهم لا يعذبون إلا قليلا، قال تعالى : {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات…}(آل عمران : 24).

ورد القرآن الكريم على هذه  المزاعم كلها وفندها فقال تعالى : {ليس بأمانيكم ولا أمانيّ أهل الكتاب من يعمل سوء يُـجزَ به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا}(النساء : 123).

أرى أن كثيرا من أدواء الأمم  قد دبّت إلى بعض أبناء أمتنا والسبب هو غياب ثقافة القرآن الكريم، وضعف التخلق بخلق رسول الله الأمين الذي خالق الناس بخلق عظيم.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

———

1- رواه الترمذي وقال: حديث حسن .

2- جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري.

3-لطائف الإشارات للقشيري.

4- هذا ظاهر النص القرآني، وللمفسرين تأويلات متباينة لهذه الكلمات.

5- المقصود بهم الخوارج الذين يزعمون أن الكبيرة تخرج صاحبها من الإسلام.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *