إلى أن نلتــــــقي


سلطة الإعلام

عجبت كل العجب لما للإِعْلام منْ سُلْطة تفُوق كل السلط، وتأثير يتميز عن كل التأثيرات، إلى درجة يبْدُو القول بكل ثقة، إنّه السلطة الأولى وليست الرابعة، لما له من تأثير يدفع الناس أو يصدُّهم عن كل شيء، حتى عن معتقداتهم الدينية التي عادة ما تكون راسخة.

في يوم 2012/12/21م، ذلك اليوم الذي قيل عنه إنه نهاية العالم، تداعى الإعلام قبله بأيام، وربما شهور عديدة شرقا وغربا، شمالا وجنوباً بالحديث عن هذا اليوم غير الموعود، وذهب بعضه إلى التهويل -عن قصد أو غير قصد- من ذلك اليوم بتقديم تقارير واستطلاعات رأي ومحاورات ورؤى افتراضية انطلاقا من المتخيّل العلمي، أو اعتماداً على بعض الأحداث الكونية ومدى تكررها، أو على حسابات مبنية على معتقد فاسد أو أساس خاطئ، ونسي كل الناس الذين هم وراء هذه الوسائل، أو تناسوا، رأي الدين في هذا الأمر، نعم رأي دين الإسلام في هذا الأمر، وإن كنت أظن أن المسيحية واليهودية -كما يعتقد أصحابها الآن- تضمنان اعتقاداً مماثلا لمعتقدات الاسلام، وهي أن نهاية العالم يدخل في علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. ولكن مع ذلك رجّح الإعلام معتقد شعب المايا الذي بُني على حسابات قادته إلى جعل ذلك اليوم نهاية العالم، دون أي التفات إلى تبصير الناس بالمعتقد الصحيح الذي يوجد في عقيدتنا وهو أن الساعة علمها عند الله، ولست أدري كيف كان تلقي المعتقدين من شعب المايا خيبة الانتظار هذه بعد أن مرّ ذلك اليوم دون أن يحدث أي شيء مما كانوا يتوقعون. هل سيظلون متمسكين بمعتقدهم، بعد أن تأكد لهم بطلانه، أم سيلجأون إلى التأويل والهروب من الواقع.

أما من تأثروا بسلطة الإعلام، وخافوا من ذلك اليوم، فهذا بعض ما رأيت وما سمعت :

– الاستماع إلى القرآن طيلة ذلك اليوم في الدّور والمحلات التجارية.

– الذهاب إلى المساجد في أوقات الصلاة.

– الامتناع عن الذهاب إلى العمل، أو العودة منه مبكراً.

– منع الأطفال من الذهاب إلى المدرسة، خوفا من أن يأتيهم الموت بعيدين عن آبائهم.

– الأرق في الليل وعدم النوم.

– ترقب الأخبار في الصباح الباكر لمعرفة ما حدث في الجهات التي يبدأ فيها النهار قبلنا، وكان قيام الساعة حُدِّدَ له ما بين الشروق والغروب.

ذلك بعض ما شاهدته، أو ما حُدِّثت به، وهو ينبئ بشكل كبير عن سلطة الإعلام وتأثيرها في النفوس، إلى درجة أنها أنْسَت الناس، أو على الأقل ألْهتهم عن صحيح المعتقد في هذا الباب.

ومن الغريب جدّاً أن يصدق أحدنا معتقداً آخر، لا علاقة له على الاطلاق بمعتقداتنا الاسلامية، ثم يأتي بعد ذلك ليتجهز للقاء ربه على الطريقة الاسلامية، بقراءة القرآن أو الاستماع إليه أو الصلاة في المسجد وما شابه ذلك. ولو كان إعلامنا مخلصا بعض الشيء أو فيه شيء من النزاهة، أو على الأقل لنقل شيء من الحياد، فإنه كان من الأجدر به أن يقدّم رأي الدين في الموضوع، حتى وإن قدَّم هذه الأخبار عن معتقدات الآخرين في سياق ما يُقدم من أخبار، حتى لا يضلِّل الناس بسلطتهم فيصبحوا تائهين بين المعتقدات.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *