نافذة على التراث – حوار  نادر مع الجاحظ في موضوع القراءة والكتاب


سمع بعض المغاربة بأن طلاب علم من الأندلس سافروا إلى المشرق من أجل التلمذة على أبي عثمان الجاحظ، بعد أن وصلت كتبه تباعا إلى بلاد الأندلس والمغرب، فتشوف إلى إجراء حوار مع هذا العلَم الفذ، وإن لم يحظ بشرف التلمذة عليه، فشد الرحال بمشاعره إلى البصرة، ولِم لا والمغاربة معروفون بالرحلات الطوال، وكله أمل في أن يكشف بعض ما قيل عن الجاحظ من حبه للقراءة والكتابة، وعن رأيه في الكتاب ودوره في بناء الحضارة، وعما بذله من جهد في سبيل الدفاع عن الكتاب ليكون وسيلة أساسية من وسائل العلم والمعرفة.

حمل إليه أكثر من سؤال، وفي مخيلته أكثر من صورة عنه من خلال ما سمع عنه؛ دمامته وجحوظ عينيه، مرحه وخفة روحه، موسوعية معارفه وعلومه، كثرة كتبه ومؤلفاته، آراؤه الجريئة في العديد من القضايا، قدرته الفائقة على الجدل والبيان، إلى غير ذلك مما علق بمخيلته عنه. لكن مع ذلك كان مصمما على إجراء الحوار، طامحا أن ينال شرف السماع منه مباشرة، خاصة فيما يتعلق بنشأته وصباه، ومراحل الدراسة الأولى، وما سمعه عنه من طرائف، ومن ثم فكر في أن تكون بداية الحوار مرتبطة بالطفولة والصبا، فدبّج السؤال الأول قبل الوصول، حتى لا يواجَه بما يحرمه من شرف المثول، وبعد أن استقر به المقام، وقدم التحية والسلام، وجه السؤال بالتمام، فقال:

>> بعد التحية والسلام، والتقدير للمقام العلمي الذي شرف به شيخنا، ليسمح شيخنا الكريم بهذه المحاورة، تنويرا للقارئ المريد الراغب، وتنبيها للمتعلم الذكي اللبيب، في الاطلاع على سير العلماء في التعلم والتعليم، وطريقتهم في القراءة والتأليف، آملا ألا أكون ضيفا ثقيلا، سيما والظروف الصحية غير مواتية، لكن شيخنا الذي انتقد البخل والبخلاء لن يكون علي بخيلا، فكيف كانت طفولة شيخنا في تعلمه وقراءته؟

> بسم الله الرحمن الرحيم. جَعلَ الله يابني بينك وبين المعرفة نسباً، وبين الصدق سَبَباً، وحبَّب إليك التثبُّت، وزيَّن في عينك الإنصاف، وأذاقك حلاوة التقوى، وعرَّفك ما في الباطل من الذلَّة، وما في الجهل من القِلَّة.

اعلم بُنَي أن الصِّبا مطية اللهو، ولكن مع ذلك أذكر أن اللهو آخر شيء كنت أفكر فيه، أنا ابن أسرة اتسمت برقة الحال، وضيق ذات اليد، أحوجتها الخصاصة ، إلى أن تدفعني دفعا إلى بيع السمك والخبز بجانب نهر صغير بالبصرة يدعى « سيحان »، لكن الحقَّ أقول؛ كنت لا أجد راحتي إلا في القراءة، حيث كنت شغوفا بالعلم، لا أتهاون في الأخذ بأسبابه متى ما سنحت لي الفرصة، وأذكر أني كنت – على ضعف ذات يدي – أكتري بعض دكاكين الوراقين، أبيت فيها ليلا للنظر، ومطالعة ما حوته من درر وفوائد، كما كنت أغشى حلقات العلم العامرة بالمساجد، وكنت أتردد على سوق المربد لتلقي اللغة والفصاحة مشافهة من الأعراب الذين كانوا يفدون على هذه السوق. وأذكر أن والدتي رحمها الله التي كانت ترغب في أن أكون تاجرا، عُدت إليها يوما وبطني تضور جوعا، فطلبت منها الطعام، فجاءتني بِطبق كراريس(أي كتب ودفاتر). فقلت لها متعجباً: أُمّاه ما هذا؟ فقالت: الذي تجيء به من السوق. فخرجت من البيت مغتماً، وجلست في الجامع، وإذا شيخ يراني على هذه الحال، فيسألني: ما شأنك؟ فحدثته الحديث، فأدخلني المنزل، وقرّب إليه الطعام، وأعطاني خمسين ديناراً، فدخلت السوق، واشتريت الدقيق وغيره، وحمله الحمالون إلى الدار، فأنكرت أمي ذلك، وقالت:من أين لك هذا؟ قلت: من الكراريس التي قدمتها إليّ.

>> ما شاء الله شيخنا، كأنك تريد أن تقول إن الكراريس هي الأخرى جالبة للرزق على كل حال. لكن لماذا الكتاب والكراس بالذات، وما قيمتهما للفرد والمجتمع؟

> الكتاب! الكتاب! نِعْمَ الذُّخر هو والعُقدة، ونعم الجليس والعُدَّة، ونعم المشتغل والحرفة، ونعم الأنيس لساعة الوحدة، ونعم المعرفةُ ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخِيل، ونعم الوزير والنزيل.

اعلم بُني، أني ما علمت طوال حياتي قريناً أحسنَ موَافاةً، ولا أعجَل مكافأة، ولا أخفَّ مؤونة، ولا شجرةً أطولَ عمراً، ولا أجمعَ أمراً، ولا أطيَبَ ثمرةً، ولا أقرَبَ مُجتَنى، ولا أوجَدَ في كلّ إبَّانٍ، من كتاب، ويكفي من قدره أن تذكر ما قاله اللّه عزّ وجلّ لنبيّه صلى الله عليه وسلم: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) فَوَصَفَ نَفْسَهُ، تبارك وتعالى، بأنْ علَّمَ بالقَلم، كما وصف نفسَه بالكرَم، واعتدَّ بذلك في نِعَمه العِظام، وفي أيادِيه الجِسام، فجَعَلَ الله تعالى هذا الأمرَ قرآناً، ثمَّ جعلَه في أوَّل التنـزيل ومستَفْتَح الكتاب.

>>  بارك الله فيك شيخنا، ما أجمل هذا البيان عن قيمة الكتاب وأهميته. لكن ما رأيم فيمن يفضل الرواية الشفوية على الكتابة، بحجة أن الرواية الشفوية المحفوظة تحمل مع الحافظ أينما حل وارتحل، بينما الكتب يصعب حملها من مكان إلى آخر.

> اسمع بني، ألا تعلم أنه لولا الكتبُ المدوَّنَة والأخبار المخلَّدة، لبَطَل أكثر العلم، ولغلَب سُلطانُ النِّسيانِ سلطانَ الذكْر، ولو تمَّ ذلك لحُرِمْنا أكثرَ النفع؛ إذ كنَّا قد علمْنا أنَّ مقدار حفْظ الناسِ لعواجل حاجاتهم وأوائلها، لا يَبلغ من ذلك مبلغاً مذكوراً ولا يُغْنِي فيه غَنَاء محموداً، ولو كُلِّفَ عامّةُ مَن يطلب العلمَ ويصطَنِع الكتب، ألاّ يزال حافظاً لفِهرست كتبه لأَعجزه ذلك، ولَشَغله ذلك عن كثيرٍ ممّا هو أولى به.

من أجل ذلك وضع اللّه عزّ وجلّ القلم في المكان الرفيع، ونوَّه بذِكره في المنْصِب الشريف، حين قال « ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ »، فأقسَمَ بالقَلَم كما أقسمَ بما يُخَطُّ بالقلم؛ إذ كان اللسانُ لا يشُقُّ غبارَه، ولا يجري في حلبته، ولا يتكلف بُعْدَ غايتِه. وقد قال أبو إسحاق: القليل والكثير للكتب، والقليلُ وحدَه للصدر.

>>  هل للعلماء الآخرين أقوال في الكتاب وقيمته؟

> نعم بُني، من ذلك ما قاله الحسن اللؤلؤي: غَبَرتُ أربعين عاماً ما قِلْتُ، ولا بِتُّ، ولا اتكأت إلاّ والكتابُ موضوعٌ على صدري.

وقال ابن الجهْم: إذا غشِيَني النعاس في غير وقتِ نوم – وبئس الشيءُ النومُ الفاضِلُ عن الحاجة – قال: فإذا اعتراني ذلك تناولتُ كتاباً من كتب الحِكَم، فأجدُ اهتزازي للفوائِد، والأريحيَّة التي تعتريني عند الظفَر ببعض الحاجة، والذي يغشَى قلْبي من سرور الاستبانة وعزِّ التبيُّن أشدَّ إيقاظاً مِن نَهيق الحمير وهَدَّةِ الهدْم.

وقال أبو عمرو بنُ العلاء: ما دخلتُ على رجل قطُّ ولا مررتُ ببابه، فرأيتُه ينظرُ في دفترٍ وجليسُه فارغُ اليد، إلاّ اعتقدتُ أنَّه أفضلُ منه وأعقل.

>> جزاك الله خيرا شيخنا، لكن هل الكتاب وحده كاف بأن يجعل من الجاهل عالما؟

> بالتأكيد لا، اسمع بني، أنا حاولت في أكثر من مكان من كتبي، أن أنبه على مسألة أساسية في التعلم، وهي الطبع، نَعَم الطبع، ولقد سمعت من شيخي أبي إسحاق النظام يقول: « إن الكتبَ لا تحيي الموتَى، ولا تحوِّل الأحمقَ عاقلاً، ولا البليد ذكِيّاً، ولكنَّ الطبيعةَ إذا كان فيها أدنى قَبُول، فالكتبُ تشحَذُ وتَفتِق، وتُرهِف وتَشفي ».

>> هل جميع ما هو مكتوب مفيد؟

> لا، هناك كتب لا فائدة منها حتى وإن كانت براقة في مظهرها؛ انظر إلى الزنادقة كيف يزخرفون كتبهم، بالمغالاة بالورق النقيِّ الأبيض، وبتخيُّر الحِبرِ الأسودِ المشرِق البرَّاق، وباستجادةِ الخطِّ، ولكن مع ذلك ليس في كتبهم مثلٌ سائر، ولا خبرٌ طَريف، ولا صنعةُ أدبٍ، ولا حكمةٌ غرِيبة، ولا فلسفةٌ، ولا مسألةٌ كلاميَّة، ولا تعريفُ صِناعة، ولا استخراجُ آلة، ولا تعليمُ فِلاحةٍ، ولا تدبير حرب، ولا مقارَعة عن دِين، ولا مناضَلة عن نِحْلة، وجُلُّ ما فيها ذِكر النور والظلمة، وتناكُحُ الشياطين، وكلُّه هَذْرٌ وعِيٌّ وخُرافة، وسُخْريَة وتكذُّب، ولذلك احتاجوا إلى الترقيع والزخرفة، رغبة في التمويه على القارئ، وتزييف الحقائق.

>>  لعل هذا شأن الناس في كل زمان ومكان من أجل تسويق البضاعة، لكن هل يمكن أن أسأل -وقد بلغ علمك ما بلغ من سعة الاطلاع ودقة الملاحظة- أسألك عن أفضل الكتب نفعا وأعلاها مكانة، وأوثقها رواية؟

> أكثرُ الكتب نفعاً، وأشرفها مكانةً، وأحسنُها موقعاً؛ كتاب اللّه تعالى، فيه الهُدَى والرحمة، والإخبارُ عن كلِّ حكمة، وتعرِيفُ كلِّ سيِّئةٍ وحسَنة، ومازال كتابُ اللّه تعالى في الألواح والصُّحُف، والمهارِق والمصاحف، وقال اللّه عزَّ وجلَّ « المَ ذلكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ »، وقال جل ذكره: « مَا فَرَّطْنَا في الْكِتَابِ مِنْ شَيءٍ ». وقال عز من قائل: {إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون}، وروي عن رسولنا صلى الله عليه وسلم أنه قال: « كتاب الله فيه خبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا يشبع منه العلماء  ولا يخلق عن كثرة رد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي من عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم ».

>> صدق رسولنا صلى الله عليه وسلم. انطلاقا مما سبق هل يمكن أن نقول: إن للكتاب دورا كبيرا في بناء الحضارات الإنسانية؟

> هذا مؤكد يا بني، فقد يذهب الحكيمُ وتبقى كتبُه، ويذهب العقلُ ويبقى أثره، ولولا ما أودعت لنا الأوائلُ في كتبها، وخلَّدت من عجيبِ حكمتها، ودوَّنت من أنواعِ سِيَرِها، حتَّى شاهدنا بها ما غاب عنَّا، وفتحنا بها كلَّ مستغلق كان علينا، فجمَعنا إلى قليلنا كثيرَهم، وأدركنْا ما لم نكن ندركُه إلاّ بهم، لَـما حَسُنَ حظُّنا من الحكمة، ولضعُف سبَبُنَا إلى المعرفة، ولو لجأنا إلى قدر قوَّتِنا، ومبلغ خواطرِنا، ومنتهى تجارِبنا لما تدركه حواسُّنا، وتشاهدهُ نفوسنا، لقلَّت المعرفةُ، وسَقَطت الهِمّة، وارتفعت العزيمة، وعاد الرأيُ عقيماً، والخاطِر فاسداً، ولَكَلَّ الحدُّ وتبلَّد العقل.

>> ذكرت، شيخنا، في بعض كتبك أن الكتاب « إناءٌ شُحِن مُزَاحاً وجِدّاً »، فكيف يمكن الجمع بين الجد والهزل في كتب العلم؟

> هذا أمر قتلته علما، إنه لا جِدَّ بدون هزل، ذلك أن الإنسان من طبيعته يميل إلى الإحماض من حين إلى آخر، وهؤلاء علماؤنا وفقهاؤنا، كانوا لا يستنكفون عن الخوض في مواضيع الهزل إذا اشتد بهم الجد. والهزل وسيلة تربوية وتعليمية لجعل القارئ منتبها متتبعا، ولذا جعلت العديد من كتبي؛ وخاصة الحيوان والبيان، أفناناً زاهرة، وفنونا مختلفة، فجعلَتُ القارئَ لا يخرجُ من الاحتجاج بالقرآن الحكيم إلا إلى الحديث المأثور، ولا يخرجُ من الحديث إلا إلى الشِّعر الصحيح، ولا يخرجُ من الشّعر الصحيِحِ الظريفِ إلا إلى المثلِ السائر الواقع، ولا يخرج من المثل السائر الواقع إلا إلى القول في طُرف الفلسفة، والغرائب التي صحَّحَتْها التجربة، وأبرزَها الامتحان، وكشَف قِناعَها البُرهانُ.

>>  هل يتفضل شيخنا جانبا من نوادره التي ذكرها، والتجارب العلمية التي أجراها، فلقد ذكّرني قولك هذا بما قمتَ به من تجارب على الحيوانات.

> من النوادر التي أذكرها، مما هو مدون في كتبي، نوادر بعض البخلاء، فقد ذكروا لي أن أناساً من أهل مدينة « مَرْو » لا يلبسون خفافهم (أحذيتهم) إلا ستة أشهر في السنة،  فإذا لبسوها في هذه الأشهر الستة يمشون على صدور أقدامهم ثلاثة أشهر وعلى أعقاب أرجلهم ثلاثة أشهر مخافة أن تثقب هذه النعال…

وبينما كنت أحاول توجيه سؤال عن مدى قدرته على قراءة الكتب وقد بلغ من الكبر عتيا، إذا به يتململ متألما، فسألته عما به  فقال: كيف يكون من نصفه مفلوج لو حز بالمناشير ما شعر به، ونصفه الآخر  منقرس لو طار الذباب بقربه لآلمه ..

شكرته على صبره، ثم ودعته على أمل أن أعود إليه في وقت لاحق، وبعد ذلك بأيام بلغني نعيه، فسألت عن سبب ذلك، فسمعت ناسا يتداولون أن موته كان بسبب وقوع مجلدات الكتب عليه، إذ اعتاد أن يصفَّ كتبه قائمة محيطة به ويجلس وسطها، وبما أنه كان عليلا فقد أودت بحياته مباشرة.

فرحمك الله ياابن بحر، فلقد تركت أفنانا ناضرة، وثمارا يانعة، عُدّت كتبك بالمآت، وسرى بيانك في كل الجهات، وطار ذكرك في الآفاق، فعسى أن يأتسي بك في حب القراءة والكتاب، مَن شغلته الملاهي والألعاب، وودع الكراس والقرطاس، في زمن لا كزمنك، فقد أتيحت لنا كل وسائل القراءة، ومع ذلك لا نقرأ.

إعداد: د. عبد الرحيم الرحموني

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *