مواقف وأحوال – أحمد بن المعتب … شهيد القرآن


رأيت الناس في زماننا يموتون لأتفه الأسباب، ويقدمون أرواحهم في سبيل أمور صبيانية في غالب الأحيان، فهذا يموت دفاعا عن فريق كرة قدم، وذاك يقتل من أجل مقعد في بلدية أو جماعة، وثالث يحرق نفسه من أجل منصب أو وظيفة … فتذكرت رجالا كانوا يموتون في أمور عظيمة، يفتحون البلدان، وينشرون القرآن، ويعلون راية الإسلام، ومن هؤلاء الفقيه المالكي أحمد بن المعتب، قال عياض: إنه سمع من سحنون، وهو من فقهاء أصحابه، وسمع من أبي الحسن الكوفي جميع ما عنده، وسمع بالمشرق من العثماني بالمدينة، وحسين بن حسن المروزي صاحب ابن المبارك، ولقي إسماعيل القاضي.

ثم قال: قال أبو العرب: كان -أي أحمد بن المعتب- ثقة ثبتاً نبيلاً، عالماً بالحديث والرجال، حسن التقييد، سمع منه الناس، وقال ابن حارث: كان نبيلاً فصيحاً، صحيح اليقين بالله.

وقال القاضي يونس عن أبي العرب: إن أحمد بن معتب، كان له صلاة طويلة بالليل، وبكاء، حتى كان يسمع جيرانُه بكاءه وصراخه، وكان له نُسُكٌ وخشوعٌ وحسن خلق، وكان فيه زهد، وكان سبب وفاته أنه حضر يوماً مسجد السبت بالقيروان، فقرأ القارئ: {ألْهاكُم التّكاثُر حتى زُرتُم المقابر} ويقال: بل قرأ: {ويُطاف عليهم بصحافٍ من ذهبٍ وأكواب..}الآية، وقيل: بل سمع بيت شعر، فيه ذكر النار، فخر صعقاً وحمل إلى داره بشارع ابن المعتب، لا ينطق بكلمة وتوفي، وذلك لسبع خلت من ذي القعدة سنة سبع وسبعين ويقال ست وسبعين ومائتين،

وقال ابن اللباد: حضرت مشهد الذكر يوم السبت، لسبع خلون من ذي القعدة، سنة سبع وسبعين ومائتين، وأحمد بن المعتب رحمه الله تعالى حاضر، وكان له بكاء ونوح، وكان القراء إذا علموا به، تحركوا، وعبّروا، وأخذوا في التعبير:

دع الدنيا لمن جهل الصوابا

فقد خسر المحب لها وخابا

فلما وصلوا:

يظل نهاره يبكي ببث

ويطوي الليل بالأحزان دابا

تحرك وبكى، ثم قرأ قارئ: {يا عبادي لا خوفٌ عليكمُ اليومَ ولا أنتم تحزنون…}الآية بل الآيات الثلاث، فصاح صيحة شديدة، ثم سقط على وجهه فأقام ساعة، وأسنده إنسان بصدره، وكُلم فلم يتكلم، ثم أغلق عينيه، … فلما انقضى المجلس بالدعاء، أردنا أن نحمله على دابة فلم يستطع، إذ كان لا يثبت، فجئنا بمحمل على جمل فحمل، وأخرج من المسجد يبكي، كأنه نائم، وحمل في شق الجمل وزَامَلَه ابنُ عم له، ثم أتي به داره. فقاء شيئاً أخضر، ولم يتكلم، وتركناه لنسائه، فلما كان بعد العشاء الأخير، توفي رحمه الله تعالى، ولم يتكلم ولم يفتح عينيه، وأغلقت الحوانيت كأنه يوم عيد، وحضرتُ غسلَه، وقد كسي نوراً وبياضه لبدنه، وصلي عليه العصر، صلى عليه حمديس القطان، وفات كثيراً من الناس الصلاة عليه لكثرتهم، ونودي على جنازته: ؟؟أيها الناس لا تفوتكم جنازة أحمد بن معتب شهيد القرآن؟؟(1).

هذا شهيد القرآن، فانظر لنفسك شهيد من تريد أن تكون؟

أسأل الله لي ولك التوفيق.

ذ. امحمد العمراوي

من علماء القرويين

amraui@yahoo.fr

——

1- ترتيب المدارك للقاضي عياض: 4/353 وانظرها مختصرة في التاج والإكليل للمواق 2/254

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *