قـوانـيـن  الـقـرآن  الـكـريــم(21) قانون الولاء والبراء


الولاء والبراء مادة الانتماء

.. قانون الولاء والبراء موضوع دقيق جدا وخطير في الدين، أنت من؟ تنتمي لمن؟ هل تنتمي لهذه الأمة؟ إن كنت كذلك ينبغي أن يؤلمك ما يؤلمها، ينبغي أن يفرحك ما يفرحها، ينبغي أن تسعى جاهدا لحمل همومها للتخفيف عنها، ينبغي أن تسعى جاهدا لتكون قوية بين الأمم. الولاء والبراء أحد أركان الدين التي تعد أصلا في الدين، كي تتوضح هذه الحقيقة نضرب هذا المثل، إنسان له أب يحبه ويحترمه ويقدره، سمع قصة لاتليق بأبيه، لأن ولاءه لأبيه يسعى إلى فهم الحقيقة، يسعى إلى التدقيق، لعلها قصة مفتراة، لعلها قصة مبالغ فيها، لعلها قصة لم تقع أصلا، يسأل أباه، يستوضح، يأتي بالدليل، شدة ولائه لأبيه يجعله يتريث في قبولها، بل يسعى إلى نفيها مع الدليل، لأنه يؤلمه أشد الألم أن يكون أبوه في هذا المستوى، وهو يظنه بعيدا عن هذا المستوى، ولاء هذا الابن لأبيه جعله يتريث ويبحث ويدرس ويعلل، لأنه يحب أباه. أما العدو حينما يسمع قصة مؤلمة عن إنسان يقبلها سريعا دون دليل، بل يروجها، بل يفرح لها؛ هذه النقطة الدقيقة في حياة المؤمن، المؤمن ولاؤه لأمته، ولاؤه لدينها، ولاؤه لمستقبلها، يؤلمه ما يؤلمها، ويفرحه ما يفرحها، يدافع عنها، قد يسعى إلى تبرير سلبياتها لا مبالغة ولكن واقعا، قد يسعى إلى كشف الحقائق التي تخفى عن أعدائها، ويروج لماضيها الذي شرفت به.

… موضوع الولاء والبراء موضوع دقيق، هو موضوع الانتماء في الحقيقة، فحينما ينتمي الإنسان لأمته، فإذا ذهب إلى بلاد الغرب، هناك إيجابيات وهناك سلبيات، لا مانع من ذكر الإيجابيات، ولكن الذي ينتمي لأمته يرى أيضا السلبيات، يرى الأشياء المؤلمة جدا، فإذا عاد إلى بلده ذكر الإيجابيات والسلبيات.. هناك أناس انعتقوا من أمتهم إذا ذهبوا إلى بلاد الغرب لا يرون إلا الفضائل، والدقة والنظام، والتفوق والتقنية، ويتعامون عن كل الرذائل التي صادفتهم هناك، فإذا جاؤوا إلى بلدهم نسوا فضائل هذه الأمة، نسوا تماسك الأسرة، نسوا الرحمة التي بين أفرادها، نسوا إيجابياتها وروجوا سلبياتها، فالبطولة أن يكون لك ولاء لأمتك، هذا الولاء لا يعني أن تسكت عن الخطأ، ولكن يعني أن تحاول إصلاح الخطأ، هذا الولاء لا يعني أن تنتقص من أعدائها بلا مبرر، ولكن إذا كان هناك أخطاء فادحة عند أعدائها ينبغي أن تبينها من أجل التوازن.

الولاء والبراء بالحق مصنع الرقم الصعب

فالولاء والبراء تؤكده آيات كثيرة في القرآن الكريم، من هذه الآيات {والمومنون والمومنات بعضهم أولياء بعض يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويوتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم}(التوبة :71) وفي آية ثانية {ياأيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم}(الممتحنة :13) ليكن ولاؤكم للمؤمنين، ليكن ولاؤكم لأمتكم… لذلك الإنسان حينما يكون رجل مبدإ، حينما تحكمه القيم ويحتكم إليها، لا يسخر منها ولا يسخرها… ولاؤه للحق، ولاؤه للمبادئ، ولاؤه للقيم، لا يباع ولا يشترى، هو يسمى الآن رقما صعبا، وأي إنسان غير قناعته بمبلغ من المال مهما كان كبيرا سقط من عين الله، وسقط من منظومة القيم الإنسانية.

… مرة كان أبو حنيفة النعمان عند المنصور، وعنده قاض من ألد أعدائه، أراد هذا القاضي أن يحرجه حرجا شديدا، فسأله: إذا أمرني الخليفة بقتل امرئ أأقتله أم أتريث؟

لأن ولاءه للحق ألهمه الله إجابة رائعة قال له: الخليفة على الحق أم على الباطل؟ فوقع هذا القاضي في حرج شديد، قال: الخليفة على الحق.. يكون مع الحق حيثما  كان. فلما خرج من مجلسه قال أبو حنيفة النعمان رحمه الله تعالى : أراد أن يقيدني فربطته. يعني المؤمن ولاؤه للحق، لاينطق بكلمة تسبب له متاعب مع الله عز وجل، ولا ينطق بكلمة لا تكون واقعية ولا صحيحة.

الولاء والبراء بين الإبهام والإفهام

… هناك ولاء مبهم جدا، النبي عليه الصلاة والسلام وهو في الطائف، يدعو أهل الطائف إلى الإسلام، إلى سعادة الدنيا والآخرة، كذبوه وسخروا منه، وبالغوا في إيذائه، فجاءه ملك الجبال ليمكنه من الانتقام منهم، قال ملك الجبال: ((أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين)). قال : “لا يا أخي اللهم اهد قومي إنهم لايعلمون، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده” معنى ذلك أنه انتمى إلى قومه ودافع عنهم، والتمس لهم العذر “إنهم لا يعلمون” وتمنى أن ينجبوا أولادا صالحين موحدين، هذا هو الولاء الصعب الذي كان فيه النبي عليه الصلاة والسلام، وكان في قمة الكمال.

… عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “لا تصاحب إلا مؤمنا” تطبيقا للولاء “ولا يأكل طعامك إلا تقي” أريد أن أنوه إلى أن علاقات العمل علاقات مشروعة، ولكن العلاقات  الحميمة جدا، هذه ينبغي أن تكون مع من تواليه بقلبك وقالبك.

… مرة التقيت بإنسان.. له مكتب فخم جدا، قال: إن عملي عمل قذر. استغربت من هذه الكلمة، يبدو أن عمله.. مبني على الإساءة إلى الآخرين، هذا العمل لا يؤكد انتماء الإنسان لأمته، الإنسان حينما ينتمي لأمته يكون سبب خير لها، سبب رشد لها، سبب إكرام لها، فالإنسان حينما يستخدم كأداة رخيصة تجاه مصالح أمته، هو كمنديل مسحت به أقذر عملية، ثم يلقى في المهملات. فالإنسان ينبغي أن يكون مواليا لأمته، ولمجتمعه، ولبلده، حتى يكون ولاؤه للحق، وحتى يكون ولاؤه لخير هذه الأمة.

… نحن مع آية دقيقة جدا، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يمكنني أن أوضحها لكم. الله عز وجل يقول.. {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض}(الأنفال :73) هذه حقيقة أولى، يعني ولاؤك أيها المؤمن للمؤمنين.. ولو كانوا ضعافا وفقراء، وينبغي أن تتبرأ من أعداء الأمة ولو كانوا أقوياء وأغنياء، هذا هو الولاء والبراء. ثم يقول الله عز وجل، وهي آية دقيقة جدا، {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا}(الأنفال :73) أي أن الانتماء الحقيقي انتماء عملي، الانتماء الحقيقي التزام، أما هذا الإعجاب السلبي بالإسلام دون التطبيق لا يقدم ولا يؤخر، ولكن الملمح الدقيقق الدقيق في تتمة هذه الآية {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض}(الأنفال : 74) يعني {إن تكونوا تالمون فإنهم يالمون كما األمون وترجون من الله ما لا يرجون}(النساء :103) {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} الآن ندقق “إلا تفعلوه” ضمير غائب مفرد {إلا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير}(الأنفال : 74)… من أدق ما فسر به العلماء هذه الآية، أن هذا الضمير يعود على الآية السابقة {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا} إن لم تؤمنوا، وإن لم تهاجروا، وإن لم تجاهدوا، وإن لم تؤووا، وإن لم تنصروا، سوف تكون هناك فتنة ينتج عنها شقاء كبير {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كير}(الأنفال:74).

… من لوازم الإيمان الولاء والبراء، من لوازم الإيمان أن توالي إخوانك المؤمنين ولو كانوا ضعافا وفقراء، تدافع عنهم، تأخذ بيدهم، تحمل همومهم، وأن تتبرأ من أعداء الأمة ولو كانوا أقوياء وأغنياء…

إلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى…

لخبير الجمال الدعوي الدكتور محمد راتب النابلسي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *