وظائف اللسان عند الإنسان


اللسان نعمة:

إن من نعم الله على  عبده، أن رزقه في جسمه من الأعضاء، ما يستطيع بواسطته أن يفكر ويسمع ويرى ويتكلم.. قال سبحانه : {وفي أنفسكم أفلا تبصرون}(الذاريات: 21). فالعين والأذن والأنف واللسان.. أعضاء جعلها الله للإنسان نعما يخدم بعضها البعض من أجل إفادته واستمتاعه بكل ما لذ وطاب من خيرات ونعم لا تعد ولا تحصى. وقد وهبها الله له لكي يستعملها ويسخرها فيما يرضي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهو مأمور بالمحافظة عليها لكي تؤدي وظيفتها على الوجه المطلوب الذي خُلقت من أجله ما دامت سالمة غير منقوصة.

منافع اللسان:

إن للسان الإنسان منافع كثيرة منها : تحريك الطعام في الفم والتمييز بين أذواق المأكولات والمشروبات، والتعبير عما يدور في الذهن من أفكار ومعلومات، وعما قامت أو سوف تقوم به الأعضاء الأخرى من أفعال وحركات، إيجابية أو سلبية صادقة أو كاذبة، فيقول مثلا : أنا قلت كذا أو فعلت كذا، أو سمعت أو رأيت كذا وكذا.. ولسان الإنسان كما هو معروف، يميزه عن غيره من المخلوقات الأخرى، التي رُزقت هذه الحاسة، ولكن شاء الله تعالى أن يجعل صوتها غير مفهوم لبني البشر، إلا لمن أراد أن يكون ذلك معجزة من معجزاته، كنبي الله سليمان عليه السلام. وإذا كانت كل من اليدين والرجلين لا بلد لها من الحركة للقيام بفعل الخير هنا أو هناك. فإن لسان الإنسان يقوم بفعل الخير مع الحركة وبدونها. فمنافعه مع الحركة مثلا : تتجلى في ذكر الله تعالى ، والدعاء إليه سبحانه، وتلاوة القرآن الكريم، وأداء شهادة الإيمان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأداء الشهادة لنصرة المظلوم، وقول الحق وما إلى  ذلك من أعمال البر والتقوى. وسوف ينال القائم بهذه الأعمال بفضل الله تعالى، الأجر والثواب، إذا خلصت النية لله، وكان في منأى عن الرياء أو الأمل في تحقيق مصلحة ما. أما منافع اللسان بدون حركته، فتكمن في حبسه وإمساكه عن الكذب وشهادة الزور وإذاية الناس بما يتعارض مع كرامتهم الدينية والإنسانية. كالغيبة والنميمة وغيرها من المحرمات التي تضر من قام بها دنيا وأخرى. فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أنا زعيم ببيت في ربض الجنة، لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه))(رواه أبو داود وصححه النووي).

وعن سهل بن سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ومن يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه ضمنت له الجنة))(رواه البخاري).

 أضرار اللسان:

إذا كان الإنسان يعلم أن اللسان هو العضو الكائن في الفم، المحاط بالأسنان والأضراس والشفتين، وكأنه محروس داخل بيت مقفل ذو بابين، حتى  لا ينفلت ويتيه كالفرس الجامح، خلافا لما هي عليه العين والأذن والأنف والأطراف، التي لها من الحرية حسبما يظهر ضعف ما هو عند اللسان، بناء على  انفراده وحراسته، وعلى ما هي عليه من حرية وازدواجية، ويعلم كذلك أن اللسان بمقدوره أن يغير الحقائق ويقلبها رأسا على عقب، بحيث ينطق ويقول، خلاف ما رأته العين أو سمعته الأذن، أو قامت به الأطراف، وهي لا تقوى على تكذيبه وإثبات براءتها مما اتهمت به، وإنما تدعوه فقط لأن يتقي الله فيهن، فعن أبي سعيد  الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إذا أصبح ابن آدم، فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول : اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا))(رواه الترمذي مرفوعا). فيجب عليه بعدما علم بذلك كله، أن يعمل على  كبح جماح لسانه بسلاح العقل الذي وهبه الله له، والذي يستطيع بواسطته أن يميز بين الحق والباطل.والخير والشر، والطيب والخبيث، والصالح والطالح.. وأن لا يسمح له بهتك أعراض الناس بالغيبة والنميمة وغيرهما من الظلم والعدوان. قال الله تعالى  : {ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن ياكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه}(الحجرات : 12) وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : “يا معشر من آمن بلسانه ولم يومن بقلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه، تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته، يفضحه في جوف بيته))(رواه الإمام أحمد وأبو داود). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((كل المسلم على  المسلم حرام، دمه وماله وعرضه))(رواه مسلم). وعنه أيضا، قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال : ((تقوى الله وحسن الخلق)) وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال : ((الأجوفان الفم والفرج))(رواهالترمذي وابن ماجة، وحسنه الألباني). وعن أبي موسى الأشعري قال : قلت يا رسول الله، أي المسلمين أفضل؟ قال : ((من سلم المسلمون من لسانه ويده))(رواه البخاري ومسلم). ويستثنى من الغيبة، ما كان تظلما أو استعانة على تغيير المنكر، أو استشارة.. كما لو حدث مثلا، أن سألك رجل عن سيرة وسلوك شخص يريد أن يشاركه في التجارة، أو يقرضه قدرا من المال، أو يؤمنه على ماله أو أولاده، وكنت تعرف أن المسؤول عنه غير صالح لذلك، لأنه لا يتقي الله في نفسه، فلا تكتم شهادتك عنه، بدعوى أن ذلك غيبة، بل الواجب أن تذكر لأخيك ما فيه من عيوب ولا حرج عليك، عملا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه : ((حق المسلم على  المسلم ست، إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له…))(رواه مسلم).

وقد استشارت فاطمة بنت قيس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت : أتيت الرسول صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله، إن أبا جهم ومعاوية خطباني؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه))(رواه مسلم) وفي رواية أخرى عنه : ((وأما أبو الجهم فضراب للنساء)) وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئا))(رواه البخاري). وقال الليث بن سعد أحد رواة هذا الحديث : هذان الرجلان كانا من المنافقين.

حفظ اللسان:

إن خير ما يحفظ به الإنسان لسانه السكوت، لأن السلامة تكمن فيه، وهو سلاح فعال لمحاربة الشيطان والتغلب عليه. قال تعالى : {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا}(فاطر: 6).

وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا شتم أبا بكر، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعجب ويبتسم، فلما أكثر رد عليه بعض قوله، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقام، فلحقه أبو بكر وقال : يا رسول الله، كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددتُ عليه بعض قوله غضبت وقمت؟ قال : “إنه كان معك ملك يرد عليه، فلما رددتَ عليه بعض قوله وقع الشيطان، فلم  أكن لأقعد مع الشيطان”(1). وعن عمر بن الخطاب قال : عليكم بذكر الله فإنه شفاء، وإياكم وذكر الناس فإنه داء. وذكر الإمام مالك، أن عيسى عليه السلام قال: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسوا قلبوكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون. وقد يخسر الإنسان المسلم حسناته بلسانه من حيث لا يشعر. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((أتدرون من المفلس))؟ قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال : ((إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته،وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار))(رواه مسلم والترمذي).

ويظهر مما ذكر أن الإنسان المسلم، يجب عليه أن يحكم عقله فيما يقول، لأن أصحاب النفوس الطيبة والقلوب الطاهرة، يتقون الله تعالى ويخافونه، ولا يواجهون من تجرأ عليهم بكلام نابذ ساقط، إلا بالسكوت والقول : حسبي الله ونعم الوكيل، وقد صدق من قال :

إذا نطق السفيه فلا تجبه وخير إجابته السكوت

فالسكوت والكلام القليل المتزن، من علامات الإيمان، قال الأوزاعي : المؤمن يقلل من الكلام ويكثر من العمل، والمنافق يكثر من الكلام ويقلل من العمل. وذُكر عن لقمان أنه قال لابنه : با بني من يصحب صاحب السوء لم يسلم، ومن يدخل مدخل السوء يتهم، ومن لا يملك لسانه يندم. وقال أحد الحكماء: إن جسد ابن آدم، ثلاثة أجزاء : قلب، ولسان، وجوارح. وقد أكرم الله القلب بمعرفة التوحيد، واللسان بالشهادة، والجوارح بالعبادات والطاعات.

اللهم اجعل قلوب المسلمين وألسنتهم وجوارحهم خالصة لطاعتك يا رب بالخشوع والذكر والحركة يا أرحم الراحمين يا رب العالمين.

—–

1-  قال الهتمي في مجمع الزوائد : رواه أحمد والطبراني في الأوسط، ورجال أحمد رجال الصحيح.

ذ. محمد الصباغ

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>