منزلة الـمحبة (1) – الـمحبة مركبة السائرين إلى الله عز وجل


المحبة جوهر القرآن الكر يم

يقول ابن القيم رحمه الله في وصفه أو كنايته عن المحبة أنها مَركَبُ العبد السالك إلى الله، فإذا كان الخوف والرجاء يمثلان جناحين يطير بهما العبد إلى ربه عز وجل ذُلُلاً، فإن المركبة التي يستقلها العبد الصالح وهو سائر إلى ربه هي المحبة، والمحبة هي جوهر القرآن الكريم، وهي فُص العبادة، وهي حقيقة الدين بدءاً بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وذلك أن الإنسان المؤمن حينما يختار أن يكون عبدا لله كما اختار ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما معناه أن قلبه مال إلى الله، ولا يميل القلب إلا إذا كان محِبّا، فإنما المحبة في معناها ما ينال القلب، والحقيقة أن هذا الأمر عظيم جدا ولو علم الناس حقيقة الدين من حيث هو محبة لانكب عليه الجميعإلا من غلَّفَ الله قلبه وأفسد طبعه ومسخ فطرته، أما من كان ما يزال في قلبه مثقال ذرة من إيمان وما يزال في قلبه مثقال ذرة من فطرة فإنه لا يمكن إلا أن يكون محبّاً، ولو لا أن إبليس اللعين يفسد على الناس تصوراتهم للدين وللإسلام لما بقي أحد شاردا عن الله عز وجل من المسلمين إلا وجاء يطرق بابه رَغِباً ورَهِباً لا يُفارق المساجد أبدا، وتعلمون حديث السبعة الذين يظلهم الله يوم القيامة، يوم لا ظل إلا ظله ومنهم رجل قلبه مُعلَّق في المساجد أو بالمساجد، فأن يُعلَّقَ القلب بالمساجد فليس له إلا معنى واحد هو أنه ارتبط بالله عز وجل ارتباط المُحِبِّ المُوَحِّدِ له وحده لا شريك له، ومن المعاني اللطيفة التي ذكرها ابن القيم رحمه الله عز وجل أن شهادة “أن لا إله إلا الله” التي هي كلمة الإخلاص وعنوان التوحيد ترجع حقيقتها أساساً إلى أن العبد حينما يشهد بها ويقر بها فإنه يُفرِّغ قلبه من كل حبّ سوى محبة الله عز وجل؛ لأن قول العرب أَلِهَ يأله أي أَحبَّ يُحِبُّ، هذا أصل الاستعمال، وذلك أن الإله من حيث هو اسم يدل على صفة، أما اسم الله عز وجل، فهو اسم يدل على علَم -ولله المثل الأعلى- كما يسمي أحدكم ابنه سعيدا أو محمدا أو عمرا أو عليا أي : أنه اسم يدل على جامعية الشخص وعلى كلية هذا الإنسان أو هذا المسمى أيّا كان تسميه باسم معين حتى إذا ناديته عُرف به واشتهر به، ولله المثل الأعلى، فاسم الله عز وجل الذي يدل على ذاته وحده دون سواه والذي لا يمكن أبدا أن يُشاركه فيه أحد هو الله عز وجل، ولذلك كان اسماً مُفردا حتى في اللغة لا يُجمع ولا يثنى لأن الله واحدٌ بالذات سبحانه وتعالى غير متعدد، أما أسماؤه الحسنى فهي أسماء تدل على صفاتٍ له سبحانه وتعالى، ومن صفاته أنه إله والإله صفة، ومعنى كونه إلها : أنه معبودٌ محبوبٌ وبما أن الإنسان وغير الإنسان قد يعبد من دون الله أنداداً فيكون له إله آخر من غير الله {أفرايت من اتخذ إلهه هواه} فالإله إذن صفة لله وهي صفة تتعلق بقلب الإنسان من حيث إن الإنسان يحبُّ الله عز وجل ولذلك فهو يعبده، فكانت هذه الكلمة قابلة للجمع وللتثنية لأن الإنسان يمكن أن يعدد محبيه فتكون له آلهة ومن هنا جعلت العرب آلهةً تعبدُها من دون الله لأنها أشركت وعدَّدت ولم توحِّد، وذلك لأن هذا الإحساس بالعبادة يرجع لدى العرب إلى استعمال هذه الكلمة في كل معاني الوجدان، يقولون أَلِهَ الفصيل يَأْلَهُ ألهاً وولهاً إذا اشتاق وحنَّ وأحبَّ (والفصيل هو ابن الناقة الذي فًُصِل عن الرضاع)، فصيل اسم فعيل كما نقول : ((فطيم للإنسان الذي فُطِمَ عن الرضاع حديثاً))  وكما يُقَال له رضيع إذا كان في مرحلة الرضاعة، ففصيل إذن هو ذلك الجمل الصغير الذي فُصِل أي عُزل عن أمه فهم يريدون فطمه حتى لا يرضع فيها فتُخرَج الأم أي الناقة إلى الحِمى لترعى ويبقى الفصيل في البيت وهو حديث عهد بالرضاعة وبالفطام فإذا مضى وقت ما لم يألف أن يفارق فيه أمه ناح، وللجمال نُواح معروف  -سبحان الله العظيم- أصوات تشبه بكاء الإنسان إذا حزنت أو حنت فينوح هذا الجمل الصغير بكاء على فراق أمه فيقولون حينئذ : أله الفصيل أي حنَّ واشتاق إلى أمه فَأُمُّهُ على المستوى اللغوي هنا إلهٌ أي أنها محبوبٌ لدى ذلك الفصيل فهي مألوهه ومحبوبه فحينما نقول لا إله إلا الله أي لا محبوب بصدق إلا الله، لا معبود بحقٍّ إلا الله فذلك معنى العبادة، لأن عبد يعبُدُ أي ذل يَذِلُّ والذلة شعور وجداني، ولذلك سُمِّي فعل العبادة  طاعةٌ وهي ضد المعصية ولا يُقال لفِعْلٍ طاعة إلا إذا حصل فيه أمران، الأمر الأول : هو الاستجابة لأنك تُؤمر فتستجيب، صل تصلي، زك تزكي، لا تزن لا تزني، لا تسرق لا تسرق، فإذن حينما يأتي الأمر والنهي تستجيب، هذا الشرط الأول، ثم بعد ذلك الرضى وهو شرط سابق ولاحق، أي به تبدأ العمل وبه تنتهي من العمل أي تفعل الفعل وتستجيب للأمر والنهي وأنت راض وذلك ما يُعبَّر عنه بالنية وبالإخلاص كذلك، ولأمر ما سمى الله عز وجل سورة {قل هو الله أحد} بسورة الإخلاص مع أنها عنوان التوحيد  سماها بالمضمون لأن الإنسان حينما يوحد الله عز وجل معناه أساساً أنه يُخلِصُ الطاعة له وحده لا شريك له وكل فعل أديته وأنت مُكرَه لا يسمى طاعةً، فلو أن ذا قوة وسيطرة أمرك أن تفعل فعلاً رغما عنك ففعلته خوفا لا يُعتَبَر ذلك طاعة لأن الطاعة مقرونة بالمحبة وأنت حينما تفعل الأمر الذي أمرت به تحت الإكراه فإنما تفعله خوفاً لا محبة وهذا لا يسمى طاعة، وإنما فعل تحت الضغط والإكراه ولذلك قال عز وجل {لا إكراه في الدين} لا يقبل الله عملاً إلا إذا كان مبنياً على الرضى، وهنا يحضرني مثلٌ فقهي أكرره كثيراً ومهم جدا لنفهم ما الطاعة، قال الفقهاء: ((لو أن شخصا امتنع عن أداء الزكاة يوم كان الجابي يجمع الزكوات في الزمن السابق، يوم كانت الشريعة الإسلامية هي أساس العمل في البلاد الإسلامية فإن السلطان يرغمه على أداء الزكاة، فيعد عليه الجابي ماله ثم بعد ذلك يطرح عنه مقدار الزكاة حسب صنف المال، إذا كانت تجارة فإن المقدار 2.5%، وإذا كانت فلاحة فالعُشر أو نصف العُشر، وإن كانت بهائم… على كل حال مقادير معروفة، فيخرج العامل أو الجابي الزكاة أو يأخذها منه قهرا، قال العلماء : بهذا الفعل يسقط عنه حقٌّ ويبقى حقٌّ، لأن الزكاة فيها حقان حق للعباد وحق لرب العباد، فأما حق العباد فهو حق الفقراء، وهو المال الذي أُخرج، يقولون هذا حق الفقراء قد وصلهم مادام انتزع منه قهراً ولن يخرجه مرة أخرى، أما حق الله فهو العبادة، يعني أن الذي أدى الزكاة ينبغي أن يكون بفعله مطيعاً لله ولا طاعة إلا مع المحبة والرضى، وهذا الشخص أُخرجَت عنه الزكاة كَرها فلم يحصل في قلبه رضى ولا محبة، قالوا : فحق الله باق عليه إلى يوم القيامة لم يسقط، وهذا قياس مضطرد، قياس تنبني عليه جميع العبادات، إذ كل عبادة لم يؤدها العبد بقصد طيب وبنية راضية فهي عبادة باطلة، ((إنما الأعمال بالنيات)) و”إنما” تفيد الحصر لأن كل عمل لم يُبن على نية التعبد ليس بعبادة، فيُشتَرَط أن تكون العبادة مبنية على نية العبادة نفسها والعبادة هي الرضى والخضوع القلبي وليس الشكلي وحسب، فلا قيمة لشكل لا يدل على باطن، ولا قيمة لباطن طبعا لا شكل له، الإيمان قول وعمل، ثم قبل ذلك وبعد ذلك رضى، أي النية، والإخلاص، ولهذا سُميت شهادة أن لا إله إلا الله بكلمة الإخلاص، والإخلاص في اللغة هو : الصفاء، خَلُص الحليب أي صفى،  وخلُص الحلال : صفا من الحرام ولذلك سميت سورة الإخلاص لأن التوحيد الحق هو ما صفا فيه الإخلاص لله الواحد القهار، وهذا لا يحصل إلا إذاكان العبد محبا لله عز وجل.

محبة إلى درجة الخلة

وأحبُّ العباد لربهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو المحب الأول لربه للحديث الصحيح الثابت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((لو كنت متخذاً أحدا خليلا لاتخذت أبا بكر)) وفي رواية ((لاتخذت ابن أبي قحافة خليلا))، و((لكن صاحبكم يعني نفسه صلى الله عليه وسلم اتخذ الرحمن خليلا))، وفي رواية ((لقد اتخذت الرحمن خليلا كما اتخذ الله إبراهيم خليلا))، والخلة هي أرفع درجة في المحبة، خلَلَ أو خالَلَ الشيءُ الشيءَ أي خالطه وشاركه، إذا كان لك صاحب وحصل بينكما تفاهم وارتفعت درجة الصحبة عندكم إلى المشاركة في المال وفي كل ما يجوز المخالطة فيه فإنه يصبح خليلا لك، يمكن أن ينوب عنك في الأخذ والعطاء والإنفاق على أولادك ويحمل همك ويقضي دينك… إنها مرتبة فوق الصحبة،  إنها المخاللة أو الخلة، ولذلك درجة المحبة التي كانت في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم لربه هي هذه الدرجة يعني أنه أحبه إلى درجة أن خالط قَلْبَهُ صلى الله عليه وسلم حب الله بحيث لا ينفك عنه ليل نهار، ولم يعد في قلبه مكان لإنسان يمكن أن يصل إلى درجة الخلة ولو كان أبا بكر وما أدراك ما أبو بكر، صاحبه الذي ذُكر في القرآن الكريم والذي وقف مع النبي صلى الله عليه وسلم في أشد الأحوال عُسرة، في العسر واليسر وفي المكره والمنشط رضي الله عنه وأرضاه، فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا شأنه، فالأمة إذن مأمورة باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم {قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم} فنحن مأمورون باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أهم صفاته صلى الله عليه وسلم أنه كان محبا لربه فنحن أيضا نجتهد أن نحب ربنا لأننا إن أحببناه حقا سهُل علينا حمل كل شيء من تكاليف الأمر والنهي في الدين وهذه مشكلة الناس ومشكلة المسلمين بصفة عامة، أن محبة الله عز وجل لم تخالط قلوبهم ولو خالطتها لتحولوا تحولا جذريا ولأصبحوا قوما آخرين ولكن الشيطان اللعين يُخبِّل ويخدج ويخلط على الناس دينهم، ذلك أن له مزاميره وله ملاهيه وله ظلمات، يخرج الناس من النور إلى الظلمات، {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات}، والمجتمع ظلمات، في كل مكان، وفي كل درب، وفي كل مجال، وفي كل ميدان، ويبقى النور وحده واحدا لا يتعدد، {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور}، فالنور واحد لأن مصدره واحد، ولذلك كانت المحبة واحدة، إذا امتُلك القلب فقد امتُلك.

——-

(ü) منزلة المحبة  من حلقات منازل الإيمان التي ألقيت بمسجد الجامع الأعظم بمكناس وهي مادة مسجلة على شريط سمعي .

أعدها للنشر: عبد الحميد الرازي

د. فريد الأنصاري رحمه الله تعالى

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>