العمران الحضاري وأسسه في القرآن الكريم 1


أ ـ مفهوم العمران في القرآن:

لفظ(العمران) لم يرد في القرآن، وإنما ورد فيه ما يفيد الإعمار والتعمير أو الإسكان بألفاظ وعبارات مثل :(استعمركم فيها ـ وعمروها أي الأرض ـ عمارة المسجد الحرام ـ أسكنت من ذريتي..)، وكلها تفيد عمران (تعمير) الإنسان لمنطقة معينة بقصد العيش وعبادة الله تعالى.

والعُمران في اللسان العربي : نقيض الخراب، وهواسم للبنيان، ولمن يعمر به المكان ويحسن حاله، بواسطة الفلاحة وكثرة الأهالي ونجح الأعمال والتمدن (.،.

والعمران في الاصطلاح اقترحه المفكر العلامة ابن خلدون (في المقدمة) للدلالة على نمط الحياة بوجه عام، جاعلاً إياه إحدى الخواص التي تميز بها الإنسان عن سائر الحيوانات، وهو: « التساكن والتنازل في مصر أو حلةٍ للأنس بالعشير واقتضاء الحاجات لما فيه من طباعهم من التعاون على المعاش »(10) وقد استلهمه ابن خلدون من قوله تعالى : {هوأنشأكم من الأرض واستعمركم فيها}(هود : 61).

والعُمران عند ابن خلدون إما أن يكون حضرياً أو بدوياً..

والعمران البشري في القرآن كما استنتجه المهندس/ الباحث الجزائري تومي إسماعيل هو « إسكان في منطقة معينة لهدف معين يتطور مع الزمان، إلى اجتماع بشري يسوده الأمن ويتوفر على أسباب العيش »(1).

ومن خلال هذا التعريف يظهر أن العمران البشري في القرآن يقوم على أسس مادية أهمها : الإنسان والمكان وما يتبعه من شروط العيش والإقامة، وعلى أسس معنوية هي : الفكرة أو المبدأ الذي يشكل الهدف الداعي، وما يرتبط به من؛ ثقافة، وديانة، وخبرة حياتية، وغيرها، وإن كان هذا العمران بسيطا وبداية للعمران الحضاري المتطور.

أما العُمران الحضاري عند الباحث الفلسطيني المرحوم د، أحمد صدقي الدجاني فهو « التوظيف الإيجابي للمنجزات الحضارية »(2).

والعمران الحضاري في القرآن شامل للعمران البشري والمادي والثقافي، وأساسه العمران النفسي أوالروحي للفرد ثم للأمة، وهو المقصود عندنا في هذا البحث.

ب ـ  أسس العمران الحضاري في القرآن :

1- الأسس المادية والمعنوية للعمران في القرآن :

كما سبقت الإشارة فإن عناصر العمران البشري في القرآن الكريم هي : الإنسان، والمكان(الأرض)، والرسالة السماوية، بقطع النظر عن وجود عمران مادي بمستوى حضاري معين،  كما نقرأ ذلك في دعاء نبي الله إبراهيم \ لما قال: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون}(إبراهيم  :37).

حيث أسكن إبراهيم  \ أهله وابنه إسماعيل بوادي أم القرى؟ بجوار الكعبة وذلك بوحي من الله تعالى، ثم  دعا ربه أن يهيئ لذريته ما يعينهم على القيام بعبادة الله  تعالى، من أمن بجوار البيت الحرام، وتعارف ومحبة بينهم وبين الوافدين عليهم مستقبلا، وأن يرزقهم من الثمرات ما يحقق حاجتهم من الطعام والعيش الكريم، وبذلك وضع إبراهيم عليه السلام الأسس المادية والروحية للعمران البشري، وكأني به صلى الله عليه وسلم -لما أسكن ذريته بجوار البيت ودعا لهم بمقومات الحياة الضرورية التي توجب شكر الله وعبادته- يضع تخطيطا مستقبليا لعمران أمة مسلمة ذات رسالة حضارية متميزة.

2- العمران الحضاري مقصد عام من مقاصد استخلاف الإنسان في الأرض :

لقد خلق الله الإنسان وكرمه بالعقل وأرسل له الرسل ليقوم بوظيفة الاستخلاف في الكون، وإعمار الأرض على منهج الله وشرعه، وبلوغ الغاية الكبرى التي من  أجلها خلق، ألا وهي تحقيق  العبودية لله تعالى بإخلاص التوحيد  لله تعالى، وتحقيق العدل في الأرض والإحسان لعباده ومخلوقاته،  فكانت مسؤولية هذا الإنسان عظيمة، ورسالته في الكون آئلة إلى  أمرين هامين هما : بناء الحضارة التي تحقق له الأمن والسعادة في الدنيا،  وتحقيق العبودية  لله تعالى بمفهومها الشامل لعمل الدنيا والآخرة وهو مقتضى قوله تعالى :  {هو أنشأكم من الارض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب}(هود :60) فمعنى (استعمركم) في الآية : جعلكم عمارها أو طلب منكم أن تعمروها، وهو كقوله تعالى: {وجعلكم خلائف الارض}، واستعمار الإنسان في الأرض -من لدن الخالق- يعني : تفويضه لعمارتها بإصلاح حالها لتصير قابلة للانتفاع بها، ويستفاد منه أن الإنسان مستخلف في الأرض ومكلف بعمارتها وفق شرع الله وعلى هدي أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، واستخلاف الإنسان في الأرض تشريف وتكليف له بتحمل الأمانة العظمى التي لم تحتملها السماوات والأرض، لذا كان الأحق بالاستخلاف هم المومنون الصالحون المصلحون ،  تبعا لسنة الله في الأمم، فكلما أهلك الله أمة كافرة طاغية، أعقبها بأمة المؤمنين خلائف في الأرض مصداقا لقوله تعالى : {ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليومنوا كذلك نجزي القوم المجرمين ثم جعلناكم خلائف في الارض من بعدهم لننظر كيف تعملون}(يونس :13، 14).

وقد استفاد العلماء والباحثون من آيات الاستخلاف والتمكين أن عمران الأرض مأمور به شرعا وأنه من مقاصد الشريعة الكبرى، كما نص على ذلك كل من الطاهر بن عاشور وعلال الفاسي في مقاصد الشريعة.. يقول علال الفاسي رحمه الله : « المقصد العام للشريعة الإسلامية هو عمارة الأرض، وحفظ نظام التعايش واستمرار صلاحها بصلاح المستخلفين فيها وقيامهم بما كلفوا به من عدل واستقامة، ومن صلاح في العقل وفي العمل، وإصلاح في الأرض، واستنباط لخيراتها وتدبير لمنافع الجميع.. »(3).. بل الاستخلاف والإعمار  هو المقصد العام للشريعة كما يرى ذلك الباحث د عبد العزيز برغوت حيث يقول  « والنظام المقاصدي ركب أصلا من أجل تحصيل مقصد كلي عظيم هو مقصد الاستخلاف الذي عنه تصدر المصالح البشرية… ففي كلية الاستخلاف وهي أصل الكليات الخمس وغيرها، نجد مصالح الفرد ومصالح المجتمع، بل ومصالح الإنسانية كلها »(4).

—–

1- في بحثه العمران في ظلال القرآن.تم تحميله من موقع المؤلف.

2-  اقترحه الدكتور أحمد صدقي الدجاني الباحث الفلسطيني رحمه الله،  في بحث له بعنوان : مستقبل العلاقة بين الحضارة الإسلامية والحضارات المعاصرة، ألقي فيالمؤتمر الرابع عشر :  حول حقيقة الإسلام فى عالم متغير،  من تنظيم المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية  بمصر مابين 20 ــ25 ماي 2002.

3- مقاصد الشريعة   ومكارمها ط ثانية، مطبعة الرسالة الرباط  1979ص:41، 42.

4- في كتابه : ـ (المنهج النبوي والغيير الحضاري كتاب الأمة : ع  43  فيراير1995    ص: 46، 47.

د. محمد البوزي


اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Commentaire sur “العمران الحضاري وأسسه في القرآن الكريم

  • فتيحة

    بالنسبة لموضوع العمران فهو موضوع مهم ويحتاجه العصر ، لكن في المقالة لم يتم التطرق كيف نتجه إلى العمران لتحقيقه في هذه الظروف التي أصبحت تطغى فيها الماديات على الروحانيات ,وأصبح يضرب المثل بالعمران الغربي كيف نحيل الأمة اليوم للرجوع إلى المنهاج الشرعي لتحقيق العمران انطلاقا من ذاتها .