نافذة على التراث – مــن آداب الـتـعـلـم..


مــن آداب الـتـعـلـم

أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد قال: أخبرنا الرياشي عن الأصمعي عن العلاء بن أسلم عن رؤبة بن العجاج قال: أتيتُ النّساّبة البكريّ وكان من أعلم العرب، فقال لي: من أنت؟ فقلت: ابن العجّاج. قال قصّرت وعرّفت، ما أتى بك؟ فقلت: طلبُ العلم. فقال: لعلك كقوم يأتوننا، إن سكتنا لم يسألونا، وإن حدّثناهم لم يفهموا عنّا. فقلت: أرجو ألاّ أكون منهم. قال: ما أعداء المروءة؟ قلت: للعلم أتيت. قال: بنو عم السّوء، إن رأوا حسنة دفنوها، وإن رأوا سيّئة أذاعوها. ثم قال: “إنّ للعلم آفةً ونكداً وهجنة. فآفته نسيانه، وهجنته نشره في غير أهله، ونكده الكذب فيه”.

> المصون في الأدب   أبو أحمد العسكري

مــواعــظ

دخل عمرو بن عبيد على أبي جعفر المنصور، فقال: عِظْني، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنَ اللّه أعطاكَ الدنيا بأسْرِها، فاشْتَرِ نفسَك منه ببعضها؛ يا أميرَ المؤمنين، إنهذا الأمرَ لو كان باقياً لأحَدٍ قبلَك ما وصل إليك، أَلمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُكَ بِعَادِ إرَمَ ذاتِ العِمادِ؟ قال: فبكى المنصور حتى بَل ثوبه. ثم قال: حاجتَك يا أبا عثمان! وكان المنصور لَمَّا دخل عليه طرَح عليه طَيْلَساناً، فقال: يُرْفَعُ هذا الطيلسان عني! فرُفع، فقال أبو جعفر: لا تَدَعْ إتياننا؛ قال: نعم، لا يضمُني وإياك بلد إلاّ دخلتُ إليك، ولا بَدَتْ لي حاجة إلاَ سألتُكَ، ولكن لا تُعْطِني حتى أسألك، ولا تَدْعُني حتى آتيك، قال: إذاً لا تأتينا أبداً.

وقد رُوي مثل هذا لابن السماك مع الرشيد.

وقوله: لو كان هذا الأمر باقياً لأحدٍ قبلَك ما وصل إليك كقول ابن الرومي: الطويل:

لعمـرُك مــا الـدُّنـيا بــدارِ إقـامةٍ     إذا زال عن عَيْنِ البصيرِ غِطاؤها

وكيف بقاءُ الناسِ فيهـا وإنـمـا     يُنال بــأسْبَاب الفَـنَــاء بـقــاؤهـا؟

ووعظ شبيب بن شبة المنصور، فقال: يا أمير المؤمنين، إن اللّه لم يجعل فوقك أحداً، فلا تَجْعَلْ فوق شكره شكراً.

ودخل عمرو بن عبيد على المنصور وعنده المهدي فقال له: هذا ابنُ أخيك المهدي، وليُ عهد المسلمين، فقال: سمَيْتَه اسماً لم يستحقّ حمله، ويفضي إليكَ الأمر وأنت عنه مشغول.

وكان عمرو بن عبيد يقول: اللهمَ اغْنِنِي بالافتقارِ إليك، ولا تُفْقرْني بالاستغناء عنك.

وقال له المنصور: يا أبا عثمان، أعِنَي بأصْحَابك: قال: يا أميرَ المؤمنين، أظْهِرِ الحق يَتْبَعْكَ أهلُه.

وقال عمر الشمري: كان عمرو بن عبيد لا يكادُ يتكلَم، وإنْ تكلَم لم يَكَدْ يُطيل؛ وكان يقول: لا خيرَ في المتكلِّم إذا كان كلامُه لمن يَشْهَدهُ دونَ قائله، وإذا طال الكلامُ عرضَتْ للمتكلّم أسبابُ التكلف، ولا خيرَ في شيء يَأْتيك به التكلف.

> زهر الآداب  الحصري

من دعاء الأعراب

وقف أعرابي في بعض المواسم فقال: اللهم إن لك حقوقاً فتصدق بها علي،وللناس تبعات قبلي فتحملها عني، وقد أوجبت لكل ضيف قرى، وأنا ضيفك فاجعل قراي في هذه الليلة الجنة.

ومن دعائهم: أعوذ بك من بطر الغنى، وذلة الفقر.

وقال آخر: أعوذ بك من سقم وعدواه، وذي رحم ودعواه، وفاجر وجدواه، وعمل لا ترضاه.

وقال آخر: اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان بعيداً فقربه، وإن كان قريباً فيسره، وإن كان قليلاً فكثره، وإن كان كثيراً فبارك فيه.

سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً يقول في دعائه: اللهم اجعلني من الأقلين. فقال له عمر: وما هذا الدعاء؟ قال سمعت الله يقول: {وقليل ماهم}، وقال جل وعز: {وما آمن معه إلا قليل}. وقال تعالى: {وقليل من عبادي الشكور}. فقال عمر: عليك من الدعاء بما يعرف.

دعا أعرابي فقال: اللهم إني أعوذ بك أن أفتقر في غناك، أو أضل في هداك، أو أذل في عزك، أو أضام في سلطانك، أو أضطهد والأمر لك.

قال سفيان بنعيينة: إني لواقف بعرفة وأعرابي إلى جانبي فسمعته يقول: اللهم قد أنضيت ظهري، وأبعدت مطلبي، ووقفت ببابك ضارعاً خاضعاً، فإن كنت لم تقبل تعبي ونصبي، فلا تحرمني أجر المصاب على مصابه. فلما قربت الشمس أن تغرب قال: اللهم عجت الأصوات بضروب اللغات يسألونك الحاجات، وحاجتي إليك أن لا تنساني على طول البكاء إذا نسيني أهل الدنيا.

قال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول وهو متعلق بأستار الكعبة: إلهي! من أولى بالزلل والتقصير مني وقد خلقتني ضعيفاً، إلهي! من أولى بالعفو عني منك، وقضاؤك نافذ، وعلمك بي محيط، أطعتك بإذنك، والمنة لك علي، وعصيتك بعلمك، والحجة لك علي، فبثبات حجتك وانقطاع حجتي، وبفقري إليك وغناك عني، إلا غفرت لي ذنوبي.

ودعا أعرابي فقال: اللهم إنك أحصيت ذنوبي فاغفرها، وعرفت حوائجي فاقضها.

قال الأصمعي،: مر بي يوماً أعرابي سائل فقلت له: كيف حالك؟ فقال: أسأل الناس إجحافاً، ويعطوننا كرهاً، فلا يؤخرون ما يعطون ولا يبارك لنا فيما نأخذ، والعمر بين ذلك فإن الأجل قريب والأمل بعيد.

قال الأصمعي: اعترضنا أعرابي في طريق مكة فقال: هل عائد علي بفضل، أو مواس من كفاف؟ فأمسك عنه القوم. فولى وهو يقول: اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا فنعجز، ولا إلى الناس فنضيع.

وقف أعرابي على حلقة الحسن فقال: رحم الله من عاد بفضل وواسى من كفاف، وآثر من معروف فقال الحسن: ما بقي منكم أحداً.

دعا عمرو بن عتبة فقال: اللهم أعني على الدنيا بالقناعة، وعلى الدين بالعصمة، اللهم إني أعوذ بك من طول الغفلة وإفراط الفطنة.

اللهم لا تجعل قولي فوق عملي، ولا تجعل أسوأ عملي ما ولى أجلي، اللهم إني أستغفرك مما أملك، وأستصفحك لما لا أملك، اللهم لا تجعلني ممن إن مرض شجن، وإن استغنى فتن، وإن افتقر حزن.

سألت أعرابية بالبصرة فقالت: يا قوم! طرائد زمان، وفرائس نازلة، نبذتنا الرحال، ونشرتنا الحال، وأطعمنا السؤال، فهل من كاسب لأجر، أو راغب في ذخر.

> نثر الدر  للآبي

طاعة عجيبة

أخبرنا الجوهريّ قال: أخبرنا ابن أبي سعيد قال: حدثني عمر بن خالد قال: لمّا اشتدّ بحصن بن حذيفة بن بدر الفزاريّ وجعه من طعنةٍ أصابته دعا ولده فقال: الموت أهون ما أجد، فأيّكم يطيعني فيما آمره به؟ فقالوا: كلّنا مطيع. فبدأ بأكبرهم فقال: قمْ فخذ سيفي فاطعن حيث آمرك به. فقال: يا أبتاه، هل يقتل المرء أباه؟ فأتى على القوم فكلّهم يقول نحوه، حتى انتهى إلى عُيينة بن حصن فقال: يا أبتاه، أليس لك فيما تأمرني راحة، ولي بذلك طاعة، وهو هواك؟ قال: بلى، فقمْ فخذ سيفي فضعه حيث آمرك ولا تعجل. فقام فأخذ السيف فوضعه على قلبه، فقال: مرني يا أبتاه! كيف أصنع؟ فقال ألق السّيف، إنّما أردت أن أعلم أيكم أمضى لما آمره به، فأنت خليفتي ورئيس قومك من بعدي ثم قال:

ولًّــوا عيينة مــن بـعـدي أمــورَكـم        واستيقنوا أَنّه بعدي لكـم حـامـي

إمّـــا هلكتُ فـــإنّي قـد بـنـيتُ لـكـم        عـــزَّ الحياة بمــا قــدّمـت قـــدّامـي

فابنُوا ولا تهدموا فالنـاسُ كـلُّـهـم        مــن بين بــانِ إلى الـعُـلـيا وهــدّامِ

والـــــدَّهــــر آخِــــــرُه شـبـهٌ لأوّلـــه        قـــــــومٌ كــقـــومٍ وأيّــــامٌ كــــأيـــــامِ

> المصون في الأدب   أبو أحمد العسكري

 آداب نادرة

دخل عبد الملك بن مروان على معاوية فسلّم وجلس، فلم يلبث أن نهض، فقال معاوية: ما أكمل مروءة هذا الفتى: فقال عمرو: إنّه أخذ بأخلاق أبيه وترك أخلاقاً ثلاثاً: أخذ بأحسن البِشْر إذا لقي، وبأحسن الحديث إذا حَدّث، وبأحسن الاستماع إذا حُدّث، وبأيسر المروّة إذا خولف، وترك مزاح من لا يثق بعقله، وترك الكلام فيما يعتذر منه، وترك مخالطة لئام الناس.                                              > المصون في الأدب أبو أحمد العسكري

أربع ساعات للعاقل في النهار

أخبرني أبو روق الهزَّانيّ قال: أخبرنا أبو عمر بن خلاّد قال: حدّثنا عبد الرحمن بن مهديّ عن سفيان الثّوري عن أبي الأغرّ عن وهب بن منبّه قال: “مكتوبٌ في حكمة آل داود عليه السلام: يجب على العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن يجعل نهاره أربع ساعات: ساعةً يناجي فيها ربّه، وساعةً يحاسب فيها نفسه، وساعةً يفضي فيها إلى إخوانه الذين يعرفون عيوبه، وينصحون له في أموره، ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلّي بين نفسه ولذاتها فيما يحلّ ويجمل فإنّ في هذه الساعة عوناً على تلك الساعات. وحقٌّ على العاقل ألاّ يظعن إلا في إحدى ثلاث: إصلاح لمعاد، أو مرمةٍ لمعاش، أو لذّة في غير محرّم. وعلى العاقل أن يكون حافظاً للسانه، مقبلاً على شأنه، بصيراً بأهل زمانه.

> المصون في الأدب   أبو أحمد العسكري

 الحداء والصوت الجميل

حكى أبو بكر محمد بن داود الدينوري المعروف بالرقي، قال: كنت في البادية فوافيت قبيلة من قبائل العرب، فأضافني رجل منهم، وأدخلني خباء، فرأيت في الخباء عبداً أسود مقيداً بقيد، ورأيت جِمالاً قد ماتت بين يدي البيت وقد بقي منها جمل وهو ناحل ذابل كأنه ينزع روحه. فقال لي الغلام: أنت ضيف ولك حق فتشفع في حقي إلى مولاي فإنه مكرم لضيفه فلا يرد شفاعتك فعساه يحل القيد عني. فلما أحضروا الطعام امتنعت وقلت: لا آكل ما لم أشفع في هذا العبد، فقال: إن هذا العبد قد أفقرني وأهلك جميع مالي، فقلت: ماذا فعل؟ فقال: إن له صوتاً طيباً، وإني كنت أعيش من ظهور هذه الجمال فحملها أحمالاً ثقالاً وكان يحدو بها حتى قطعت مسيرة ثلاث ليال في ليلة واحدة، من طيب نغمته، فلما حطت أحمالها موتت كلها إلا هذا الجمل الواحد، ولكن أنت ضيفي فلكرامتك قد وهبته لك. قال: فأحببت أن أسمع صوته، فلما أصبحنا أمره أن يحدو على جمل يستقي الماء من بئر هناك، فلمارفع صوته هام ذلك الجمل وقطع حباله ووقعت أنا على وجهي، فما أظن أني قط سمعت صوتاً أطيب منه

> نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري

قيمة العقل

قيل: العقل بلا أدب فقر، والأدب بغير عقل حتف. العقل يحتاج إلى مادة الحكمة كما تحتاج الأبدان إلى قوتها من الأطعمة.

قال الحسن: ثلاثة أشياء تذهب ضياعاً: دين بلا عقل، ومال بلا بذل، وعشق بلا وصل.

> التذكرة الحمدونية

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *