قـوانـيـن  الـقـرآن  الـكـريــم – قانون التمايز


بين المؤمن وغير المؤمن فرق حاد وتناقض مريع

…القانون اليوم قانون التمايز، في القرآن الكريم آيات كثيرة تبين المفارقة الحادة والتناقض المريع بين المؤمن وغير المؤمن ، لئلا يتوهم الناس أن الفرق بينهما فرق عبادات. الحقيقة أن الفرق جوهري يصل إلى بنية الإنسان، إلى أنماط تفكيره، إلى قيمه، إلى مواقفه، إلى انضباطه، إلى التزامه؛ لذلك قال تعالى : {أفمن كان مومنا كمن كان فاسقا}(السجدة : 18)، لعل ذهن الإنسان ينصرف حينما بدأ قوله تعالى : {أفمن كان مومنا} إلى كمن كان غير مؤمن، لكن جاء بديل غير المؤمن بأنه فاسق، ومن لوازم البعد عن الله الفسق. هذه الآيات التي تبين المفارقة الحادة والتناقض المريع بين المؤمن وغير المؤمن ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار، الفرق كبير، الفرق جوهري، الفرق في البنية، الفرق في المواقف، في الالتزام، في المبادئ، في القيم؛ المؤمن يعطي ولايأخذ، غير المؤمن يأخذ ولايعطي، المؤمن يعيش للناس، غير المؤمن يعيش الناس له، المؤمن يملك القلوب، غير المؤمن يملك الرقاب.

آيات كثيرة تتحدث عن المفارقة الحادة والتناقض المريع بين من عرف الله ومن لم يعرف الله؛ بل إن الحقيقة الكبرى أن البشر على اختلاف أنواعهم وأجناسهم وأعراقهم وأنسابهم وطوائفهم واتجاهاتهم ومذاهبهم هم عند الله عز وجل نموذجان لا ثالث لهما: نموذج عرف الله فانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه، فسلم وسعد في الدنيا والآخرة. ونموذج غفل عن الله، وتفلت من منهجه، وأساء إلى خلقه، فشقي وهلك في الدنيا والآخرة؛ يؤكد هذا المبدأ قوله تعالى: {فأما من اعطى واتقى وصدق بالحسنى}(الليل : 5- 6) هذا النموذج الأول، الرد الإلهي {فسنيسره لليسرى}(الليل : 7) …صدق أنهمخلوق للجنة فاتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء فاستحق السلامة والسعادة في الدنيا والآخرة. {وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى}(الليل : 8- 9) بنى حياته على الأخذ، واستغنى عن طاعة الله، لأنه كفر بالآخرة وآمن بالدنيا، الرد الإلهي {فسنيسره للعسرى}(الليل : 10) إذن فرق حاد وتناقض مريع بين حياة المؤمن وحياة غير المؤمن؛ أحيانا الإنسان إذا غفل عن الله، ونسي أن هناك إلها عظيما سيحاسبه، وكان هذا الإنسان قويا، يستخدم قوته لابتزاز أموال الناس، لانتهاك أعراضهم، لأخذ ما ليس له، وكأنه في الحقيقة مجرم بسبب قوته؛ من هنا قال صلى الله عليه وسلم : >المؤمن القوي< ما قال القوي، قال >المؤمن القوي< لأن الإيمان يضبط الإنسان، الإيمان سور وسياج للإنسان >المؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف<(رواه مسلم)  فلذلك {أفمن كان مومنا كمن كان فاسقا}.

التمايز في أحوال المحياوالمعاش

الآية الثالثة {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون}(الجاثية : 20) لاشك أن الآخرة فيها تمايز واضح، لكن هذه الآية تشير إلى الدنيا، إلى حياة المؤمن، إلى سمعته، إلى زواجه… هناك فرق جوهري وحاد بين حياة المؤمن وحياة غير المؤمن…ندقق في هذه الكلمة {سواء محياهم} دنياهم؛ المؤمن له مكانته، له سمعته، له حفظه من الله عز وجل، له تأييده، له توفيقه، له محبته، يعيش حياة ممتلئة بالود والحب، يحسن اختيار زوجته، يحسن تربية أولاده، يحسن اختيار حرفته… بل إن الإنسان قد يعجب أنه مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يستوي عند الله مؤمن وغير المؤمن، محسن ومسيء، منصف وظالم، مقصر ومجتهد؛ أن يستوي هؤلاء مع هؤلاء، هذا لايتناقض مع عدل الله فحسب، بل يتناقض مع وجوده، فلذلك مستحيل وألف ألف مستحيل أن تكون حياة المؤمن بكلتفاصيلها كحياة غير المؤمن بكل تفاصيلها لذلك {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون}.

 التمايز في أحوال المصير والمعاد

…لو نظرنا إلى المصير، المؤمن يعيش مع غير المؤمن ، يعيش في أرض واحدة ، وفي بلد واحد، وفي ظروف واحدة، وفي معطيات واحدة، وفي ضغوط واحدة، وفي مغريات واحدة، وفي صوارف واحدة؛ لكن ما مصير هذا ، وما مصير هذا؟ قال تعالى : {والعاقبة للمتقين}(القصص : 73)، العبرة بالنتيجة، لذلك قال تعالى: {أفمن وعدناه وعدا حسنا} إله عظيم، خالق السموات والأرض يعد المؤمن بجنة عرضها السموات والأرض، يعد المؤمن بعطاء كبير، يبدأ من لحظة إيمانه واستقامته، ويستمر إلى أبد الآبدين. الآية الكريمة {أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين}(القصص : 61) هذا مثل هذا، هليستويان، هل يصح أن يسوى إنسان عاش سنوات معدودة في بحبوحة و.. بدخ، وفي إسراف و.. علو في الأرض، وفي غطرسة.. واستعلاء، مع إنسان استحق الجنة إلى أبد الآبدين؟ هل يوازن الأول مع الثاني؟ …هناك  مفارقات طويلة وكثيرة في القرآن الكريم بين أهل الإيمان وأهل العصيان. الله عز وجل يقول : {فأما من اوتي كتابه بيمينه} كان ناجيا يوم القيامة، استحق دخول الجنان…{فيقول هاؤم اقرؤوا كتابيه}(الحاقة : 18) كتاب أعماله {إني ظننت أني ملاق حسابيه}(الحاقة : 19)، مرة سئل طالب حقق الدرجة الأولى في الشهادة الثانوية، كيف نلت هذا المجموع؟ قال.. لحظة الامتحان لم تفارق مخيلتي ولا ثانية في أثناء العام الدراسي {إني ظننت أني ملاق حسابيه فهو في عيشة راضيه في جنة عاليه قطوفها دانيه كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخاليه}(الحاقة : 19 إلى23) هذا مشهد من مشاهد أهل الجنة.

أما المشهد الثاني {وأما من اوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم اوت كتابيه ولم ادر ما حسابيه يا ليتها كانت القاضيه ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه إنه كان لا يومن بالله العظيم}(الحاقة24 إلى33) آمن بالله خالقا كما آمن إبليس {قال رب فبعزتك}(ص :82) لكنه ما آمن بالله العظيم، لذلك لو تفكر الإنسان في خلق السموات والأرض، لو تفكرفي هذه المجرات.. في هذه الكواكب، لو تفكر في طعامه، في شرابه، في الأمطار في البحار، في البحيرات في النباتات، في الأسماك في الأطيار،في الإنجاب في الولادة، في خصائص الجسم؛ لعرف الله عز وجل، وآمن بالله العظيم، وإيمانه بالله العظيم ربما حجبه عن معصية لا تليق به، لذلك قيل: لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت.

…لو انتقلنا إلى الدار الآخرة {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون. وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون}(آل عمران: 106- 107) …ذكرت بعض الآيات وما أكثر الآيات التي تتحدث عن المفارقة والموازنة والمقارنة بين أهل الإيمان وأهل الكفر والعصيان. جعلنا الله جميعا من أهل الإيمان لأن الله سبحانه وتعالى أعطاهم وكرمهم ورفع ذكرهم وحفظهم وأيدهم ونصرهم… إلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى…

لخبير الجمال الدعوي الدكتور محمد راتب النابلسي

أعده للنشر ذ. عبد المجيد بالبصير

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *