صناعة الفراغ!!


توطئة دلالية :

الفراغ في لسان العرب جاء بمعان سلبية وأخرى إيجابية؛

1- ومما ورد في المعاني السلبية أن الفراغ يدل على:

1-1- الخلو من الشيء،

1-2- الموت (لأن الجسد خلا من الروح) فيقال فرغ الرجل فُروغا إذا مات، ولهذا كان الفرد الذي يعيش حالة فراغ شبيها بالميت

1-3-القلق والجزع عندما يقال فرُغ الرجل بمعنى جزع وقلق، لأن الفراغ يولد في الفرد هذه الإحساسات.

1-4- ضياع الشيء وذهابه هدرا، وإراقة الدماء دون موجب شرعي صحيح وذلك عندما يقال فرغ دمه فُرُوغا إذا ذهب هدرا، ولم يطالب به ولم ينصف له، ويقال فرَّغ الدماء وأفرغها إذا أراقها، لهذا تقول العرب: “ذهب دمه فِرْغا وفَرْغا” بمعنى هدرا. وهذا يناسب حال من يعيش حالة فراغ لأنه يهدر وقته وطاقاته

1-5- الرجل الحديد اللسان.

1-6- السلبية والانفعال بدل الفعل والمبادرة فيقال في لسان العربفرَغ الماءَ في إناء آخر وفرَّغه وأفرغه إذا صبه، بمعنى مارس عليه عملية الفعل القسري للنقل من مكان لآخر وتشكيله بحسب مقاس وغاية الفاعل الفارغ (المفرِّغ)، وفي نفس الوقت وجود خاصية الانفعال والطواعية والقابلية في الشيء المفروغ من غير مقاومة، ومن المعاني البليغة هنا قولهم أفرغ الذهب إذا صبه في قالب لتشكيلها على المقاس المطلوب. ومن يعيش الإحساس بالفراغ يكون سلبيا ومنفعلا وليس فاعلا، وقابلا لأن يُشكل فكره وسلوكه على حسب ما يُراد له!! وواقع الأفراد والأمم وتواريخها خير شاهد على ذلك.

2- ومما ورد من المعاني الإيجابية نجد لفظ الفراغ يدل على:

2-1- القصد إلى الشيء ومنه قولهم فرَغ له وتفرَّغ له أي قصده وتهيأ له وأخلى نفسه من أي هم وملئها بالهم الجديد المقصود.

2-2- إتمام الشيء حين يقال فرَغ من الشيء بمعنى أتمه وأكمله.

2- 3- بذل المجهود عندما يقال تفرَّغ للأمر إذا بذل جهدا فيه.

2-4- السهولة واليسر إذ يستعمل لفظ الفريغ ويقصد به الأرض المستوية وكأنه طريق. 2-5- الدابة الواسعة المشي السريعة الخطا.

2-6-  الفريغة ما كان واسعا من الأواني والأوعية القابلة لحمل كمية كبيرة من السوائل.

وتأسيسا على ما سبق يمكن أن نبني قولا عن الفراغ -من حيث تصوره ومن ممارسته وتوظيفه في مجالات متعددة ومن حيث انعكاسات هذا المفهوم وفي جوانبه السلبية تصورا وممارسة- وفق الخطوات التالية:

أولا- في التصور

إذ من المفارقة أولا بين عالم الكون والطبيعة وعالم الإنسان في مسألة الفراغ أن يقال إن الطبيعة تأبى الفراغ!! وفي عالم الإنسان نتحدث عن الفراغ؛ الفراغ من الأعمال، والفراغ الفكري والروحي والفراغ السياسي، وفراغ الضمير… فهل صحيح أن الإنسان يقبل الفراغ من الأنواع المذكورة وغيرها على عكس الكون الذي خلقه الله؟

الواقع أنه لا يمكننا التسليم -بسهولة على الأقل- بذلك إلاإذا سلمنا بأن الإنسان كائن فوق الطبيعة وخارج عنها وليس جزءا منها، وليس مشمولا بالنواميس والقوانين التي خلق الله، وما دام هذا التسليم لا يمكن حصوله فكيف بالقبول به؟! فلم يبق إلا القول بأن الإنسان وعالم الإنسان الداخلي والاجتماعي لا يقبل الفراغ أبدا مثله مثل الطبيعة.

ومن هنا يصح تهافت قول من يقول أنا في حالة فراغ، أو في وقت الفراغ، القول بأن هذه الأفعال خالية من نية الخير أو الشر، وبصعوبة القول بوجود فراغ سياسي أو ما إلى ذلك.

فالمكان سواء أكان ماديا أم معنويا لا يوجد إلا ممتلئا بعنصر من عناصر الطبيعة وما نسميه فراغا فليس إلا فراغا نسبيا، وليس إلا فراغا من شيء وامتلاء بشيء آخر.

ولذلك نجد في القرآن الكريم آيات تدل على أن الفراغ والإفراغ بمعنى احلال شيء نافع محل شيء ضار، وليس الفراغ إلا عملية إخلاء وشحن في ذات الوقت، تخلية وتحلية، ومن ذلك:

– الدعاء في قوله تعالى : {ربنا أفرغ علينا صبرا} فيه معنى أن القلوب كانت مليئة بالخوف والجزع والقلق(1-2  سابقا) ويراد ملؤها بنقيض ذلك الذي يحقق الطمأنينة والسكينة والاستقرار المفيد في وظيفة الإعمار الباني.

– أمر الله عز وجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه : {وإذا فرغت فانصب} إذ فيه دلالة على أن الإنسان لا يمكن أن يوجد في حالة فراغ أبدا وليس هناك وقت يكون فيه المرء في وقت فراغ من أي شغل أو خلو من أي تكليف. بل إنه لينتقل من حالة امتلاء بتكليف لحالة أخرى ومن شغل لشغل وليس خلو الإنسان من الشغل والعمل والتكليف إلا موتا وضياعا من غير موجب شرعي (1- 3 و1- 4 سابقا).

– التوجيه النبوي اللطيف في قوله صلى الله عليه وسلم : >اغتنم خمسا قبل خمس< حيث يحمل دلالة واضحة على أن المرء لا يمكن أن يكون في حالة فراغ وفي حالة براءة الذمة من أي تكليف. وفيه دلالة أن الذي يعتقد هذا الأمر هومن تخلى عن العمل بالأولى ومال عنه للعمل بماهو أدنى ، وتخلى عن العمل بالأنفع واختار بهواه العمل بما هو أقل نفعا أو خاليا من النفع.

ثانيا- في التوظيف

في هذا الجانب يمكن أن نلفت الانتباه إلى التوظيف السلبي للفراغ في الحضارة الغربية المعاصرة، وهو الذي سوغ وجود مفاهيم خاطئة وخالية من المعاني البانية، واستعمالات قاتلة ومدمرة للإنسان والحياة بدل أن تكون معمرة:

ومما يمكن الإشارة إليه في هذا المقام أن الفراغ الذي تعيشه الحضارة الغربية هو نوع من “الامتلاء الفارغ” إن جاز التعبير وهو نوع من الفراغ السلبي القاتل الذي يقتل في الإنسان مقوماته الإنسانية: الروح، العقل، الإرادة، الحرية…، ويعوضها بالغرائز والشهوات وكل ما يتعلق بالجانب الجسدي في الإنسان لذلك وجدنا الكثير يتحدث عن الخواء الروحي وفقدان القيمة والمعنى… في الحضارة الغربية، ولما صارت هذه الحضارة تنبني على الامتلاء الجسدي (قوة ، غرائز، شهوات)، كان الفراغ الحقيقي في الضمير من حيث استباحة دم الآخر وقتله وشن الحروب المدمرة (غزو استعماري، تقسيم العمل الدولي، الحروب الاقتصادية، وتكريس التفاوت بين الشمال والجنوب، العولمة المتوحشة…)، فالفراغ من معانيه الموت والضياع وهدر الدم( الدلالات السابقة: 1-2 و 1-3 و 1-4).

فالفراغ هنا فراغ الروح والفكر من المعاني والقيم البانية وامتلاؤها بالقيم الهدامة والهادرة، وقد سقطت الحضارة الغربية في هذه الدلالات السلبية نتيجة تطور الفكر الأوروبي في اتجاه الإلحاد والعلمانية الذي أفضى إلى المناداة بـ”قتل الإله”(فيورباخ ونيتشه)، ثم مع ظهور تيارات العبث وفلسفات اللا وعي واللا عقل والنسبية  ظهرت المناداة ب”قتل الحقيقة”، ثم مع ظهور البنيوية والحداثة وتيارات ما بعد الحداثة تمت المناداة بـ”قتل الإنسان”، ونتج عن عمليات القتل الثلاث المذكورة فقدان معنى الحياة، بل فقدان المعنى أساسا،  وفقدان الأمن والسلام بين بني آدم، وفقدان السلام في علاقة الإنسان بالطبيعة (التلوث البيئي والدمار الشامل)،

فالفراغ في الفلسفة الغربية يحيل نظرا وممارسة إلى إفراغ الذات الإنسانية والحياة من كل قيم الحق العقل والخير والجمال وقيم الروح وإحلال قيم الباطل والغريزة والهوى والشر والفساد واللا معنى والتركيز على القيم السلبية من قبيل الاستهلاك بدل الإبداع والتبعية بدل الاستقلال،والاستعباد والاستبعاد بدل الحرية والتعايش، وليس أزمات العالم المعاصر وتأزم العلاقات الدولية إلا بسبب هذه الخلفيات الفلسفية القائمة على هذه الفهوم الخاطئة والتصورات المشوهة عن الفراغ!!! واعتبار الإنسان بمثابة أوعية قابلة للإفراغ والشحن بكل ما يخدم مصالح الغالب.

ثالثا- في الآثار والانعكاسات

مما سبق أيضا يتبين أن الفلسفة الغربية في انفصالها عن الدين الحق عاشت عصورالتيه والضلال(العصور الوسطى )، وعندما استفاقت وحاولت الاهتداء إلى الصواب مارست عنفا همجيا تجاه الدين والإله فسقطت في غربة الإنسان عن ذاته مما أفضى إلى انتشار روح القلق والخوف مما راكم لدى الإنسان الغربي كل سلوكيات الجشع والاستعلاء والاستغلال كان من نتائجها ولا يزال: الاستعمار والحروب والعولمة، ومن مظاهرها أيضا التصدير القسري لكل الأفكار والثقافات والأفكار الهجينة والحيوانية التي يراد لها أن تحل محل ثقافات الشعوب المستعمرة والضعيفة، ومن انعكاسات هذه الفلسفات كل مظاهر الضياع وموت الروح والمعنى وتيه الشباب والجري وراء بريق الشعارات الجوفاء والاستلاب والوعي الزائف بقيم هذه الحضارة المصدرة إلينا نحن المغلوبون والمقهورون!!

إننا حقا نعيش عصر المآسي العظيمة والمآقي الأليمة بسبب العيش في أوهام الفراغ القاتل والإفراغ القسري لمقومات الخير في الإنسان واحتلال متعمد للعقول والقلوب والشعوب وملئها بكل مفاهيم الخواء والموت والزيف، أليست هذه صناعة وأية صناعة؟! إنها صناعة الفراغ!!!

    د. الطيب بن المختار الوزاني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *