مواقف وأحوال – ثلاثون سنة يصلي العتمة بصلاة العشاء!


ابن عبدوس الثقة الإمام الفقيه الزاهد الورع الصالح، من فضلاء مذهب مالك، وسادة أئمته وعلمائه، قال فيه ابن الحارث : كان حافظا لمذهب مالك والرواة من أصحابه، إماما، فقيها غزير الاستنباط، جيد القريحة، ناسكا عابدا متواضعا… وهو تلميذ نجيب لإمام كبير هو سحنون، تلك إشارة إلى رجل وقفت له على أحوال ليس من السهل أن نقف عليها لغيره، أذكر لك منها موقفين، فيهما عبرة وموعظة، أوردهما معا القاضي عياض رحمه الله في مداركه :

– الموقف الأول : قال عياض : ذكر ابن اللباد أن محمد بن عبدوس صلى الصبح بوضوء ا لعتمة (العشاء) ثلاثين سنة، خمسة عشر من دراسة، وخمسة عشر من عبادة<(1).

– الموقف الثاني : قال عياض : >قال  محمد بن بسطام : كنت في بيتي ليلة شاتية، إذْ دُقَّ  علي الباب فخرجت، فإذا محمد بن عبدوس وعليه جبة صوف، وقلَنْسَاةُ فرْوٍ، فقال لي : يا محمد، ما نمت الليلة غما بفقراء أمة محمد ، وهذه مائة دينار ذهبا، غلة ضيعتي هذا العام، احذر أن يمشي الليل وعندك منها شيء، وانْصرف<(2).

تأمل، حال هذا العالم الفقيه، في جده واجتهاده، وتأمل حاله في صلاته وعبادته، وتأمل حاله في إحساسه واهتمامه، بضعفاء أمته، وفي سخائه وإنفاقه.

ثم انظر حالك أنت، في طلب العلم والحرص عليه، وما قياس ذلك إلى ابن  عبدوس الذي صلى الصبح بوضوء العشاء 15 عاما.

ثم انظر إلى حالك في العبادة : صلاة وقياما، ما خبر هذه الآيات عندك {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون} {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون} {والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما} وما شابههما من الآي، ولا تنس أن صاحبنا -ابن عبدوس- صلى الصبح بوضوء العتمة 15 عاما، كان يبيت فيها لله قائما -ساجدا راكعا- يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه.

ثم انظر إلى حالك في الاهتمام بأمر المسلمين، والإنفاق على ضعفائهم، وإعانة فقرائهم، فلعل الله ينفعك بحال هذا الرجل الذي أنفق محصوله السنوي على فقراء المسلمين في ليلة شاتية.

تلك حال بل أحوال ابن عبدوس، نقرؤها للاعتبار فنقول : اللهم أصْلِح أحوالنا في الظاهر والباطن، آمين.

ذ. امحمد العمراوي من علماء القرويين

amraui@yahoo.fr

—-

1- ترتيب المدارك 225/4.

2- نفسه : 226/4.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *