منْ أوراقِ شاهِدَة – عـن سيـريـلانـكا التي فـي القلب سـأحـكـي وما أوتينا من حب المصطفى إلا قليلا


1- سـيـرة الـمـضـغـة :

إخوتي ، في أي مكان من هذه الأرض الطيبة كنتم، أشهدكم جميعا أن بضاعتي هذه ، هي غيض من قطاف القلب المضطرم وما يعتلج فيه من مشاعر افتقار ورغبة في توفيق الله تعالى، لعله عز وجل يقبل ملفي الفقير الوثائق ويلحقني بسلك الجندية في كتيبة جند الله الرساليين الصادقين الذين يؤتون ما آتوا من أعمال وقلوبهم وجلة من أن لا يقبل الله منهم.. أولئك الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه.. أولئك الذين يخرون وينيبون.. أولئك الذين شبههم ذات يوم أحد الصالحين بقشور الجوز، فكما يوضع في الميزان الجوز فيباع مع قشوره فكذلك الأمر بالنسبة للصالحين إذ هم بمثابة القشور والصحابة هم حبات الجوز وبرحمة من الله عز وجل كما قشور الجوز يجعلهم في زمرة الناجين رفقة رسول الله وصحابته الأخيار يوم العرض الأكبر والله على كل شيء قدير.

وإذا كان هذا شأن مضغتي، فإني في بلاط العلم لا أدعي لنفسي معرفة أتصدر بها هذه الصفحة فكل ما أعلمه هو أني لا أعلم، وكل صباح ينعم المولى فيه علي بالحياة أجلس إلى نفسي أعلمها كيف تدنو من جنان الرحمن علما وعملا، وكيف تزرع بذرة العبودية لله في النفس والآفاق، وكفاني حديث المصطفى الذي أوتي جوامع الكلم ففيه المقصد والغاية: >من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة<.

2 – ومـا أوتينا مـن حـب الـمصطفى إلا قـلـيـلا :

في حلقة ماضية حدثتكم عن ذلك الاستقبال المتفرد الذي خصتنا به الأخوات السريلانكيات،ونحن نلج بيوتهن البسيطة المتواضعة، وسنرى أعجب من هذا الاستقبال عند إقامة الدرس الديني. فبعد صلاة العصر انضممنا إلى أخواتنا السريلانكيات في حلقة دينية.. والوقت يمر كان صحن الدار حيث جلسنا يشهد انكبابا عجيبا للنساء السريلانكيات. واللافت أن ما من واحدة منهن إلا واصطحبت معها أبناءها بلباس إسلامي صرف، ذكورا وإناثا.. والمبهر أن أعمار الصغار والصغيرات كانت تصل إلى الحد الأدنى أي سنتين فما فوق.. وسنعرف بعد قليل المبهر في هذا الحضور..

فلحظات بعد هذه الحلقة التعليمية التي كانت النساء السريلانكيات يتابعن أطوارها بإنصات عجيب وكأن على رؤوسهن الطير، وأجمل من ذلك أطفالهن الذين كانوا في هدوئهم أشبه بقطع من رخام مرصوص ، أخذ الكلمة عالم سريلانكي صال وجال بحديث يهز المشاعر ويرفرف بها إلى مشارف الأعالي الملائكية وهو يستحضر جهد النساء وعلى رأسهن أمهات المؤمنين والصحابيات رضي الله عنهن في نشر الدعوة وتحمل مشاق اضطهاد ذوي القربى لهن وهن كالجبال الرواسي ، في اتجاه تحريض القلوب والعقول الخاملة للتأسي بهذه الثلة من السابقين من المهاجرين والأنصار، وفي السياق ألح على ضرورة تزود النساء من المعين العلمي لمعرفة الله سبحانه وسنة نبيه من منطلق أن الله عز وجل لا يعبد بجهل.

وإذ انفض الجمع العلمي ونحن رفقة أخواتنا السريلانكيات سنتلقى خبطات متتالية على أدمغتنا الراكدة، في مواقف جعلتنا نرج رؤوسنا رجا لنفيق، فلعلنا أسري بنا إلى زمن النبوة ونحن لا ندري، وكما قلت لكم إخوتي في الحلقة الماضية، ليس من رأى كمن سمع، فقد اصطفت النساء السريلانكيات لتحيتنا وكلما أتى الدور على إحداهن أخذتنا بالحضن بقوة وبمودة غير معهودة لنا زرعت أنفها في صدورنا وطفقت تتشممنا وتأخذ نفساً عميقا من أنفاسنا و لا تفارقنا حتى نمطرها بالدعاء إذ لا تكفيها الأدعية المختصرة العابرة بل تلح حد التوسل لإشباعها أدعية وهي تردد بإنجليزية تتقصدها لنفهمها أكثر باعتبار

جهلنا للهجتهن التاميلية :

Please make douaa من فضلك دعاء .

هكذا كن يلححن في الاستعطاف ثم يضعن بين أيدينا أطفالهن الصغار جدا ويأمروهم بأن يرتلوا على مسامعنا ما يحفظون من الذكر الحكيم وأحاديث رسول الله فيخنقني البكاء ، ويضيق صدري ولا ينطلق لساني ويلفني الخجل الشديد من تقصيرنا ونحن نرفل في حرية المعتقد وبين إخواننا من المسلمين وهم في حصار بوذي هندوسي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

ومع ذلك فحبهم بل لرسول الله وشغفهم به لا يقارن البتة بحبنا وأكاد أجزم أن عندنا “صورة حب” الرسول وعندهم ” حقيقة حب رسول الله المطلقة. وما زادني يقينا من ذلك أن الواحدة منهن كانت تقدم لنا أطفالها لندعو لهم بتحقق الدين الكامل فيهم، وتوفيق المولى لخدمة الدعوة، وتتحايل لتعود للطابور لتجدد اللقاء بنا فإذا قلنا لها لقد دعونا الله لك، طوقتنا ببسمتها الخجولة وعينيها المستعطفتين فعدنا لمد أكف الضراعة لله عز وجل ونحن الفقيرات والأحوج إلى الدعاء منهن.

والمؤلم في هذه اللوحة التي إن لم تبككم قرائي وأحبتي ، فتباكوا، هي أنهن كن لا يشبعن من تشممنا وحين سألنا عن السر قلن لنا : أنتن العربيات أنتن حفيدات الصحابة والصحابيات، أنتن أحفاد رسول الله لهذا نشم ريحهم في ريحكم، لنعوض عن افتقارنا إلى هذه الآصرة ونحن الأعاجم.

وقد علقت إحدى الأخوات بنبرة ساخرة تراجيدية في فحواها قائلة : أية رائحة فينا غير رائحة العرق والذنوب “كاع هذا زهر عندنا تتحط الفاكهة ويقول النبق ها أنا” وقلت في نفسي معقبة وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم وأيننا من هذا الحظ العظيم؟! والأدهى حين بدأت الأخوات السريلانكيات يقدمن لنا أبناءهن وبناتهن من اليافعين، ويقلن لنا بفرح واعتزاز لا يخالطه رياء ابنتي عالمة.. حافظة لكتاب الله ومجازة في العلوم الشرعية.. ابني حافظ وعالم في الفقه و..و..و..و.واااا إنـــا لله وإنا إليه راجعون ألهذا الحد يفرغون الوقت والنفقات والأولاد في سبيل الله ونحن لا زلنا حتى تقوم الساعة نرهن أبناءنا لعقدة الطبيب، و”الباش مهندس” وكان الأكمل أن نجمع بين الحسنيين لتصلح أحوال المرافق وأحوال من يسيرونها من العبادن فلا يتفاقم الشطط طبا وتعليما واقتصادا الخ… وآه يا قارئي هل بعد هذه المشاهد العظيمة يطاوعني القلم؟؟؟؟؟؟؟

ذة. فوزية حجبي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *