محنة اللغة العربية بين أهلها! ماذا تخسر الأمة عندما تهمل لغتها؟


وقفنا في العدد الماضي (345) عند دلالة هذا العنوان بشطريه، ولامسنا معالم المحور الأول من بين المحورين اللذين حددناهما لمعالجة هذا الموضوع.

وفي هذه الحلقة نتطرق إلى معالم المحور الثاني الذي هو : الإنسان واللغة فنقول وبالله التوفيق إلى ما هو أفيد :

ثـانـيـا : اللغة والإنـسـان

من البديهي أن نقول بأن اهتمام الإنسان باللغة ودراستها قديم قدم اللغة ذاتها، فهي أولا من ظواهر الحياة الرئيسية، وهي كذلك في صلب العلاقات البشرية التي تستند إلى التخاطب والتواصل، قال الحق سبحانه : {الرحمن علم القرآن خلق الانسان علمه البيان}(الرحمان : 1).

وقد شغل العقل الإنساني منذ تكونه بها، وجعلها من أولى اهتماماته، واعتبر معرفة كنهها جزءاً من سعيه لمعرفة كنه جوانب وجوده الأخرى، فأصبحت بالنتيجة موضوعاً أصيلا من مواضيع الفلسفة الإنسانية. ومن ناحية ثانية تبين للإنسان مع بداية حضاراته ضرورة وضع قواعد ومعايير لغوية (للغة) فانكب على تقنينها، وإرساء أصول استعمالها… ولذا قال الفلاسفة قديما : >الإنسان حيوان ناطق<، يعنون بذلك أنه وحده القادر على وضع أفكاره في ألفاظ. ويكاد يجمع الباحثون على أن التفكير واللغة عند الانسان لا ينفصلان، إذ لا يستطيع الإنسان تخيل فكرة بمعزل عن الألفاظ التي تصورها، ولن يكون الفكر المجرد عن الألفاظ -إذا أردنا الدقة- فكراً بأي مقياس ذلك أن اللغة والفكرة توأمان، فلا فكر بدون لغة، ولا لغة بدون فكر، لأن اللغة مرتبطة بالحياة ومتولدة عنها، سواء كانت منطوقة أو مكتوبة، فاللغة مادة التعبير اللفظي والكتابي..

وتعتبر اللغة في المجتمعات الحديثة وثيقة الصلة بكل أشكال السلوك الجماعي، ويتمثل هذا عند استحضار تاريخ هذا المجتمع أو ذاك لتجاربه الماضية، وعند الاتصال المباشر بالأحداث؛ أو التجارب اليومية، أو عند مباشرة العمل وتوجيه القائمين به. من كل ما سبق يبدو أن وظيفة اللغة (في علاقتها بالإنسان) ذات أهمية أكبر من كونها وسيلة للتعبير عن الخبر أو نقله.

بل إن اللغة تملي على الفرد أسلوب حياته ونظرته إليها، وفي هذا يقول (سابير) : البشر لا يعيشون في العالم المادي فحسب، ولا في عالم النشاط الاجتماعي بالمفهوم العادي، ولكنهم واقعون تحت رحمة تلك اللغة المعينة التي اتخذوها وسيلة للتفاهم في مجتمعهم.

إنه لوهم كبير أن نتخيل أن فرداً مّا يتكيف مع الواقع دون استخدام اللغة، وحقيقة الأمر أن العالم الحقيقي مبني إلى حد كبير على العادات اللغوية لمجتمع معين، كما أنه ليس في العالم لغتان تتشابهان تشابها كبيراً إلى درجة اعتبارهما تمثلان نفس الواقع الاجتماعي، إن العوالم التي تعيش فيها المجتمعات المختلفة عوالم مختلفة، لا عالم واحد نسميه بأسماء مختلفة (فـ) اللغة إذن هي التي تجعل مجتمعا معينا يتصرف ويفكر بطريقة خاصة، ومن هنا يقول (ورف) إن اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير عن الأفكار بل إنها هي نفسها التي تشكل الأفكار..

وهكذا يبدو الدور الكبير الذي تقوم به اللغة في نشأة الثقافة واستمرارها، وفي تطويرها وتشكيلها لأفكارنا وأنماط سلوكنا، ونظرتنا إلى العالم، وكذا باللغة نخطط ونصوغ أفكار حياتنا اليومية<. بناء على كل ما سبق وهو غيض من فيض كما يقال، مع استحضار ما نحن بصدد الحديث عنه (محنة اللغة العربية بين أهلها…)

يمكن أن نصوغ الأسئلة التالية للتأمل : هل لأمتنا لغتها القومية التي يمكن أن يخاطب بها الجميع ويفهم فحوى الخطاب؟

هل نحن (أمة وجهات وأقاليم) راضون عن مستوى لغتنا في تعليمنا بصفة عامة، وفي مؤسسات الدراسات الشرعية بصفة خاصة؟

هل لغتنا هي الأداة الأولى لمعرفة كنه جوانب وجودنا؟

وهل نعتني بأنظمتنا (المتمثلة في قواعدها) صيانة، وتوظيفا، وتطويراً بالشكل المناسب لتطور الحياة ومستجداتها؟.

وهل لغتنا هي محضن أفكارنا التي ندير بها شؤون حياتنا العامة والخاصة؟.

وهل لغتنا وثيقة الصلة بكل أشكال تصرفاتنا الاجتماعية أثناء تعبيرنا عن مجريات الحياة، أو مباشرة أعمالنا وتوجيهها؟

وهل نحن -أفراداً وجماعات- واقعون تحت رحمة لغتنا الخاصة التي من المفروض أن تكون هي الوسيلة الأولى للتفاهم اليومي في مجتمعنا؟

وهل للغتنا تأثير علينا من حيث نسبة تكيفنا مع الواقع؟

وهل لنا نمط تفكير معين مستوحى من لغتنا اليومية الموحد (بفتح الحاء أو كسرها) في الدرجة الأولى؟

ألا يمكن أن يكون لغياب اللغة القومية دور في فشل بعض المخططات الإصلاحية المصيرية في هذا المجال أو ذاك؟

ألا يمكن أن يكون للتعدد اللغوي الناتج عن مخلفات تأثير الغزو الأجنبي دور في (بلقنة) تنظيماتنا الاجتماعية والسياسية؟

الأمر الذي ينتج عنه عدم وحدة الأهداف والمنطلقات عند التخطيط لمصلحة مّا فتختلف الفهوم، وتتناقض الآراء، وتتعاكس النتائج بين الهدم والبناء على حد قول الشاعر : متى يبلغ البنيان يوما تمامه        إذا كنت تبني وغيرك يهدم؟!

أو قول الآخر : شرذ قاز أغبَلُوشَ ذيَسْيَالْ.. هل وهل… ثم ألا وألا…!

هكذا تبقى هذه الأسئلة معلقة دون أجوبة حتى يتسنى لكل من يومن بجدواها كلها أو بعضها أن يشارك في الإجابة على قدر سعة فكره ووفق حرقة إيمانه على لغته، وما يملك من المعطيات المسعفة على الإجابة الأقرب من الصواب، ذلك أن الأمر بخصوص وضعية اللغة العربية بين أهلها لا يتعلق بالإجابة عن هذه الأسئلة فحسب بقدر ما يعني العمل الجاد على إحياء الإحساس بالانتماء الحضاري المتميز، ذلك أن هذا النوع من الإحساس مصاب بالبرودة القاتلة لدى كثير من أبناء الأمة لعامل أو آخر منذ زمان، ولذا خسرت الأمة كل ما يمكن أن تسفر عنه الإجابات الصحيحة لكل الأسئلة المعلقة أعلاه!

د. الحسين گنوان

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *