في اليوم العالمي للمرأة القروية


من أين تبدأ العالمات والواعظات بعد الرجوع إلى الميدان

 

لقد أتى على ا لبادية حين من الدهر لم تكن شيئا مذكوراً، فقد كانت وما تزال تعرف تهميشا كبيراً على جميع ا لمستويات، فرغم الجهود المبذولة تَبقى البادية المغربية والأسرة القروية والمرأة البَدوية مهضومة الحقوق، في الوقت الذي تبذل فيه الأموال وتصرف الميزانيات الضخمة على المدن في تجديد الطرق الصالحة، والتفنن في تشييد النافورات المكلفة، وتزيين واجهات المؤسسات العمومية وشبه العمومية بالرخام وغيره وتغيير أعمدة المصابيح الكهربائية….

في الوقت الذي تعرف المدن والحواضر هذا البدخ والإسراف تبقى البادية في عزلة لا أقول تامة، ولكن في عزلة كبيرة، ذلكم أن فك العزلة عن العالم القروي تمثل في نظر الفاعلين في شق بعض الطرق غير المعبدة – التي سرعان ما تجرفها الأمطار لهشاشتها- وتجهيز بعض الدواوير بالكهرباء، وبناء بعض المدارس التي لا تناسب جميع المستفيدين لبعدها عن محل السكنى بمسافة كبيرة، وإنشاء بعض المراكز الصحية التي تفتقر إلى التجهيزات الكافية…

هذه الأمور المادية وغيرها هي التي يدندن حولها الجميع، ويشتكي من الحاجة الماسة إليها أهل البادية. نعم إن أهل البادية في حاجة إلى كل هذه الأمور وأكثر.

غير أن بعض هذه الأمور التي تحققت لأهل البادية وإن كانت في ظاهرها تبدو نعمة، إلا أنها تحمل في طياتها نقماً كثيرة، مثال ذلك : الكهرباء الذي يصاحبه التلفاز كالظل، بمسلسلاته المكسيكية المدبلجة بالدارجة المغربية، وتصاحبه القنوات الفضائية التي جعلت الأسرة القروية تفقد شيئاً فشيئاً تلك الفطرة السليمة التي كانت تميزها.

لقد أتى على البادية حين من الدهر لم تكن شيئاً مذكوراً، إلا في موسم الانتخابات البرلمانية والمحلية، حيث يكثر الحديث عن إدماج المواطنين في الحياة السياسية وتأطيرها في أحزاب لا تعرفهم ولا تلتفت إليهم إلا كل ست سنوات، مستغلة فراغ الساحة وخلو الميدان من الصادقين والغيورين. نعم أقول خلو الميدان، بعدما كان في الأيام السالفة يضجُ بالعلماء والفقهاء والمشايخ والمجاهدين، وبعدما كانت مساجد البادية هي الرافد الأساس لأول جامعة في العالم، وبعدما كانت كثير من العلوم تدرس في البادية، وبعدما كان حفظ القرآن الكريم لا يتم على الوجه المطلوب إلا في البادية لما توفره من خلوة وتفرغ. نعم بعدما ارتدت البادية على أعقابها، وتخلت عن دورها أصبحت ورقة انتخابية تذروها الرياح. ولكن ألم يَانِ لأهل البادية ينالوا حظهم من العناية والرعاية الروحية قبل المادية؟ بلى قد آن… بلى قد آن. عندما رجعت العالمات والواعظات والمرشدات إلى الميدان. فالبادية لا يمكن أن يصلح حالها إلا إذا قذفت فيها روح من أمر ربها.

وبما أن العلماء هم ورثة الأنبياء، وبما أن الدعاة هم أتباع الأنبياء، فإن صلاح البادية لن يتم إلا بمنهج الأنبياء! كيف لا ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبعثه الله تعالى لشق الطرق وتعبيدها، ولا لمد البادية بالتيار الكهربائي ولا لإصلاح أمر التجارة أو الصناعة أو الفلاحة، وإنما بعثه لإصلاح الإنسان وتمتين صلته بخالقه ومولاه، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، حتى شع النور وانقشع الظلام وصلح أمر الدين والدنيا معاً، إن عودة العلماء والعالمات إلى الميدان بمنهج سيد الأنام هو الكفيل بإصلاح شأن الحاضر والباد.

وإن كانت المهمة صعبة على الموظفين والموظفات، فإنها لن تكون صعبة بإذن الله عز وجل على الدعاة والداعيات. أما وقد عدتن إلى الميدان واخترتن الأسرة والإنسان فهنيئاً لكن البِدايةُ من حيث بدأ خير الأنام صلى الله عليه وسلم قدوتكن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله من وراء القصد.

عبد الحميد الرازي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *