الـتـوريث الـدعــوي (الأخيرة) عقبات أمام التوريث السليم


العقبة الأولى : سوء التخطيط والعشوائية

وهي آفة كثير من الدعاة، بل إن بعضهم -هداهم الله تعالى- يرون العشوائية دينا يدينون به، ويحرِّمون التخطيط بدعوى أنه لم يكن في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ووسائل الدعوة توقيفية، إلى آخر الكلام الذي بلغ الغاية في السقم والركاكة الفكرية. والبراهين الناقضة لهذه الأفكار السقيمة أوضح من الشمس، لكن ليس محلها هذه الرسالة التي تتحدث عن شيء محدد، وعلى من أراد التوسع في هذا أن ينظره في مكان آخر(1)، فمن لم ير التخطيط شيئا مشروعا فكيف يفكر في التوريث أو يخطر هذا بذهنه أصلا.

أما آفة كثير من الدعاة فهي خلاف هذا الذي وقع فيه بعض ضعاف الفكر وضيقي الأفق، وتتلخص في أنهم يخططون لكن بسذاجة بالغة مبلغا غير مقبول، أو أن بعضهم اتخذ العشوائية سبيلا ومنهجا لحياته فلا يسير على هدى مرسوم ويخبط خبط عشواء في كثير من أموره، وفي جملتها قضية التوريث هذه، ومثل أولئك لا علاج لهم على الحقيقة إلا إعادة التفكير بعمق وجدية ليغيروا من طريقتهم، ويستقيموا على جادة تخالف ما هم عليه اليوم، هذا إن أرادوا لدعوتهم أن تنجح يوما ما أو أن تحقق شيئا ملموسا في حياة الناس.

والعجيب أن هذه الفئة لا ترتضي منهجها الدعوي منهجا للتجارة أو لإدارة المؤسسات أو للإشراف على توزيع المال وإنفاقه، فكيف ترتضي ذلك في قضية هي من أهم قضايا العصر على الإطلاق ألا وهي الدعوة إلى الله تعالى؟!.

العقبة الثانية : الجهل بأهمية التوريث

وهذه عقبة كأداء، إذ المرء عدوُّ ما يجهل، والإنسان مفطور على حب القديم والخوف من التغيير، ولو فكر الداعية قليلا فإنه سيخرج بنتيجة مفادها أن التوريث إبقاء على شيء كثير من القديم الجيد ونبذ الرديء عنه، وأنه سبيل للمحافظة على ما يراه هو الحق أو الصواب أو الأفضل، فلِم يخشى التوريث إذا؟. وهذا الجهل لا يليق بالأخ الداعية، إذ أنه يدعو الناس دوما إلى الاستفادة من المعطيات والمواهب والطاقات، وإلى القراءة العميقة المستفيدة من كل جديد جيد، فكيف يليق به البقاء على جهله في أمر مهم كهذا؟

العقبة الثالثة : خوف العواقب

وهذه العقبة ناشئة عن أمرين :

– أولهما : ما سقته في العقبة الثانية.

– والآخر منهما : هو أن الداعية قد يخشى أن يتضرر أحد من الناس بهذا التوريث، أو أنه قد يجر عليه متاعب لا طاقة له بها، فهو بهذا تجده هيابا من نقل التجربة ويفضل بقاء ما كان على ما كان.

ومثال على ذلك قضية الذكريات سالفة الذكر، فإني قد لقيت أساتذة ومشايخ وعلماء ودعاة يحرصون كل الحرص على عدم كتابة مذكراتهم، وسبب هذا هو إما خوفهم من الأنظمة المتسلطة في بعض البلاد التي ابتليت بمناهج تخالف منهج الإسلام لئلا يُحاسَب على شيء مما كتب، أو أنه يخشى أن يتضايق فلان وفلان أو أن يغضب عليه فلان وفلان، ولقد بينت لبعضهم أن ما لا يدرك كله لا يترك جله، فاكتب ما استطعت كتابته وخّلِّف ذلك للأجيال وورِّثهم إياه، فإنه كنز عظيم وخلاصة وعصارة تجارب، وقد وعد بعضهم بالاستجابة وأصر آخرون على عدم الكتابة للسببين اللذين سقتهما آنفا.

هذا وقد أوردت شيئا من ضوابط كتابة الذكريات في الفصل السابق، لكن ناسب المقام هنا إعادة ذكر بعضه.

العقبة الرابعة : الانشغال بقضايا الساحة الملحة

إن جمهرة كبيرة من العاملين في الساحة الدعوية يشكون من قلة الوقت وكثرة الأعباء، وهذا يعوقهم أحيانا عن كثير من الأعمال المهمة، وقد يعوقهم عن التفكير الصحيح أحيانا أو تغيير المسار إذا ثبت فشله أو ضعفه، بل إنه قد حصلت مناقشات بيني وبين أحد الدعاة في مسألة الارتقاء بعمله وفتح آفاق فيه، فتعجب الرجل مما سمع، وأظهر الجهل التام بما أقوله وأرشده إليه، على أن ما أقوله -في الحقيقة- لا يمثل شيئا فريدا، إنما هو حصيلة تأملات في بعض لحظات الصفاء القصيرة، فدهشت لاندهاشه وتعجبت لاستغرابه : كيف لم يفكر في مثل هذا من قبل؟! وهذا الذي مثلت بحاله -هو تقريبا- حال العدد الأكبر من الدعاة في هذا العصر الذي امتلأ بالمشكلات والعقبات والتعقيدات في جوانب كثيرة تلتصق بالداعية نفسه أو بيئته.

فكيف يراد إذا من هذا الداعية الموزَّع على جبهات أن يفكر في قضية التوريث أو يعيرها اهتماما؟!

لكن ينبغي معرفة أن قضية التوريث من الضخامة إلى الحد الذي لا ينبغي إغفالها أو تجاوزها -كما بينت فيما سبق- أو جعلها من القضايا التي تنجز إن اتسع لها الوقت، إذ هي أكبر من هذا وأهم.

مسألة أخيرة مهمة : الضعف يورَّث كما أن الإيجابيات تورَّث

هناك مجموعة من السلبيات في مجتمعات الدعاة يتوارثونها فيما بينهم ويتوارثونها أيضا خلفا عن سلف، فخُلف الوعد، والتأخر عن المواعيد المضروبة، وعدم المبالاة بأحوال المجتمع السيئة، وضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقلة الاعتناء بالعبادات فرائض وسننا، واليبوسة في الخلق، والجفاف في القلوب، وعدم الاكتراث بالارتقاء الدائم، إلى آخر ما هنالك من صفات سيئة، يتوارثها الدعاة فيما بينهم، وتقع فيما يسمى “اللاشعور”، فالداعية إن اجتمع بأقرانه قد يتأثر بما هم عليه من ضعف أو انحراف فتصبح صفة متأصلة فيه يورثها لآخرين معه، ويورثها لمن بعده أيضا.

وهذه الصفات السيئة الآنفة الذكر وغيرها كثر التحذير منها في كتب متداولة، وليس السياق مناسبا للتعرض لها والتحذير منها لكنها سيقت لبيان أن التوريث قد يقع في الشر كما يقع في الخير، وأن على الداعية العاقل العامل أن يتخير أحسن ما يقع عليه من سلوكيات وأخلاق ليكتسبها ولتكون سلوكا يوميا له ثم يورثها لمن بعده.

الخـاـتمـة

…تبين لي بعد كتابة هذا البحث ما يلي :

1- الأهمية القصوى لهذا الموضوع لما يترتب عليه من إنجاح الأعمال، ووصل السابق منها باللاحق، لذلك أنصح إخواني الدعاة بالأخذ به بقوة وعدم إهماله أو التقصير فيه.

2- أهمية أن يُكتب فيه كتابة أوسع من هذه، وأن يُقعّد له القواعد اللازمة، وحبذا لو اعتنى بهذا الموضوع أحد الدارسين الباحثين، فيضع فيه رسالة علمية قوية، وحسبي ان يُعد ما كتبته مفتاحا للبحث في هذه القضية المهمة.

3- وهناك اقتراح حبذا لو وجد طريقه إلى التنفيذ، ألا وهو التنادي إلى مؤتمر يضم أهل الشأن والاختصاص في المؤسسات الشرعية والدعوية والتربوية لينظروا في وضع لوائح محكمة تضمن حسن العمل وجودة توريثه للأجيال المقبلة، والارتفاع عن العشوائية في العمل والنظر، خاصة أن من سبقونا في الإدارة والتخطيط والعمل المحكم في الشرق والغرب أخذوا بهذا الأمر وطبقوه منذ أزمنة طويلة.

وهذا ما تيسر لي في هذه الخاتمة من توصيات، والله تعالى أعلم وأحكم، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

د. محمد موسى الشريف

—————

1- أنظر مثالا : “مشروعية العمل الجماعي” للأستاذ الفاضل الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق، وانظر كذلك : “جند الله تخطيطا” للأستاذ سعيد حوى رحمه الله تعالى.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *