الـتـوازن الـفـريـد


ليس ثمة عقيدة في هذا العالم، كالإسلام، قدرت على تحقيق هذا القدر من التوازن والانسجام بين القدر والحرية.. بين الجبر والاختيار.. وإذا كانت هذه المسألة بمثابة معضلة لا حل لها في بعض المذاهب.. وبمثابة صراع لا نهاية له بين الإنسان وبين أقداره في مذاهب أخرى.. فإنه في الإسلام ليس ثمة معضلة ولا صراع.. إنه الوفاق الجميل بين قدر الله وإرادة الإنسان.. بين علم الله المحيط وإرادته المطلقة وهمينته الكاملة على الكون والعالم والمخلوقات.. وبين حرية الإنسان في إطار هذا العلم والإرادة والهيمنة.. والحق أننا ننسى دائماً بسبب تضخم شعورنا الإنساني وتحوله إلى ما يشبه الورم الذي يمنع الرؤية الحقيقية، ننسى أننا لا نعدو أن نكون جزءًا من خلق الله، وإن إنسانيتنا جاءت منة وتفضلا من الله، وإن علمنا وخبراتنا ومقدرتنا على العمل لا تقاس -لا بالنوع ولا بالكم- بعلم الله الشامل المحيط، وقدرته الخلاقة التي لن يعجزها شيء، وهو الذي إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون. ومع ذلك فقد منحنا القرآن أفضل مركز في الكون، وأعطتنا آياته البينات مكان السيادة على العالمين، وفضلتنا على كثير من خلق الله تفضيلا، ومن خلال هذا المركز والمكانة والتفضيل منحنا حرية للاختيار والفعل لم تمنح لأحد من العالمين، وجاءت على درجة من الامتداد والتوغل والانتشار بحيث تغطي تغطية كاملة الوجود البشري الحر لأي واحد منا كإنسان فرد، ولأية جماعة تشدها قيم ومبادئ وأهداف.

ولقد أكد القرآن الكريم في أكثر من موضع، هذه الحرية، وقدم عشرات النماذج الواقعية لمجالها الواسع على المستويين الفردي والجماعي، ولكنه كان ينبهنا دائماً كي لا يفلت الخيط من أيدينا وتتحول مواقفنا إلى درامات كلاسيكية مصطنعة وصراع دونكيشوتي لا مبرر له، كان ينبهنا دائما إلى أن حريتنا الكاملة المنطبقة انطباقاً هندسيا باهراً مع وجودنا، ما هي إلا دوائر تعمل بتوازن وتناغم وتداخل ضمن الدائرة الأكبر التي يرسمها علم الله الشامل وتحيط بها إرادته التي لا يوقفها شيء..

ويعود فيؤكد لنا مرارا أن النتائج النهائية للفعل البشري تجيء منبثقة بمنطق عادل لا يعرف زيفا أو التواء عن أفعالنا.. تحمل طبيعتها وتكوينها وملامحها وتتغذى بعجينتها التي جبلناها نحن بعقولنا وأيدينا : {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون} {وترى كل أمة جاثية، كل أمة تدعى إلى كتابها، اليوم تجزون ما كنتم تعملون} {ولو ان أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض، ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ياتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون، ولقد جاءهم رسول منهم فأخذهم العذاب وهم ظالمون} {وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا} {ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون} {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم -على فترة من الرسل- ان تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير، فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير}.

إنه بدون حرية لن يكون هناك أبداً معنى للموقف الإنساني، أو مغزى للخير والشر، كما أنه لن يكون هناك هذا المعنى أو المغزى ليوم الحساب الذي يترتب بداهة على اختيارات الناس الحرة.. إن هذه الحرية، فضلاً عن ذلك، هي بمثابة تحد فعال للإرادة البشرية تحفظ توترها الدائم وتضعها دائماً في موقف الفعل والانفعال إزاء الأحداث والأشياء.. وبدون حرية لن يكون هناك تحد ولا توتر ولا مقاومة ولا حركة، وسيجد الناس أنفسهم ساكنين أو مساقين، دونما تقرير إرادي ذاتي مسبق إلى مصائرهم، ودونما مقاومة أو عناء.

إن الحرية في القرآن هي المسؤولية وبدونها لن تكون هناك مسؤولية أبدا ولن يكون هناك معنى لدعوات الأنبياء عليهم السلام {وكل إنسان الزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشوراً، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} {ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى} {وأن ليس للانسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى، ثم يجزاه الجزاء الاوفى} {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا} {ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون}..

إن معظم الآيات التي تتناول هذه المسألة تؤكد على الحقيقة التالية : أن الله سبحانه لا يطبع على قلب إنسان ويختم على مصيره بالكفر أو الإيمان إلا بعد علم مسبق بتكوين هذا القلب وطبيعة نبضه كما ونوعا، وهذا التكوين المسبق ليس أمراً مجبراً عليه الإنسان بل هو ثمرة اختياره الحرّ المتأثر بظروفه البيئية والوراثية التي هي بدورها حصيلة البيئة على مرّ الزمان.. {قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا} {من عمل صالحا من ذكر أو انثى، وهو مومن، فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} {من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا} {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نوته منها وما له في الآخرة من نصيب}.. وصدق الله العظيم..

أ. د. عماد الدين خليل

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *