ألم قلم – محو الأمية…ذلك الحلم الأطول


في محاضرة لأحد الباحثين الناشطين في مجال محاربة الأمية، قدم هذا الباحث بعض المعلومات الطريفة عما حققته بعض الجهات الرسمية من إنجازات في مجال محو الأمية عند شريحة النساء.

كان المشروع عند هذه الجهة الرسمية أن تسجل مائة امرأة أمية في مؤسسة معينة من أجل تعلّم القراءة والكتابة.. حينما أُعلن عن المشروع سجلت مائة امرأة أسماءهن، وحينما بدأت الدراسة، حضرت خمس وستون امرأة، بعد أسابيع بقي منهن خمس وثلاثون يتابعن التعلم، وحينما جاء موعد الامتحان في نهاية السنة حضر منهن عشر نسْوة، نجح ثلاث منهن، وبعد العطلة الصيفية، تم استدعاء النسوة الثلاثة بهدف تقويم الحصيلة، فكانت المفاجأة أنهن نسين كل شيء خلال العطلة… وهكذا كانت نهاية المشروع صفراً… مثل كل المشاريع الأخرى لمحو الأمية.

إن ما أشار إليه هذا الباحثيعبِّر عن حقيقة ما عاشته مسيرات محو الأمية التي عرفتها بلادنا، ذلك أنه منذ فجر الاستقلال والناس يسمعون عن “انشغلات” الجهات المعنية بالأمية المستفحلة في الأوساط الشعبية، كما يسمعون عن برامج محدِّدة أفقا زمنيا للقضاء على الأمية بهذا البلد وتمر الأيام والسنون ولا يتغير أي شيء… لأن فاقد الشيء لا يعطيه.

لكن في المقابل نجد جمعيات من المجتمع المدني تسهم بشكل فعال في برامج محو الأمية، وفي الغالب تكون المقررات الأساسية التي تعتمد في محو الأمية، عند هؤلاء قائمة على تحفيظ القرآن الكريم، واعتماد كتاب قديم من سلسلة (اقرأ) لبوكماخ المشهورة، وهي سلسلة ينظر إليها خبراء التربية في العصر الحاضر على أنها متجاوزة ولا تصلح للتعليم الرسمي، فضلاً عن أن تكون مقررة في برامج محو الأمية.. ولكن مع ذلك ما يحصل عليه هؤلاء من نتائج نقيض تماما لما تحصل عليه الجهات الرسمية، حيث إن الإقبال يكون كثيفا على مراكز هذه الجمعيات، كما أن الحصيلة العامة لهذه العملية تكون جيدة، ونتيجة لذلك تتحمس العديد من النساء للتسجيل في هذه المراكز.

ورب سائل يسأل : لماذا تحصد هذه الجمعيات مثل هذه النتائج، ولا تفلح الجهات الرسمية في ذلك؟

لعل الجواب يبدو واضحا من خلال جانبين :

– إن المستفيدين في غالبهم من كبار السن، وهم في غالبهم -إن لم يكن في أجمعهم نساء- والدافع لهؤلاء هو دافع ديني بالدرجة الأولى، ويلاحظ في عدد من الأحيان أن وسائل الإعلام المرئية وخاصة القناة الأولى كلما أرادت تقديم منجزات محو الأمية بالبلاد، لا تجد إلا ما أنجزته هذه الجمعيات المدنية، وحينما تقدم هذه الوسائل استجوابات للمستفيدين من هذه المنجزات، يعبِّر هؤلاء بكل صراحة وعفوية، أن الاستفادة الأولى والأهم تكمن في التمكن من القدرة على قراءة القرآن الكريم وحفظه، ثم بعد ذلك يذكرون الاستفادات الأخرى كمعرفة الحساب، وتركيب أرقام الهاتف ونحو ذلك رغم ما يحاوله مُخرجو هذه الاستجوابات من تجنب مثل هذه الإجابات، كما بدا في أكثر من نشرة إخبارية في الآونة الأخيرة.

– الجانب الثاني وهو أن جُل المسهمين والمؤطرين في مجال هذه الجمعيات يبتغون أجر الله تعالى وليس لديهم أي مصلحة ذاتية أو منفعة شخصية، وإن كان أصحاب المصالح يصفونهم بصفات مختلفة وينعتونهم بنعوت قبيحة. وبذلك يلتقي هدفهم النبيل ونيتهم الخالصة، مع الرغبة الصادقة والطموحِ المستشْرِف لدى المستفيدين، فيثمر كل ذلك ثماراً يانعة يلمس أثرها كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

معنى هذا؟

معنى هذا أن استحضار العامل الديني في مَحْو الأمية له دور مهم في ترغيب الأميين في التعليم ودفعهم نحو الارتقاء درجات في هذا الباب، وتشهد حالات عديدة على امتداد العالم العربي والإسلامي كيف كا ن للعامل الديني دوره المهم في دفع العديد من الأشخاص، لا ليمحوا أميتهم فقط، ولكن أيضا ليرتقوا في مجال التعلم والتبحر فيه إلى أن حصلوا على شواهد عليا بعدما وَهنَ منهم العظم وتقدم بهم السن.

ودون ذلك يَبقى ما يبذل من جهود ويقدم من طاقات في سبيل محو الأمية، ضياعاً للوقت وهدراً للأموال، وحلما طويلا لا ينقضي بانقضاء ليله.

   د. عبد الرحيم بلحاج

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *