مواقف وأحوال – إن لأبي بكر أحوالاً.. فتأمل هذا الحال!


وقفتنا اليوم نتأمل فيها حالا شبيهة بالحال التي رأيناها في العدد السابق، لكنها مع رَجُل تربى على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصُنع على عينه، إن الرجل الأول في أمة الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، صاحبُه في حياته، وخليفته بعد مماته : أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وجمعنا به في مستقر رحمته.

إن شخصية سيدنا أبي بكر رضي الله عنه مازالت في حاجة إلى دراسة متواصلة من أجل استفادة متواصلة، وإن من أبرز ما ينطبع في ذهن الباحث، ويصير قناعة راسخة عنده وهو يقرأ عن هذا الرجل العظيم، أنه -أي أبا بكر- هو أقوى رجل في هذه الأمة بعد الحبيب صلى الله عليه وسلم، إنه الأقوى حسا ومعنى، والأدلة على ذلك متوافرة متواترة، ولذلك اختاره النبي صلى الله عليه وسلم ليكون بجانبه في سنوات دعوته كلها، في حضره وسفره، وسلمه وحربه، ورشحه لقيادة الأمة بعد مماته حين أذن له  بإمامة الصحابة في الصلاة في حياته.

وإن مما يدل على قوته الخارقة في الحسيات وقفتَه التاريخية حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحربَه على المرتدين، واستماتَتَه في قضية جمع القرآن، وحرصَه على تسيير جيش أسامة.. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف فيه هذه القوة استبقاه في الهجرة ليكون صاحبَه ورفيقَه دون غيره من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

ومما يدل على قوته الكبيرة في المعنويات تصريحُه صلى الله عليه وسلم بأن إيمان أبي بكر يرجح بإيمان الأمة لو وزن به، وتكليفُه بأمر الصلاة في حياته، وغير ذلك… ومن هذا ما نحن بصدد الحديث عنه الآن، فقد أخرج البخاري في كتاب مناقب الأنصار، “باب أيام الجاهلية” عن عائشة رضي الله عنها قالت : >كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام : أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر : وما هو؟ قال : كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أُحْسِن الكهانة، إلا أني خدعته فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه<.

قال ابن حجر : ووقع لأبي بكر رضي الله عنه مع النعيمان بن عمرو أحد الأحرار من الصحابة قصة ذكرها عبد الرزاق بإسناد صحيح أنهم نزلوا بماء فجعل النعيمان يقول لهم كذا، فيأتونه بالطعام فيرسله إلى أصحابه، فبلغ إلى أبي بكر فقال : أراني آكل كهانة النعيمان منذ اليوم ثم أدخل يده في حلقه فاستقاء<.. وفي مسند ابن أبي شيبة عن أبي سعيد قال : كنا ننزل رفاقا، فنزلت في رفقة فيها أبو بكر على أهل أبيات فيهن امرأة حبلى ومعنا رجل، فقال لها : أبشرك أن تلدي ذكرا، قالت : نعم، فسجع لها أسجاعا، فأعطته شاة فذبحها وجلسنا نأكل، فلما علم أبو بكر بالقصة قام فتَقَايَأ كل شيء أكله<(1).

فانظر إلى هذا الرجل القوي في إيمانه، الصلب في دينه، يتقيأ شيئا أكله من دون شبهة، ويخرج من جوفه ما لن يحاسب عليه، لأن الله تعالى وضع أمر الجاهلية كله، ولكنه الورع، والدين، والتقوى.. ألا وإن من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، رحمك الله يا صاحب رسول الله، ورضي الله عنك يا خليفة رسول الله، ماسماك الصديق إلا لأنك كذلك.

>          ذ. امحمد العمراوي

من علماء القرويين

amraui@yahoo.fr

——

1- فتح الباري 540/7.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *