منْ أوراقِ شاهِدَة – عـن سيـريـلانـكا التي  فـي القلب سـأحـكـي وليس من رأى كمن قــــرأ


وتوقفت السيارة التي كانت تقلنا أمام باب البيت السريلانكي الذي كنا مدعوين لزيارة دعوية له، وألفينا أنفسنا ندلف إلى منزل جد بسيط  تؤثثه بدءا من العتبة، أفرشة إسفنجية وأغطية رقيقة متواضعة  تكاد لا تغطي الأرضية الشاسعة للبيت.

ولفت نظرنا ونحن نلج إلى غرفة الاستقبال  افتقادها للمسة “الحذاقة” التي تميز البيوت المغربية  حتى لتغدو في كثير من الأحيان  وسواسا قهريا يستهلك جهد ووقت نسائنا و يسلب فئة منهن متعة العلم والتعلم المفضية إلى القرب من الله عز وجل ومعرفة عظمته وقدرته سبحانه وتعالى ودورهن الرسالي في إيصال هذا الخير للناس أجمعين.

وحتى أكون صادقة معكم أحبتي القراء ففي البدء انتابنا شعور لا إرادي دفعنا دفعا لمقارنات حمقاء، فخمنا للتو أن نساء البيت السيريلانكي  لسن ” حاذقات ” بما يكفي وأنهن مقصرات تجاه أزواجهن وبيوتهن ..

ولم يكن ذلك الشعور الشيطاني إلا صدى خفي  لمخلفات تهلهل المنسوب الإيماني في قلوبنا، الشيء الذي يفضي بنا بين الوقت والآخر إلى التوقف عند القشور والتغاضي عن الجوهر والمعاني الرابضة خلف الصور.

وشاء الله سبحانه لنا ونحن نقترب منهن أكثر، ويسري دفئ الأخوة وحميمية الجسد المسلم المتواشج في كياننا، أن ندرك إلى أي حد كنا غافلات وسطحيات (على الأقل بالنسبة إلي  أنا الباحثة باستمرار عن كل الجغرافيات وكل الناس النافعين  لأرمم صدوعي الروحية وأشذب جهلي المكعب، لعلني  أتبين معالم الطريق إلى الله تعالى على طريق المصطفى ) أجل، لم تكن لمسة الحرص المبالغ فيه غائبة لدى أخواتنا السيريلانكيات عن سبق إهمال وقصور في العناية ببيوتهن، وإنما هو الهم العظيم والفكر للدين الذي يجعل الإنسان  اليقظ لا يضيع الجهد ويستفرغ الطاقة والعمر في التلميع والتنميق حد الإسراف المفضي إلا انفلات العمر سدى والعياذ بالله..

ولا عجب فمتى ذاقت النفس من طبق الإيمانيات وأوغلت في التدبر في نعم الله عز وجل، واستزادت من أطايب الغداء النبوي قولا وفعلا زاد جوعها وعطشها وذهلت عن متاع الدنيا، متاع المحبوبات الزائلة ..

وسبحان الله، ونحن نجالس أخواتنا السيريلانكيات،  سنعرف مكامن أمراضنا التي جعلت بيننا وبين عمل رسول الله  حجابا..

استقبلتنا نساء البيت بحفاوة ألجمت قلوبنا قبل أفواهنا، كانت ملامحهن السمراء تشي بفرح بالغ  وهن يحضننا ويقبلننا بكل المحبة، كأننا قريبات حميمات ولسنا كذلك إنما هي آصرة الدين التي تلحم بين المشاعر، وإن تباعدت الأجسام والمنازل.. بل تباعدت القارات.. ألسنا من إفريقيا وهن من آسيا؟!

وكان أول موعد لنا مع هذه الآصرة الربانية حين استبقتنا ربة البيت إلى الغرفة التي سنستريح فيها، وسنضع فيها أمتعتنا، فقد كانت بكل بساطة غرفة نومها الزوجية بسريرها الكبير وأغطيتها الحميمية.

تسمرنا أمام الباب وعقدت ألسنتنا دهشة ليست ككل الدهشات، وسنعرف فيما بعد أنها عادة لدى السيريلانكيات المسلمات حين يسقبلن نساء الدعوة في بيوتهن،  فأجمل عربون محبة للدين في عرفهن هو بدل أكثر الأماكن حميمية وتكريما في بيوتهن :غرفة النوم إلى الضيفات!!!

وكانت ملامح النساء اللواتي اصطحبننا إلى عتبة الغرفة تشي بامتنان عجيب أحرجنا أي والله.  فبرحمتك يا ساتر العيوب اجعلنا خيرا مما يظنن واغفر لنا ما لا يعلمن!!!!!!!

ودخلنا إلى الغرفة الشاسعة الوضيئة على مضض تتبعنا عيونهن المترصدة، وبسماتهن الدافقة حنانا، وبقين واقفات يراقبن بانبهار أدق حركاتنا ونحن نرتب أمتعتنا . ولكسر ذلك الحاجز النفسي المتأتي من جهلنا بلهجتهم استعضنا عن الكلام بلغة الإشارات مع بضع كلمات إنجليزية بين الحين والآخر كنا نوجهها للفتيات المتعلمات من بنات البيت و كان لها مفعول السحر في فتح الباب للتعارف..

ومرة أخرى سنكتشف مع أسمائهن الفريدة والاستثنائية طعم حبهن للدين وللقيم الإنسانية النبيلة، أسماء من مثل :

منذرة، شهمة، نور مديحة، زلفية، منورة، حسن الفاطمة، نور نصيحة زواهرة، فريهة، زينة الهدى، مؤلفة القلوب، مرضية، رفعة، رملة، نصرة، رميصاء، حسن الرضى، خير النساء ، حسن الخاتمة، رسلة  شزيناه، إنسية، رويحة.. فيروزة، ويحة، يسنى، سمحة إلخ…

كن يسردن تلك الأسماء الجميلة جدا وهن في قمة السعادة لإبهارنا، إذ كانت لهن القناعة التامة أننا نحن حقا أهل الإسلام والأحق بالتبجيل والتكريم والإبهار.

وإذ أنهينا تلك الدردشات الأنثوية الدافئة، تناولنا وجبة الغداء المتواضعة، وإبانها كنا مرة أخرى مع درس جديد في التعامل مع نعمة الله عز وجل على سنة رسول الله  بدءا بالتسمية  والأكل بأدب جم دائما وفق السنة النبوية مع عدم الأكل حتى الشبع والتقاط كل الفتات ولعق الإناء ..

لقد كان مشهدا مهيبا تابعنا فصوله مع أخواتنا السيريلانكيات وهن لا يغادرن كبيرة ولا صغيرة في اتباع السنة النبوية إلا تنافسن في ذكرها والعمل بها. وإذ أنهينا وجبة الطعام ونحن كأميرات مذللات تسبقنا أياديهن الرقيقة للخدمة، وخلدنا إلى الراحة التزمت كل واحدة منهن ركنها وشرعن يذكرن الله أو يقرأن من كتاب الله عز وجل.

وغدونا نحن الراصدات لهن لا المرصودات، فقد كان إيقاع حركاتهن على النهج النبوي عبادة وعلما وخدمة فوق كل تصور.

لم يكن في أجندتهن وقت مجاني للغو، أو لإعدام الوقت في التفاهات.. أو تتبع العورات أو هوس “الجفاف”  وتلميع الأرضيات صباح مساء كما نفعل نحن، أو إخراج الملابس من الدولاب إلى آلة التصبين آن شروق الشمس وإلى مغربها!! أو التدحرج كالفقمات بين سرير النوم والتلفاز  أو الاعتكاف في غرفة المطبخ  بين الوصفات والوصفات كما لو كن  أحلن على الإقامة الإجبارية فيها!

لقد كان كل شيء في برنامج أشغالهن بقدر، وبغير إسراف مع إيلاء الأولوية للعمل الديني عبادة ودعوة ومعاملات وبكل الإخلاص والتواضع والحزن الدائم لتقصيرهن في الطاعة  لله والاتباع لرسوله!!!!!.

أجل يا أحبتي لقد فقهوا رجالا ونساء وتعلموا كيف يرتبوا أولوياتهم لذا وجد ت عندهم حقيقة الدين، وفضل عندنا رسمه وشكلياته،  لهذا أيها الأحبة أينما وليتم وجوهكم وجدتم  في مجتمعاتنا العربية كتاتيب ومؤسسات وبيوت لتحفيظ القرآن بلا أثر ملموس على مستوى القيم والمعاملات ..

ولا عجب فقديما كان التباهي بالأشياء الدنيوية هو الموضة والهجاس الغالب، وهاهو الدين يدخل اليوم ميدان المباهاة والتنافس فتقول لك الأخت أنا لي ولدان حفظا القرآن وتجيبها الأخرى :ابني ختم القرآن مرتين وتعقب الثالثة متفاخرة : ابنتي فاقت أبناءكم  جميعا فقد حصلت على الجائزة الوطنية  و الدولية وووو…..

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

فهل أتاهم حديث رسول الله  الفصل في هذا الرياء المكعب الذي أحال الدين إلى لعبة لتسويق النفس والعائلة والأبناء، لعبة ماركتينغ كما يقال؟؟!

عن أبي هريرة ] قال : سمعت رسول الله  يقول : >إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه : رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمته فعرفها قال : فما عملت فيها، قال: قاتلت فيك حتى استشهدت قال : كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال : فما عملت فيها؟ قال : تعلمت العلم وعلمته  وقرأت  فيك القرآن، قال كذبت ولكنك تعلمت ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال : كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد! فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار<(رواه مسلم).

ولأن الكلام يطول في بسط  أشجاننا، سترنا الله وإياكم إخوتي، دعوني في ختام أتمناه مسكا أدرج لكم (مع شيء من التصرف) هذه الفقرة البليغة المعاني التي قرأتها لأحد العارفين المتمسكين بعروة الدعوة  حفظه الله .

يقول هذا العارف الكريم :

عندما رفضت النساء  المرضعات رسول الله  لأنه كان يتيما، أخذته السيدة حليمة فبارك الله لها في ناقتها وفي حياتها وهكذا نحن اليوم، هذا الدين يتيم  (بمُتَدَيِّنِيه لا بذاته طبعا) فإذا أخذناه بصدق ومحبة وقناعة، الله يبارك لنا في حياتنا ويصلح أحوالنا كما بارك لحليمة.

وفي حلقة قادمة أحبتي سأفصل أكثر بإذن الله  في أبجديات هذه المحبة السريلانكية العملية الصادقة لله ولرسوله فابقوا معي .

>ذة. فوزية حجبي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *