محنة اللغة العربية بين أهلها! ماذا تخسر الأمة عندما تهمل لغتها؟


فضلنا أن نستهل الحديث في هذه الكلمة المتواضعة بعُنوانين لكل منهما دلالته بخصوص وضعية اللغة العربية بين أهلها، وكل منهما يتضمن كلمة تعبر عن جانب من هذا الواقع :

فالعنوان الأول يتضمن كلمة محنة، وذلك أن ثمّة محنة بالفعل تعيشها اللغة العربية بين أهلها! وتتجلى هذه المحنة في الإعراض عنها، وعدم الإنتاج بها، ثم الدعوة إلى هجرها أحياناً لدى البعض، والبحث عن بديل عنها.

أما العنوان الثاني فيتضمن كلمتا إهمال أولا ثم الخسران ثانيا، هكذا ينبغي أن ترتب دلالة الكلمتين عكس ما هما عليه في العنوان. ولهذا الإهمال الذي أصاب اللغة العربية الممتازة في بنيتها بشهادة الأعداء والخصوم عوامل كثيرة داخلية نابعة من قلب الأمة التي أصابها الضعف والوهن منذ زمان، وخارجية ممارسة من لدن القوى الأجنبية التي استغَلّت لحظة الضعف التاريخية ونشبت أظافرها في جسم الأمة تستغلّ طاقاتها المادية والمعنوية بشتى الطرق وأبشع الوسائل. تلك بعض معالم الإهمال.

أمّا ماذا يترتب عن هذا الإهمال من خسارة للأمة فهو ما سنحاول الإجابة عن جانب منه من خلال ما سنورده في هذه الكلمة من تفصيل. ولذا سنلامس محورين هامّين بهذا الخصوص : أولهما : مفهوم اللغة بصفة عامة ووظيفتها في المجتمع. وثانيهما : اللغة في علاقتها مع الإنسان، وهنا يتبادر إلى الذهن سؤالان عريضان : أولهما : هل يمكن تصور أمة أو مجتمع بدون لغة تميزه؟! وثانيهما هل يمكن أن تتحقق إنسانية الإنسان بدون لغة؟! في سياق الإسهام في مناقشة هذين السؤالين. ولا نقول الإجابة عنها، نتحدث عن مفهوم اللغة في هذه الحلقة على أن نخصص الحلقة القادمة للغة والإنسان بحول الله.

 أولا : مفهوم اللغة ووظيفتها

معنى اللغة شيء معلوم عند العامة والخاصة، لكن درجة هذا العلم ومقداره تختلف من شخص لآخر، وذلك حسب المعطيات العلمية والحضارية التي تتظافر على بناء مفهوم اللغة وتحديد وظيفتها لدى كل شخص. فلو سألنا عدداً من الناس في بلدنا وفي غيره من البلدان عن معنى اللغة ووظيفتها لأجابوا بدون أدنى تردد، قائلين : هي ما يتكلم به الإنسان، وهي التي نتخاطب بها ونتواصل. وهذا صحيح لا ينكر. لكن ثمَّة جوانب أخرى لمفهوم اللغة في إطار وظيفتها التواصلية لا يفهمها، ولا ينْتَبِهُ إليها كثير من الناس، ومنها على سبيل المثال : اللغة والتاريخ، واللغة والمعتقدات، واللغة والقيم، واللغة والعمران..الخ.. وبهذا الفهم لا تقتصر وظيفة اللغة على التواصل الآني، بل تتعدى زمان اللحظة الآنية لتكون خزانة لحياة الإنسان المعبر بها، بحيث تحتضن المفاهيم لتربط بين الأجيال ، وتثبت نسبة اللاحقة منها بالسابقة نسبة شرعية حضرياً، وفي هذا السياق نورد مجموعة من التعاريف التي تبرز تصور أصحابها لمفهوم اللغة حسب معطيات كل واحد منهم العلمية والحضارية، وهذه التعاريف قسمان : عامة، وخاصة.

1- التعاريف العامة وهي :

أ-1- اللغة في عرف اللغويين العرب : >أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم< الخصائص 33/1.

ب- 1- >اللغة وسيلة إنسانية.. لتوصيل الأفكار والانفعالات والرغبات عن طريق نظام من الرموز..< إدوار سابير.

حـ-1- >التعبير عن الأفكار بواسطة الأصوات المؤتلفة في كلمات< هنري سويت.

تلتقي هذه التعريفات في أن وظيفة اللغة هي : توصيل الأغراض أو الأفكار والانفعالات.

2- وهناك تعريفات أخرى تنظر إلى اللغة على أنها سلوك اجتماعي وهي :

أ- 2- >اللغة نظام من رموز ملفوظة عرفية بواسطتها يتعاون أعضاء المجموعة  الاجتماعية المعينة< إدحاستير تفنت (أمريكي).

ب- 2- >اللغة نظام من العلامات يفرض نفسه على جميع الأفراد في مجموعة واحدة< جوزيف فوندريس (فرنسي).

حـ- 2- >اللغة نظام من رموز صوتية مخزونة في أذهان الجماعة اللغوية< أولمان.

هكذا نلاحظ أن تعاريف المجموعة الثانية (أ- 2، ب- 2، حـ-2) تتّخِذٌ في أن اللغة نظام من الرموز أو العلامات. ثم يتفرد كل تعريف بجملة أو عبارة تدل على نظرة صاحبه الخاصة التي تميزه عن غيره. ولذا نورد هذه الجملة أو التعابير لأجل تأملها وأخذ العبرة منها مرتبة كما يلي :

أ- 2- >بواسطتها يتعاون أعضاء المجموعة الاجتماعية المعينة<.

ب- 2- >يفرض نفسه على جميع الأفراد في مجموعة واحدة<.

حـ-2- >مخزونة في أذهان الجماعة اللغوية<.

وكيف ما كانت دلالة العبارة الخاصة بكل تعريف من هذه التعاريف الثلاثة، فإنها كلّها تدلّ على ضرورة وحْدة أفراد المجموعة اللغوية الخاصة بسبب تأثير تلك اللغة، وهذا ما تجسمه الكلمات التي تعتبر كلّ منها محوراً متميزاً في عبارة تعريفه، وهذه الكلمات هي (يتعاون في أ-2) و(يفرض نفسه في حـ-2) و(مخزون في حـ2). وكل كلمة من بين هذه الكلمات الثلاث يحمل مفهوماً خاصّاً يعتبر ذا أهمية في بناء شخصية الأمة ككل فثمة فعل (يتعاون) الذي يدل على ضرورة وجود سلوك إنساني حضاري بين أفراد المجموعة البشرية التي تتواصل بلغتها. الموحّدة ، وثمة جملة (يفرض نفسه) التي تعني أن اللغة تشكل عاملاً من عوامل القوة الحسّية التي تمارس سلطتها على كل فرد من أفراد المجموعة اللغوية حتى ينصهر فكرياً دون إرادته ضمن أفراد المجموعة التي تتكلم تلك اللغة، ويخضع لقانون المصلحة العامة الاجتماعي. وأخيراً كلمة (مخزون..) التي تشكل رصيداً معنوياً لتوحيد أفكار وتوجهات الجماعة اللغوية المعينة. وعليه فالتعاون يجسم المصالح المشتركة ويفرض نفسه، يُهذّب الطاقات الجامحة التي ترغب في الخروج عن الصف ريثما تتوفر لها الحماية الداخلية عن طريق (مخزون) المبادئ والأفكار والقيم لتنسجم مع أفراد الجماعة اللغوية بإرادتها.

والنتائج التي يمكن استخلاصها من خصوصيات هذه التعاريف من تعاريف المجموعة الثانية (أ-2، ب-2، حـ-2) كما يلي :

1- لابد من لغة موحدة لكل أعضاء المجموعة الاجتماعية المعينة.

2- لابد لأفراد المجموعة المتساكنة من لغة تفرض نفسها على أفراد تلك المجموعة حتى يسود التفاهم والتعاون بينهم فيما يجمعهم من مطالب الحياة.

3- لابد أن يتوفر أفراد المجموعة اللغوية المتساكنة على حمولة ذهنية لرموز تلك اللغة ومفاهيمها أي ما يمكن أن نسميه وحدة المرجعية الفكرية.

وعليه فلأجل أن يصح إطلاق مصطلح مجتمع على مجموعة بشرية مّا متساكنة لابد أن تتوافر لها هذه المواصفات وما يشبهها.

وإلا انقلب التعاون إلى تناحر، والانسجام إلى تنافر. والوحدة إلى فرقة…

ويبدو أن غياب مثل هذه المواصفات، وعدم توافرها لدى بعض المجموعات البشرية المتساكنة، من أسباب ما يسمع ويشاهد في هذه البقعة أو تلك من بقاع العالم، من قلاقل وحروب وصراعات!

يتبع.

    د. الحسين گنوان  

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *