خطبة عيد الفطر لعام 1431هـ – انقضى شهر رمضان و في قلوب الصالحين لوعة


الحمد لله رب العالمين،

يا رب لك الحمد فأنت أحق أن تحمد، يا رب لك الشكر فأنت أحق أن تعبد،

لك الحمد لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، نستغفرك اللهم ونتوب إليك،

اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً…..

ثم أما بعد فيا أيها المسلمون: انقضى شهر الخيرات والبركات، انقضى شهر المنح والهبات، انقضى شهر رمضان و في قلوب الصالحين لوعة، وفي نفوس الأبرار حرقة، انقضى شهر رمضان، فيا ليت شعري من المقبول منا فنهنيه، و من المطرود فنعزيه، انقضى رمضان لكن… ماذا بعد رمضان؟

لقد عشتم موسم الذكر والصلوات، موسم الطهر والطاعات، موسم الإنفاق والصدقات، لقد عشتم موسماً تجلت فيه طهارة القلوب، وزكاة النفوس وعِفَّة الألسن، غضَضْتم الأبصار وصنتم الأسماع وأخلصتم النوايا وأحسنتم الأقوال وأصلحتم الأعمال، فلا ترجعوا بعد الذكر إلى الغفلة، ولا بعد الطاعة إلى المعصية، لا ينبغي لمؤمن صام شهراً كاملاً، كان في ليله ساجداً قائماً، وفي نهاره مخلصاً صائماً، وفي كل أحواله ذاكراً، لا ينبغي أن يرجع بعد ذلك إلى العبث والغفلة، ولا إلى اللهو والمعصية، فالله الله في صيامكم، الله الله في قيامكم، فالكيس من تذكر واعتبر وانتفع بطاعة ربه واستمر .

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ها هي أيام رمضان قد انقضت، ولياليه قد تولت، فماذا أودعنا في هذا الشهر من الصالحات، وكم كتبت في صحائفنا من الحسنات؟ هل أعتقت رقابنا من النيران، هل كتبنا في أصحاب الجنان؟ إن الأمل في الله جميل والظن في الله كبير.

أيها المسلمون أحسنوا الظن بالله جل وعلا، فالمؤمن محسن لعمله، طامع في رحمة ربه، أورد العماد ابن كثير  في تفسيره أن رجلاً أدناه الله تعالى يوم القيامة ثم قرره بذنوبه، وكانت ذنوبه كثيرة جداً، فقال الله تعالى: “اذهبوا به إلى النار”، فلما ذهبوا به إلى النار بكى وانخنق وصاح فقال الله عز وجل لملائكته: “ردوه فردوه”، فلما مثُل بين يديه سبحانه قال الله تعالى: “ما الذي يبكيك”؟ قال: والله يا ربي ما كان هذا ظني فيك، فقال الله تعالى له: “ماذا كان ظنك بي”؟ قال: والله كان ظني بك أن تغفر لي وتدخلني الجنة، فقال له سبحانه: قد فعلت” ذكره ابن كثير رحمه الله تعالى.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، اعلموا يرعاكم الله أن الإيمان هو الحقيقة الكبرى في هذا الوجود، من أجله خلق الله الخلق وتكفل بالرزق، من أجله بعث الله  الأنبياء والرسل وأنزل الكتب قال تعالى:{وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون}(الأنبياء: 25).

الإيمان أيها المسلمون هو ميدان الصراع بين الحق والباطل، فكم أوذي وفتن من أجله المؤمنون، ولم يسلم من التهديد والمطاردة في سبيله المرسلون، {الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين}(العنكبوت : 1 -2).

اعلموا يرعاكم الله أن للشريعة أصولاً إليها ترجع، ودعائم عليها تقوم، فالعبادات لا يستقيم أداؤها ولا التنسك بها إلا إذا صحت عقيدة العبد في الله الواحد الأحد، وجرد التوحيد للفرد الصمد، ومن ذلك أن يوقن العابد أن من يتقرب إليه غني كريم، قوي عظيم، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا تستقيم العبادة إلا إذا عرف العابد أن من يتقرب إليه له صفات الجلال والإنعام والكمال، له قوة البأس وشدة الانتقام، غافر الذنب وقابل التوب، فإذا عرف العباد ذلك، أشربت في قلوبهم محبة ربهم، واستشعروا كمال الذل له والخوف منه، فأسلموا وجوههم إليه، وعبدوه عبادة من يرجو رحمته، ويخاف عذابه.

إن الشعائر التي شرعت في الإسلام واعتبرت أركانا في الإيمان ليست طقوسا مبهمة ولا حركات غامضة، كلا، فالعبادات عبارة عن شعائر تسهم في صناعة جيل فريد، وهذه الحقيقة متجلية في القرآن والسنة.

فالصلاة الواجبة عندما أمر الله بها أبان الحكمة من إقامتها فقال عز وجل: {وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون}(العنكبوت :45)، فالإبعاد عن الرذائل، والتطهير من سوء القول وسوء العمل، بعد ذكر الله تعالى هو حقيقة الصلاة، وقد جاء في الحديث القدسي قوله تعالى: (إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي، ولم يستطل على خلقي، ولم يبت مصراً على معصيتي، وقطع النهار في ذكري، ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة، ورحم المصاب)،رواه البزار.

والزكاة المفروضة ليست ضريبة تؤخذ من الناس، بل هي أولا غرس لمشاعر الحنان والرأفة، وتوطيد لعلاقات التعارف والمودة، قال تعالى: {خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}(التوبة :104)، فالغاية منها تطهير النفس من النقائص والأدران، وقد وسَّع النبي صلى الله عليه وسلم معنى الصدقة التي يبذلها المسلم، فجعلها تشمل الأفعال والأقوال بقوله صلى الله عليه وسلم : >كل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وتبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وإماطتك الأذى والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة…<(رواه البخاري).

ويذْكر القرآن الكريم ثمرة الصوم العظمى فيقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(البقرة:182).

وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: >من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه<(رواه البخاري).

وإذا كان الأمر كذالك فأين الخلل؟ أمتنا ضعيفة، أمتنا كادت أن تذل، أمتنا متأخرة،    أمتنا مريضة، هذه الأمة التي أراد الله عز وجل لها أن تكون أمة العلم وأمة القوة، أصبحت تتصف بعكس ذلك، فأين الخلل؟ يأتي بعض الجواب بعد جلسة الاستراحة، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، والحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

ربي لك الحمد كما ينبغي لجلالك وعظيم سلطانك، اللهم صل وسلم وبارك على هذا النبي الأمين الذي أرسلته رحمة للعالمين وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين  وصحابته الأكرمين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا معهم يا رب العالمين آمين.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً-.

عباد الله: إن واقعنا لا يعكس هذه الحقائق، وإلا فكيف نرى أقواما إذا صاموا ضاقت صدورهم، وساءت أخلاقهم، ولأول عارض من خلاف تراهم يثورون ويغضبون ويسيئون، فإذا عوتبوا اعتذروا بأنهم صائمون! فأين الخلل؟

هل يلتزم المسلمون بالنصوص الشرعية؟ هل يلتزم المسلمون بالأحاديث والآيات؟، هل يطبقون النصوص في المعاملات؟ أم أن أحاديث رسولهم أصبحت فقط شعارات، وآيات القرآن أصبحت مجرد نظريات؟ ماذا أصاب هذه الشعوب الإسلامية؟

أيها المسلم! مالي أراك تذم السخرية وتسبح فيها، وتحرم الغيبة والنميمة وتتغذى عليها، تعيب الشتائم والسباب ولا تفرط فيها، ما لهذه الأمة يتفنن إعلامها في التفسخ والانحلال؟ مالنا نعلم أن الظلم محرم ونمارسه بكل الأشكال؟ فأين الخلل؟

أنظروا إلى أحوالنا، كم من المصائب والمحن والبلايا والآلام، كم من عيون باكية؟ وكم من قلوب شاكية ؟ كم من الضعفاءِ والمعدومين، وكم من المقهورين والمظلومين؟

هذا يشكو علةً وسقماً، وذاك حاجة وفقرا، وآخر قلقا وهماً، ذاك عزيزٌ قد ذل، وهذا غني افتقر، رجل يشكُو أولاداً وزوجة، وثالثٌ كسدت لديه التجارة، زوجة تشكو ظلم زوجها، وأم تشكو ضياع ولدها، هذا مسحور وذاك مدين، وأخر ابتليَ بالمخدرات والتدخين، والآخر أصابته وسوسةُ الشياطين.

أيها المسلمون، هناك سؤال كبير: أين الخلل؟

إلى من تكون الشكوى، وإلى من ترفع الأيدي؟ أي باب يجب أن يطرق؟ على من يجب الاعتماد؟

يا أصحابَ الحاجات، أيها المدين، أيها المكروب والمظلوم، أيها المُعسرُ والمهموم، أيها الفقيرُ والمحروم. يا من يبحث عن السعادة الزوجية، ويا من يشكو العقم ويبحث عن الذرية، يا من يريد التوفيق في الدراسة، يا من يبحث عن العمل والوظيفة، يا كل محتاج، يا من ضاقت عليه الأرضُ بما رحبت…

التجئوا جميعاً إلى الله التجئوا إلى الله الذي يقول: {وإذا سألك عبادي عني فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إذا دعان…}(البقرة : 185).

إن من أصول التوحيد أن تتعلق القلوبُ بخالقها في وقت الشدةِ والرخاء، وفي حالة الخوفِ والأمن، والمرضِ والصحة، وفي كل حالٍ وزمان.

لقد كادت أن تضيع الصلةِ بالله، وقلَّ الاعتمادِ على الله، وهو القائل: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ}(النور : 77).

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، كلمة جليلة عظيمة قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الغار مع صاحبه أبي بكر الصديق، وقد أحاط بهما الكفار، “لا تحزن إن الله معنا” قالها بقوة و عزم، قالها بصدق و جزم، لا تحزن إن الله معنا، فما دام الله معنا فلا حزن ولا خوف ولا قلق، اسكن،  اثبت اهدأ اطمئن، فالله معنا.

ونحن اليوم نقول: هل الله معنا؟ إذا كان  الله حقاً معنا، لا نغلب، لا نهزم ولا نضل، إذا كان  الله معنا لا نضيع، لا نيأس ولا نقنط، إذا كان الله معنا، من أقوى منا قلبا، ومن أهدى منا نهجا، من أجلّ منا مبدأ، من أحسن منا سيرة، من أرفع منا قدراً ؟ إذا كان  الله معنا، ما أضعف عدونا! ما أذل خصمنا، ما أحقر من حاربنا، ما أجبن من قاتلنا! إذا كان  الله معنا،لن نقصد بشراً لن نلتجئ إلى عبد، لن ندعو إنسانا، إذا كان  الله معنا، لن نخاف مخلوقاً، إذا كان  الله معنا، نحن الأكثرون، نحن الأكرمون نحن الأعلون نحن المنصورون، {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الاعلون إن كنتم مومنين}(آل عمران : 139)، فما علينا إلا أن نجتهد ليكون الله عز وجل معنا.

وبعد رمضان بعد شهر القرآن يتخرج المتخرجون ويفوز الفائزون، لكن يبقى المتخلفون الذين تخلفوا عن الركب، ما نجحوا في مدرسة الصيام، لكن نقول للمتخلفين: لا تيأسوا  من رحمة الله، إن سيدكم ومولاكم  يقول :{قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} إن ربكم  قد هيأ لكم فرصاً أخرى للسباق والفوز فاغتنموها، إنها تبتدئ من يومكم هذا ولا تنتهي إلا بفوزكم، فاستعينوا بالصبر والصلاة، واستعينوا على ترك الآثام بخوف المقام، {فأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى}، عليكم بالطاعة وبذكر الساعة، تغلبوا على الرذائل بكرهها وحب الفضائل، فإن الله جل وعلا قد حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم، وكره إليكم الفسوق والعصيان.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، وقبل الختام ونحن نستقبل الموسم الدراسي الجديد لابد من كلمة للآباء والمسؤولين وخاصة لرجال التعليم،

إن العالم المعاصر اليوم يئن من مشكلات وتعقدها حتى أصبح الشباب عنصر هدم في كثير من المجتمعات. إن مشكلة صنع الأجيال وبناء الرجال، إذا كانت تحتاج إلى كثرة الدراسات والتحليلات، وإنجاز البرامج والمقررات، فإن حاجتها إلى معلم على منهاج النبوة آكد.

أيها المعلم أيها المربي اتق الله في هذه الأمانة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: >كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته< والحديث عند الإمام البخاري رحمه الله تعالى. أيها المعلم أيها المربي، إن لك أثراً في صياغة الأمة وسيرها خيراً أو شراً، سلباً أو إيجاباً، إن لك أثراً في إنشاء جيل يفكر بعقل المسلم، ويكتب بقلم المسلم، ويدير ما يوكل إليه من أعمال لخدمة أمته، ودينه ومجتمعه، بسيرة وبصيرة وخلق المسلم، فأثرك خطير ومهمتك صعبة وأجرك عند الله عظيم. إن الأمة في حاجة إليك من أجل صناعة جيل يخدم وطنه ويحسن إلى مجتمعه.

يا رجال التربية والتعليم إنكم تتحملون مسؤولية بناء الأجيال وإعداد الرجال، وتكوين الصالحين المصلحين، فمهمتكم في المجتمع عظيمة وأجركم عند الله عظيم، نعم لا بد من تحقيق الظروف الملائمة ولا بد من إيجاد المناخ المناسب، لا بد من جهود الآباء والأمهات وجهود المسؤولين والسلطات، فكلكم راع ومسؤول عن رعيته فاتقوا الله يا رجال التربية والتعليم في أبناء الأمة الذين هم أبناؤكم وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم وغفر لي ولكم ولسائر المسلمين والحمد لله رب العالمين، ثم الختم بالدعاء.

>   د. الوزاني برداعي

———

(ü) خطبة عيد الفطر لعام 1431 ـ بمصلى المركب الرياضي ـ فاس

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *