تغيير مناهج التعليم.. واختراق الحصن الأخير..


مـــدخــل     :     التربية عملية شاملة يتم بها الانتقال بالفرد أو المجتمع من الواقع الذي هو عليه إلى المثل الأعلى الذي ينبغي أن يكون عليه وهي-وفق هذه الرؤية- مستمرة تتكامل مؤسسات تربوية اجتماعية كثيرة في تحقيقها، فالأسرة والمدرسة والمسجد ونحوها تشترك في وظائف تربوية كثيرة، وقد يتميز بعضها عن بعض في أدائها لبعض وظائفها التربوية، كما قد يستقل بعضها بأداء وظائف لا يشاركه فيها مؤسسات أخرى. وهذه المؤسسات  التربوية تتكامل أيضا مع مؤسسات اجتماعية أخرى غير معنية بالتربية كالمؤسسات الإعلامية والثقافية، وأدنى درجات التكامل الذي تتوقعه المؤسسات التربوية من المؤسسات الاجتماعية الأخرى هو عدم المناقضة أو الإعاقة، أي أن لا تعوق تلك المؤسسات الاجتماعية المؤسسات التربوية في أداء وظائفها..

والمدرسة واحدة من أكثر المؤسسات التربوية أهمية، وهي تضطلع بوظائف تربوية كثيرة منها ما هو اجتماعي ثقافي ميدان التغيير فيه هو المجتمع، ومنها ما هو تربوي نفسي ميدان التغيير فيه هو الفرد المتلقي للتربية..

والمنهج هو وسيلة المدرسة لتحقيق أهدافها ووظائفها التربوية وكثير من وظائفها الاجتماعية، ويعرّف المنهج بأنه ((مجموع الخبرات والنشاطات التي تقدمها المدرسة -تحت إشرافها- للتلاميذ بقصد احتكاكهم بها وتفاعلهم معها، ومن نتائج هذا الاحتكاك والتفاعل يحدث تعلم أو تعديل في سلوكهم، ويؤدي هذا إلى تحقيق النمو الشامل المتكامل الذي هو الهدف الأسمى للتربية)).. وهو بهذا التعريف لا يقتصر على الكتاب المدرسي وإنما يمتد ليشمل عناصر كثيرة منها الخطة الدراسية، وطُرق التدريس، والمواقف التعليمية والتربوية، والنشاطات الصفية وغير الصفية، وكثير من عناصر البيئة المدرسية..

أولا – تعليمنا بين الأمس اليوم..

كان التعليم في إطار الحضارة  العربية الإسلامية، يستمد مرجعيته من الأصول الثابتة للأمة (الوحي والنبوة: القرآن والسنة).. وقد جاء أول خطاب من الوحي الإلهي للإنسان بالأمر بالقراءة (اقرأ).. وأشاد الله تعالى بالقلم باعتباره أداة العلم والتعلم فقال: {ن، والقلم وما يسطرون}.. وبين رسول الإنسانية محمد بن عبد الله  أن الوظيفة التي من أجلها أُرسل إنما هي (التعليم)، قال رسول الله : >وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا<.. وتعلم الصحابة والسلف الصالح من هذه التعاليم السامية فكانوا ذروة في العلم والتعلم.. قال أبو الدرداء: “مذاكرة العلم ساعة خير من قيام الليل” وقال الثوري:” ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم” وقال أيضا:” ما أعلم اليوم شيئا أفضلَ من طلب العلم”..

ولقد ظهرت جامعات علمية وتعليمية في كل بقاع الأرض الإسلامية، فكان “الأزهر الشريف” في أرض كنعان (مصر)، و”جامعة الزيتونة” في تونس، و”القرويين” في المغرب.. والأندلس معقل العلم (إشبيلية وقرطبة).. وبرز مجموعة من العلماء والمفكرين والمتخصصين في كل أنواع العلوم: فكان ابن سيناء وابن الهيثم وغيرهما في الطب، و ظهر الخوارزمي وثابت بن قرة والقلصادي وابن البناء المراكشي وغيرهم في الرياضيات، وظهر أمثالهم في الكيمياء والفيزياء والصناعة والعمارة الهندسة.. كما برز الفنانون في شتى مناحي الفن، في الرسم والنحت(المميز للحضارة الإسلامية)، المسرح (كان على شكل مقامات)…

بداية الأزمة والنكبة:

كانت أولى الفواجع والنكبات التي مني به العالم الإسلامي، ونزلت بساحة الإسلام، والتي تكاتفت عليها  معاول الصليبية واليهودية، هي إسقاط الخلافة الإسلامية سنة 1924هـ، والقضاء على رمز قوة المسلمين ووحدتهم.. وتلقت الأمة ضربة موجعة على جميع الأصعدة (حرب سياسية،  حرب اقتصادية، حرب على الدين والمتمثل في ظهور الفرق الباطنية والتيارات الالحادية والعلمانية.. وحرب على الفكر والثقافة والمتمثل في مكائد الاستشراق وغيره.. كانت من جرائها أنها أصيبت بالمرض وضعف القوة…

لكن لم يقف الأعداء والمحاربون للأمة عند هذا الحد، لأنهم يعملون أنه ما دامت مقومات النهوض وأسباب الحياة قائمة -المتمثلة في المرجعية الإسلامية والتعليم المبني عليها- فإن هذه الأمة لن تموت.. فعمدوا إلى ابتكار وسائل حرب جديدة يستطيعون من خلالها تدمير الفكر الإسلامي والقضاء على أساسيات التربية والتعليم في مناهجه وطرق التعلٌّم فيه..

الحرب الحضارية وحديث النهايات..

لقد تمت هذه الخطة التخريبية على مراحل، أولا بفتح مدراس الإرساليات التبشيرية (التنصيرية) واستقطبوا فيها أبناء الطبقات المؤثرة في المجتمع.. وثانيا عملوا على شطر التعليم إلى شقين: “تعليم ديني” أو “تعليم تقلدي” (وصف “الأزهر” في هذا بالتعليم التقليدي)، وتعليم أسموه “تعليما مدنيا”، مع احتواء الأخير على بعض المناهج الشرعية التي لم يُبقوا لها أثرا في العملية التعليمية التعلُّمية حيث عملوا بعد ذلك على إضعاف هذه المناهج – في هذا التعليم المدني- بعدة طرق، منها:

* طريقة وضع المنهج.. فنجد المواد قد وضعت في المقررات على شكل “ابلوكات” Blocs معزول بعضها على بعض بشكل مقصود..فنجد مثلا مادة التربية الإسلامية معزولة من حيث المضامين والأهداف عن العلوم البيلوجية والفلك والفيزياء، حيث لا وجود للإيمان فيها ولا لمظاهر قدرة الله تعالى في كل شيء وتحلياتها.

* طريقة تدريس المنهج.. فنجدها تعتمد في التنزيل على عدم ربطها بالهوية الإسلامية للأمة..

* موقع حصص التعليم الإسلامي في اليوم الدراسي.. حيث توضع في آخر جدول الحصص غالب الأوقات..

* الحط من مدرسيه وإهمالهم..

* ثم بعد ذلك، تخفيض عدد ساعات هذه المناهج.. وتخفيض المعامل المرافق لها..

* تعديل هذه المناهج بما يتوافق مع الاتجاهات العلمانية والعولمية..

* التعليم الديني لم يسلم هو الآخر من أذاهم، فباسم التطوير أدخلوا فيه بعض المواد غير الشرعية- لا لتوسيع أفق الطالب، ولكن لمزاحمة مناهج المواد الشرعية، وبعد ذلك طالبوا -تخفيفا على الطالب- تخفيف حجم المواد الشرعية!!.. والهدف في النهاية هو إبعاد التعليم الإسلامي عن الاحتكاك بالواقع وبالتطورات الحديثة وذلك حتى لا يشكل خريجوه عناصر منافسة لخرجي المعاهد العلمانية..

كل هذا خطط له دهاقنة الاستعمار بعد الدرس والتمحيص.. كل ذلك  لا يزال يعمل عمله في المدارس والكليات والجامعات بكل قوة ولم يقم أحد بأي عمل يكبح جماح هذا الانحراف. الحق أن الوضع الآن أسوأ مما كان عليه أيام الاستعمار.. زمانئذ كانت هناك المقاومة والبحث عن التحرير وعن الحل الإسلامي تفعل فعلها في كل النفوس تقريبا. أما الآن، فقد سادت روح الاستخفاف والبلادة وانعدمت الثقة في كل القيادات المنقاذة مع التعليم الذي لا يزال يعمل على سلخ الناشئة وخاصة الشباب من إسلامهم وإبعادهم عن هويتهم الأصيلة..

وقد وجدوا ذريعة أخرى يحاربون بها الإسلام، والمتمثلة في اتهام التعليم الإسلامي بأنه يدعو ويخرج الإرهابيين !!.. وهذه حملة جديدة حبكت خيوطها حبكا لتصب في اتجاه إحكام الهيمنة الأمريكية على العالم، وفرض أنماط للحياة تخدم مصالحها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.. وبالتالي فقد أكدوا على ضرورة تطوير تعليمنا وتحسين الأداء فيه حتى يكون في مستوى مسايرة التطور الحالي على حد زعمهم وادعائهم..

وهنا لا بد من إشارتين أساسيتين: الأولى، أن التطوير المزعوم جاء استجابة لتحقيق رغبات خارجة عن إرادة الأمة الإسلامية. الثانية، تضخيم الجانب النظري في المواد الدراسية على حساب الجانب التطبيقي العملي، فضلا عن الجانب السلوكي الإيماني..

وعموما فإن التطوير المزعوم له سمات خطيرة نلخصها في النقط التالية:

1- غياب رؤية واضحة للتعليم: تتمثل في غياب فلسفة اجتماعية تبني عليها فلسفة تربوية واقعية ومتماسكة.. فالمسؤولون يظنون أن تخصيص ميزانية معنية للتعليم يكفي للنهوض به، وتنتهي مهمتهم عند هذا الحد!..إذ تشير تقارير البنك الدولي ومنظمة التربية والعلوم ((اليونسكو)) إلى أن الدول العربية تنفق على التعليم مبالغ باهضة لا تقل عن التي تنفقها الولايات المتحدة أو الدول الأمريكية تنفق على التعليم %5,5 من الناتج القومي الأمريكي، وفي الوقت الذي تصل فيه نسبة الإنفاق على التعليم في الدول العربية إلى 5,8 % من الناتج القومي(مع الفارق بين الناتج القومي لدى الجانبين)، استبعادا لفارق الناتج القومي، فان ما ينفقه المغرب  الميزانية على التعليم(%25)، كما تنفق الجزائر 30 % من ميزانيتها على التعليم، وتنفق مصر على 1000 طالب أكثر مما تنفقه الولايات المتحدة على نفس العدد، أما السعودية والكويت وباقي دول الخليج فتعد من أكبر دول العالم إنفاقا على التعليم..

لقد آل تعليمنا إلى وضعية مأساوية، حيث أصبح بدون رؤية تحكمه ولا تصور يضبطه.. يقول الشهيد إسماعيل الفاروقي رحمه الله في كتاب الفريد (أسلمة المعرفة): ((إن المباني والمكاتب والمكتبات والمختبرات وفصول الدراسة والقاعات الكبيرة التي تعج بالطلاب ليست سوى أدوات مادية لا قيمة لها بدون رؤية واضحة..))

إن المسلمين في خلال القرنين الأخيرين من التربية العلمانية لم ينتجوا شيئا يوازي في الإبداع أو الامتياز ما في الغرب- مدرسة أو كلية أو جامعة، أو جيلا من العلماء المتميزين -والنتيجة الحتمية لغياب هذه الرؤية هي هذه المشكلة المستعصية على الحل- مشكلة انخفاض المستوى في مؤسسـات العالـم الإسلامـي.

إن البحث الأصيل عن المعرفة لا وجود له دون روح تبعث فيه الحياة، وهذه الروح لا يمكن اقتباسها، وذلك لأنها تتولد من الرؤية الواضحة للنفس وللعالم وللحقيقة، أي من الدين، وهذا ما يفتقده  نظام التعليم في العالم الإسلامي اليوم.. ذلك أن المواد والمناهج التي تدرس في البلاد العربية والإسلامية حاليا إنما هي نسخ مما عند الغربيين لكن مع افتقارها للرؤية التي تمدها بالحياة في بيئتها الأصيلة. وهي بهذه الصورة تصبح من عوامل الضعف. هذه المواد والمناهج التي لا روح فيها تظل -من حيث إنها تقف كبدائل للمواد والمناهج الإسلامية وكعوامل للتقدم والتحديث- إنها تجعل من الخريج في جامعات العالم الإسلامي نموذجا للشاب المغرور الذي يظن بنفسه العلم مع أنه في الحقيقة لا يعرف إلا قليلا.

إن مأساة  التعليم الكبرى في بلاد العرب والمسلمين تتمثل يقينا في أن الأساتذة في ثانويات وجامعات العالم الإسلامي لا توجههم الرؤية الإسلامية ولا تحفزهم قضية الإسلام..إن الطلاب في كل العالم الإسلامي يدخلون الجامعات وكل ما تسلحوا به -فيما يتصل بالرؤية الإسلامية والتصور الإسلامي- معلومات ضئيلة عن الإسلام تلقوها في بيوتهم أو في المدرسة الابتدائية أو الثانوية. وواضح أن هذا لا يُكَوِّن لديهم ((رؤية)) ولا يوجِد ((قضية))..

وهكذا تصبح إمكانية تفوق الطالب المسلم في علوم الغرب أمرا بعيدا المنال، ذلك لأن مثل هذا التفوق يتطلب من الدارس تصورا شاملا لمجموع المعارف في مجال الدراسة، كما يتطلب منه أن يكون مدفوعا بفكرة تحركه ليستوعب هذه المعارف ثم يتجاوزها ويزيد عليها.. هذا الاستيعاب الشامل والتفوق ثمرة للدافع والفكرة المحركة، والأخيران لا يتولدان إلا من الالتزام بقضية. أما دون قضية فلا يمكن أن ينهض الدارس ليستوعب مجموع المعارف في مجال دراسته. وإذا لم يستوعبها فكيف يمكنه أن يتجاوزها ويتفوق عنها؟!..

فليس للمسلم من قضية يلتزم بها سوى الإسلام.. وإذا لم توجد هذه القضية فمحال أن يصل المُدَرَّسون إلى استيعاب شامل للمعرفة !!..

2- الأسلوب المتبع في ملء الفراغ التربوي بالاستعارة من الغرب.. وفي هذا الجانب تجدنا نأخذ الفكرة ونقيضها، دون أن يكون لخصوصيتنا دور كبير، بل لا نقف منها موقفا نقديا على الأقل، ولا نقرأ الشروط الاجتماعية التي احتضنت ولادتها.. المهم أننا نستورد نُظما اجتماعية منزوعة من سياقها الاجتماعي والحضاري ونريد استنباتها في محيط لا تمت له بصلة..

3- الخلط بين الغايات والمقاصد والإجراءات: والوقوف عند حدود العموميات والمبادئ العامة التي لا خلاف عليها، وليطلع من يرتاب فيما نزعمه على وثائق سياستنا التربوية، ونتائج مؤتمراتنا وندواتنا حول تطوير نظم تعليمنا وتأهيل معلمينا..

   ذ محمد بوهو

Al_qalsadi2006@hotmail.com

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *