{الـرحـمـن علـم الـقـرآن}


لقد أدرك المسلمون طيلة تاريخهم القيمة الكبيرة للعلم والمنزلة العظيمة التي يحظى بها العلماء عند الله. أتاهم ذلك مما تلقوه عن الله سبحانه وما أخذوه عن رسوله الكريم  فقد حفظوا من وحي الله لهم في قرآنه قوله سبحانه : {يرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات}(المجادلة : 11) والمعنى أنه “يرفع الله الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم درجات”(القرطبي 17/299) وقــوله سبحانه :{قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}(الزمر : 10).

ورووا فيما رووا عن الرسول الكريم : “فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب”(القرطبي 17/300)

وقوله يرغبهم في طلب العلم >طلب العلم فريضة على كل مسلم<(رواه ابن ماجة). ويفهم منه : وعلى كل مسلمة. لأن القاعدة أن النساء شقائق الرجال في الأحكام (إلا ما استثني).

فأقبل المسلمون على العلم والتعلم وتواصوا بالعناية به ونشره فهو من جملة التواصي بالحق. وشيدوا المدارس والمعاهد والزوايا وسارعوا بأريحية لا نظير لها إلى المشاركة في الإنفاق عليها بما أوقفوا من عقارات متنوعة يصرف ريعها على شؤون التعليم (معاهد ومعلمين وطلبة ومكتبات).

ونحمد الله سبحانه على ما نراه ونسمعه من أن بلاد الإسلام في عمومها تعرف نهضة تعليمية واسعة تؤسس لها المدارس والمعاهد والجامعات وأن الجهود حثيثة لمحو الأمية وللقضاء على الجهل.

والجميع يريد لهذه النهضة المباركة أن تؤتي ثمارها اليانعة في الحياة العامة للمسلمين وأن ترفع منزلتهم عند الله أولا وبين الأمم وأن يستعيدوا ما ضاع من شخصيتهم وما فرطوا فيه من مجدهم وقوتهم وعزهم ووحدتهم وأن يتنبهوا إلى ما يحاك ويكاد لهم في الظاهر والخفاء من أساليب المكر والسياسات المخادعة للحيلولة دون فتح المجال لهم للرقي الحقيقي الذي يرتفع به شأن الأمة لتكون لها الكلمة الأولى فيما يخص قيمها ومبادئها ومستقبلها وشؤونها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والترابية.

ولكي تؤتي هذه الحركة التعليمية ما يؤمل منها من نتائج على مستوى الأمة الإسلامية ينبغي أن يستقي التعليم أصوله المنهجية  في التربية والتكوين من نصوص الوحي أولا ومما ثبت صلاحه ونفعه من التراث الفكري والأدبي الذي أنتجته حضارة الإسلام.

فمما يمكن الاستفادة منه في مجال التعليم والعناية بالمتعلم في مختلف أطوار تعلمه، الرحمة به رحمة واسعة سواء نُظِر إلى الفوائد التي ينتفع بها وينفع بها غيره مما يطلب منه تعلمه أو نُظِرَ إلى المنهج المختار الذي يتم به تعليمه أو إلى أسلوب تعليمه والخطاب معه.

وأول أمر يلفت الانتباه في هذا المجال نأخذه من كتاب الله سبحانه حيث يظهر للمتأمل فيه أن الله الخالق هو خالق للإنسان ومعلم له {خلق الانسان من علق} و{علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم}.

علمه علما عندما خلقه في العالم الغيبي {وعلم آدم الاسماء كلها}(البقرة : 30) وأن هذا العلم لم يكن عند أي مخلوق آخر. به أكرمه وشرفه ليحظى بمكانة ممتازة بين المخلوقات المهمة آنذاك : الملائكة والجن، فاعترف الملائكة وأنكر إبليس ففسق عن أمر ربه.

فهو سبحانه الخالق المعلم بربوبيته، والإنسان المخلوق هو المتلقي لعلم الله.

ويظهر من خلال القرآن أن تعليم الله للإنسان قد استمر طيلة التاريخ البشري عن طريق ما أنزله على الأنبياء والرسل في مختلف البقاع من الأرض وهم كثر {منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك}(غافر : 77).

ومن أوضح النماذج عن تعليم الرسل ما أخبر به سبحانه عن تعليمه لداود عليه السلام {وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد}(سبأ : 10-11) وقوله  {وعلمناه صنعة لبوس لكم ليحصنكم من بأسكم}(الأنبياء : 79).

كما علم الله الإنسان عن طريق ما يلحظه مما يحيط به مما يدخل في العلم الميداني كمثل ما ورد من خبر أول قتل إجرامي وقع من إنسان لأخيه الإنسان {فطوّعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين. فبعث الله غُرابا يبحث في الارض ليُريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتى أعجزتُ أن اكون مثل هذا الغُراب فأواري سوْءة أخي فأصبح من النّادمين}(المائدة : 32- 33).

واقتضت حكمة الله سبحانه أن يختم كتبه بكتاب جامع مهيمن على كل ما سبق من الكتب يبلغه للناس رسول كريم جُمعت فيه فضائل كل الرسل السابقين.

فكان كتاب الله المعلم على أفضل صورة وأكمل منهج وكان محمد  بصفاته الحميدة بصفاء فطرته ونقاء غريزته وبذكائه وفطنته وبيانه… وباصطفاء الله له أحسن متلق. هو القارئ الأول لوحيه الذي يفهم مراد الله منه فيطبقه حق التطبيق “كان خلقه القرآن” ويبينه للناس البيان الشافي {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم}(النحل : 44).

إن الله سبحانه المنزل لوحيه القرآن يعلم به رسوله ومن ورائه كل إنسان، يختار ليخبرنا بذلك اسما من أسمائه الحسنى لا يشاركه فيه أحد {الرحمن علم القرآن}(سورة الرحمن) أنزله برحمته الواسعة الشاملة المنتشرة طولا وعرضا التي تعم جميع المخلوقات. تفضل سبحانه بواسع هذه الرحمة بإنزال هذا القرآن ليتعلم منه الإنسان العلم الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، العلم الذي يحقق للإنسان كرامته ويرفع مكانته ومنزلته عند الله سبحانه وينفعه في دنياه وفي أخراه. فبرحمته بالإنسان (علم القرآن) لا بشيء آخر لأنه غني عن الخلق غنى مطلقا.

{ما أريد منهم  من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين}(الذاريات : 57- 58).

ولكي يكون  الإنسان المتلقي قابلا للعلم وقادرا عليه يحتاج إلى وسيلة هامة موكول أمرها إلى الخالق وهي : البيان. ولعل المراد بالبيان القوة الذاتية التي تجعل الإنسان يدرك ويفهم ما يلقى إليه ثم يعيده بأسلوب بين واضح جامع للمراد والمبتغى.

وتنتشر رحمة الله تعالى في القرآن وفي  مخاطبته لرسله فهذا إبراهيم عليه السلام يطلب من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى {وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى}(البقرة : 259) فإبراهيم يسأل ربه أمرا يخص الله الخالق وهو سر من أسرار الخلق يتعلق بالحياة والموت ومع ذلك نلحظ أن إبراهيم عندما عبر عن رغبته في أن يتجاوز حد الإيمان ليصل إلى درجة عالية من الاطمئنان واليقين استجاب الله لطلبه من غير أن يلومه أو يعاتبه. وهذا موسى عليه السلام تجرأ على الله سبحانه عندما طلب منه أن يراه ببصره {قال رب أرني أنظر اليك}(الأعراف : 143).

فأبان الله له أن أي إنسان بما هو عليه في خلقه وقدرته في الدنيا لا يمكن أن يرى الله ببصره. فإذا كان الجبل بضخامته وصلابته لا يقوى أن يتجلى الله عليه فكيف بالإنسان.

لقد أدرك موسى عليه السلام خطأ طلبه وما أصيب به من صعق إنما أتى من اهتزاز الجبل عند دكه وسارع موسى عليه السلام إلى إعلان توبته. وموسى أيضا عندما صرح لأتباعه بأنه أعلم من على وجه الأرض أخبره الله بأن هناك من هو أعلم منه وأرشده إلى  الاتصال به بعد أن  يقوم برحلة إلى مكان معين فانتهى  به المطاف إليه {فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة  من عندنا وعلمناه  من لدنا علما}(الكهف : 64) فهذا العبد الصالح (ويسمى الخضر في بعض الروايات) لم يصل إلى درجة عالية وخاصة من العلم إلا برحمة من الله سبحانه.

وهذا ذو القرنين الذي  يثني الله سبحانه على ما أخبر به عنه عندما بلغ بين السدين ووجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا. وجد قوما مظلومين خائفين باستمرار رجوه أن يقيم حاجزا منيعا بينهم وبين ياجوج وما جوج فأقام لهم جدارا منيعا، عندما انتهى من بنائه وقف فيهم خطيبا في يوم (تدشين الجدار المنيع). كان أهم ما قاله : {هذا رحمة من ربي}(الكهف : 94) فرحمة الله التي سرت بضيائها في قلب وجسم الإسكندر  هي التي جعلته يرحم هؤلاء المظلومين الخائفين على أولادهم وأموالهم وحياتهم فساعدهم ببناء الجدار المنيع فهو رحمة تعود في  بعثها إلى الرب الخالق ولكن الجدار لا يضمن له الدوام على الإطلاق فمتى شاء الله أن ينهدم ويتصدع  فلا بد وأن ينهار.

وشبيه بهذا في استشعار اسم الرحمن في القلب والذات معا ما وصف الله به عباد الرحمن {وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما}(الفرقان : 63) أما عن الرسول الكريم  المتلقي فالله سبحانه الذي برحمته أنزل عليه القرآن وقد جعل رسوله الحامل لهذه الرحمة رحمة للعالمين {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}(الأنبياء : 106) وجعله رحيما بصحابته وبالمومنين. قال سبحانه {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك}(آل عمران :159) وقال أيضا :{لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمومنين رؤوف رحيم}(التوبة : 129).

وكل مسلم من الصحابة ومن أتى بعدهم طيلة تاريخ المسلمين إلى الآن ممن يقبل على القرآن الكريم وعلى سنة الرسول الأمين قراءة وفهما وتدبرا وعملا يستشعر رحمة الله وأثرها في الرسول فهو قارئ متلق بتلقى الرسول  المتلقى عن الله سبحانه. خصوصا والمسلمون مطالبون بأن يفتتحوا أفعالهم وأقوالهم ب”بسم الله الرحمن الرحيم” المتضمنة للرحمة المضاعفة للرحمة العامة والرحمة الخاصة. والمسلم عندما يقولها يأخذ نصيبا من الرحمة العامة التي يمنحها الله لجميع ما خلق {ورحمتي وسعت كل شيء}(الأعراف : 156).

ونصيبا من الرحمة الخاصة التي يمنحها الله لعباده المومنين {وكان بالمومنين رحيما}(الأحزاب : 43).

إن التعليم الذي يراعي الرحمة بالمتعلم فيما يقدم له من مقررات تستجيب لقيمه الدينية ولثقافة أمته الإسلامية وطموحاته الوطنية يقوده في ذلك معلم رحيم كفء في علمه مخلص في عمله أمين على تحقيق الأهداف النبيلة لمهنة التعليم، لهو تعليم يبني شخصية المتعلم بناء صحيحا في روحه وعقله وفي جميع مقوماته الذاتية والمجتمعية.

    د. عبد العلي حجيج

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *