الرحمة باب الله الأول : من طرقه فتح له ومن لم يطرقه تُحُسِّر عليه (2/2)


نجوم محبته سبحانه في سماء رحمته

أ-الرضى عند الابتلاء

ولا يمكن أن تعرف محبة الله إلا بتجربة، ومن رحمة الله عز وجل أن يدخلك أيها العبد في تجربة تجد فيها المشقة، ثم تجد فيها الرحمة، وتحس بجمال ذلك كله، كم درس لنا حب الوطن في المدارس، لكني لم أعرف حقيقته ما هو؟ حتى سافرت مرة خارج البلاد، فأصابني الغم والقنوط، وضاقت علي الأرض بما رحبت، فعرفت عند الرجوع حب الوطن ما هو؟ فعلا… بعض الأحيان المناهج سيئة في التبليغ، كارثة، بعض الأحيان تكون طرق التدريس كالأسلاك الصدئة، لا توصل الكهرباء الشعورية الوجودية للناس، هذا مجرد مثال لما يقع لنا جميعاً من هذه المعاني الجليلة في محبة الأشياء. كذلك يقع في داخل الأسرة في محبة الإخوان والأخوات والآباء والأبناء والزوجات، في خضم التجربة القاسية تعرف القيمة القلبية الوجدانية إزاء أخيك، أوأمك أوأبيك، أوصاحبتك أوبنيك، حينما تكاد تفقد أحداً أوتفقده فعلاً، تجد كم أنت تحبه. وجب عليك أيها المؤمن أن تسير إلى ربك، لتجد محبته، ينبغي أن تتحرك في طريق الله عز وجل لتحمل رسالته، فإن كنت بعيدا لاتحمل شيئا لن تجد شيئا، لن تحس بتلك المحبة الحقيقية لله، وإذا لم تكن تشعر بها فإنها مشكلة وأي مشكلة؟، لأن الله يقول: {والذين آمنوا أشد حبا لله}(البقرة 164) أشد حباً لله؛ {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}(آل عمران 31)، {رضي الله عنهم ورضوا عنه}(البينة 8)، الرضى:ما هو..؟ محبة:

وعين الرضى عن كل عيبٍ كليلةٌ

ولكن عين السخط تبدي المساويا

عين الرضى عين المحبة، فإذا رضيت الشىء ورضيت عنه فلا يكون ذلك إلا عن محبة، ولذلك من أبلغ التعبيرات عن محبة الله، أن تقول: “رضيت بالله رباً وبالإسلام دينا وبمحمد نبياً ورسولا”، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مرة غضب من بعض الصحابة، وقد ذكرنا من قبل قصة غضبه صلى الله عليه وسلم، حين كثرت عليه أسئلة الشطط، نحوسؤال الأعرابي الذي تاهت عنه ناقته فقال: >يامحمد أين ناقتى؟ فغضب النبى صلى الله عليه وسلم من هذا الأسلوب من السؤال الذى يثير السخرية والاستهزاء، فجعل يقول سلونى سلونى سلونى، فسأل سائل رسول الله، وقال يارسول الله أين مقامى؟ أي أين أكون يوم القيامة؟ قال له فى النار -نعوذ بالله- إلى آخر القصة،فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأحس بالخوف وهول  الموقف وبرك على ركبتيه، وقال يارسول الله >رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ نبياً ورسولاً<(1)، الرضى، رضى القلب محبة،حين  سمع النبي صلى الله عليه وسلم هذه الكلمات من سيدنا عمر… سكت عنه الغضب، كما سكت عن موسى، لأنها عبارة المحبة،وحين يشتد غضب المرء، ثم يهدأ بتعابير المحبة، معنى ذلك أن عنصر الخير لازال فيه، الله عز وجل خاطبنا نحن عباده بالمحبة {وإذا سألك عبادي عنّي فإني قريب}(البقرة 185). هل ثمة رحمة كهذه الرحمة؟ سبحان الله العظيم {أجيب دعوة الداعي إذا دعان}(البقرة :185).

ب-الصدق والذلة لله عند الدعاء

“إذا : أداة شرط، هو يطلب “إذا دعاني”، سلوا الله عز وجل أكثروا من الدعاء، لا تفتروا عن دعاء الله وطلبه فإن الدعاء سببٌ من أسباب المحبة، لأنه حين تسأله، تطلبه، يعطيك… إلاَّ إذا كان الطلب طلب استهزاء أوسخرية أوشك في الله والعياذ بالله، أما طلب التائب وطلب الخاشع وطلب الباكى المذنب حال رجوعه إلى الله فهوطلبٌ لا يرد،{أجيب دعوة الداعي إذا دعان}(البقرة 185)، قال المفسرون ولوكان الداعى كافراً، إن سأل الله بصدق يعطيه، {أمن يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، ويجعلكم خلفاء الأرض}(النمل 64)، سبحانه وتعالى. ومراراً وتكراراً وقعت فى التاريخ القديم وفى التاريخ المعاصر الحديث أن الكفار طلبوا الله فأعطاهم في الشدة، الإنسان يخلص الدعاء إلى الله حين يكون في المآزق، لا يدعو حينها وثنا ولا حجرا ولا نصبا ولا أي شيء من أنواع الشركيات والبدعيات، حتى النصارى حينما يكونون في حال الضرورة يسألون  الله الواحد سبحانه، وينسون آنئذ الوسائط، التي جعلوها شركاء لله، والذي يسأل الله عز وجل بصدق يعطيه، وكثير من قصص الذين أسلموا من النصارى خاصة يحكون مثل هذا بشكل عجيب، في تجاربهم الوجدانية الروحية، فكيف بنا نحن -المسلمين- الذين نعرف ما نعرف من قرآننا ومن ديننا، ننسى أننا نعبد الرحمن الرحيم، عجيب، صباح مساء نقرأ “الرحمن الرحيم”، كنوز الدنيا والآخرة مفتوحة بين يديك، كنوز الدنيا والآخرة كلها، احذر أن يغلبك الشيطان على قلبك، فيدب إليك الشك في رحمة الله. إبليس لعنه الله يتدرج مع ابن آدم، يقول أنا دعوت البارحة…ولم ألق استجابة، هذه مصيبة، حذار، الله عز وجل قال لك: {أجيب دعوة الداعي إذا دعان}(البقرة 185)، الله سبحانه وتعالى لا يكذب عباده، بل يصدقهم، فإذا قال ذلك كذلك، فهوكذلك، كل دعاءٍ ترفعه، لا ينزل أبداً ما دمت صادقاً. شرط واحد: كن صادقا في طلبك مع الله، لأن الطلب ما معناه؟ الطلب أنك محتاج، في الحديث الصحيح: >الدعاء هوالعبادة<(2) ويروى “الدعاء مخ العبادة” لكن الصيغة الصحيحة “الدعاء هوالعبادة”، وهي أبلغ من صيغة مخ العبادة، لمه؟ لأنه حينما يقول النبي صلى الله عليه وسلم وهذه العبارة الأصح: “الدعاء هوالعبادة” يعنى أن العبادة كلها هي الدعاء… العبادة: “أل” تفيد استغراق جنس فعل العبادة، كل العبادات، تلخص في الدعاء، لمه؟ لأن… العبادة هي إعلان الخضوع وفعله، تعلن الخضوع لله بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتشرع في العمل بالخضوع لله: وهوالصلوات والزكوات والصيام والحج والعمرات وسائر أعمال البر وترك المنكرات، كل ذلك خضوع وعبودية لله، عَبَدَ يَعْبُدُ: أي: ذَلَّ يَذِلُّ وانقاد ينقاد، قد يكون الثور أوالبقرة عظيمة الهيأة؛ لكن يأتي طفل صغير يرعاها ويقودها ويسقيها، فتصير بين يديه بقرة ذلولا، ولذلك بقرة بنى إسرائيل قال عنها: {لا ذلول تثير الارض ولا تسقي الحرث}(البقرة 70) أي تنطح وتركل وتثير الأرض، لاخير فيها فاذبحوها… قالوا: {الآن جئت بالحق}(البقرة :70). المؤمن فيه الخير، ذلول ولكن لله الواحد القهار وحده لا شريك له، فإذا كان معنى العبادة هوالذلة لله والخضوع لله فأبلغ ما يمثلها الدعاء، ما هوالدعاء؟ بالدارجة(المغربية): هو السعاية أي : سؤال الناس، هل ثمة قلب ذليل مثل قلب سائل الناس، لايحفظ لنفسه حرمة، ولذلك النبى صلى الله عليه وسلم حرم “السعاية” أي سؤال الناس إلاَّ للمضطر حقا، لمه؟ لأن الذي يسأل الناس كمن يعبدهم…سؤال الناس..عبادة، اسأل الله يعطك كما أعطاهم، من أسوإ صفات الإنسان أن يسأل الناس، يعبدهم، هذا هوالدعاء…”الدعاء هوالعبادة”، المؤمن يسأل الله، يدعوالله {أجيب دعوة الداعي إذا دعان}(البقرة :185) والسؤال لايكون إلا عن حاجة، والذي يدعو دعاء حقيقيا محتاج، وهذه الحاجة التي تكون لدى الإنسان، والتي بها يدعو ربه، هي الإحساس الذي لا يجوز أن ننساه فى طلبنا للرحمة، لأن الرحمة واسعة، كل شيء أنت في حاجة إليه يطرق من باب الرحمة، دق الباب، تجده.

مـواجـيـد  الـرحـمـة  عند  الابــتـلاء مـسـوقـة  لـلاسـتـشـفـاء

وباب الرحمة واسع واسع واسع لا حد له، رحمة ربى لا تنقضي، {ماعندكم ينفد} ينقضي {وما عند الله باق}(النحل 96)، لا ينقضي. ورحمة ربى سبحانه وتعالى واسعة لاتنتهي، ولذلك كل شيءٍ أنت في حاجةٍ إليه، أيها العبد، من الأول إلى الآخر، من أمور الدنيا ومن أمور الآخرة، تجده فى باب الرحمة، دق الباب، باب الرحمة، تجده،  لن ترجع إلا بوافر  من رحمة الله سبحانه وتعالى هذا الإحساس أيها المؤمنون لاينبغي أن يفارقنا ولو لحظة واحدة، وحين تعيش به تعرف حقيقة ثمن الإيمان الذي لايقدر، وثمن القرآن الذي لايقدر، وأن لا شيء يعدل إيمانك بالله ومحبتك لله وسيرك على هدىٍ إلى الله عز وجل.

الرحمة إذن فى خاتمة الكلام هى كل ما نشاهد فى حياتنا نحن المسلمين من الخير ومن الشر… الذى هوظاهرٌ، أما باطنه فهوالرحمة. المصائب التى تقع للأفراد وللجماعات وللمؤسسات، المشاكل كلها هى لطمات كما ذكرنا من الرحمة الربانية توقظ الإنسان، توجع الإنسان، ولكن لتداويه وتشافيه وتقربه، ولذلك أي شىء في حياتك أيها العبد وجب أن تتقبله بالرضى، بالمحبة، يعنى… ما أصابنا من الله فهوخير، لم؟ لأنك على يقين أن ربك لا يؤذيك هو”الرحمن الرحيم”، ما خلقك إلا للرحمة وبالرحمة، وما دمت تؤمن بالله فاعلم أن الله عز وجل لن يأخذك إلا بالرحمة… أي لا يتعامل معك إلا بالرحمة، فى كل أمورك، ولكن ينبغي عليك أن تفهم خطاب الله عز وجل، وتستجيب له، حتى يجد الدواء محله، ربنا سبحانه يعطينا أدوية من عنده تعالى، أدوية نتذوقها فنجدها حُلْوَةً حينا، مُرَّةً أحيانا أخرى، ولكن أين تكمن المشكلة؟ حينما لانبصر ببصيرتنا أنها دواء فنبزقها، ولكن الحكيم منا يتذوق بعين البصيرة أنها دواء،وسبحان الله، بالتجربة تنقلب المرارة حال التداوي إلى حلاوة، وعدد من الناس يستحلون المرارة إن عرفوا أنها تنزل على جوفهم بالشفاء والعافية والدواء، فتتحول آنئذ الأذواق، المعاني لاتبقى في حدود اللسان، بل تُجَاوِزُها إلى حدود الجنان، الذي هوالقلب،فكذلك التعامل مع حياتنا، التي ذقناها حلوة في الظاهر، هي أيضا حلوة في الباطن -إن شاء الله-والتي ذقناها مرة فى الظاهر، اصرف نظرك عن الظاهر، وتذوقها بالباطن، بالقلب، تجد حلاوتها التى لم تبد لك، {وعسى أن تكرهوا شيئا وهوخير لكم}(البقرة 214)، “كل المؤمن أمره له خير إن أصابته سراء” هى الحلاوة “شكر” يقول الحمد لله على هذه الحلاوة، >فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له<(3)، والصبر حلاوته غريبة، وهونعمة لايعطيها ربنا إلا لصاحب البلاء، ويحرم منها غيره، فالذي لم يبتل محروم من نعمة الصبر، ولذلك الصبر يتذوقه الأولون من الأنبياء، {فاصبر كما صبر أولوالعزم من الرسل}(الأحقاف 35) لوكان الصبر مرا فعلاً كما يقول الناس، لم يعطه ربنا سبحانه للأنبياء، لكنه أعطاهم الصبر لأنه  حلاوة حقا، ويجدون ذلك فى قلوبهم، لأنهم يشاهدون كؤوسه عسلاً من عسل الجنة، {فاصبر كما صبر أولوالعزم من الرسل}(الأحقاف 35) كل ذلك يفسر لنا… {الحمد لله رب العالمين * الرحمان الرحيم}، كل ما قرأتها أعدها وذق، ستجد الرحمة إن شاء الله، وتجد بعد ذلك أن قلبك خفق هذه المرة، وبدأ يضرب بمحبة الله.

فاللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا لك من الشاكرين، اللهم ارزقنا حبك وحب رسولك وحب من يحبك من الصالحين، واجعلنا لك من الشاكرين، واجعلنا من التوابين، واجعلنا من المتطهرين، واغفر لنا أجمعين. اللهم ياأرحم الراحمين يارب العالمين، ياربنا اللهم أوزعنا أن نشكر نعمتك التى أنعمت علينا وعلى والدينا، وأن نعمل صالحاً ترضاه، واجعلنا ياربنا مهديين تائبين مستغفرين صوامين ذاكرين قوامين لك وحدك لا شريك لك، واسلك بنواصينا وبقلوبنا إلى عبادتك بهداك ياأرحم الراحمين، يارب العالمين، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

> د. فريد الأنصاري -رحمه الله تعالى

————-

1  – متفق عليه، البخاري : 7294؛ مسلم : 2359. ونصه: “أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر، فلما سلم قام على المنبر، فذكر الساعة، وذكر أن بين يديها أمورا عظاما، ثم قال : (من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا). قال أنس : فأكثر الناس البكاء، وأكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول : (سلوني). فقال أنس : فقام إليه رجل فقال : أين مدخلي يا رسول الله؟ قال : (النار). فقام عبد الله بن حذافة فقال : من أبي يا رسول الله؟ قال : (أبوك حذافة(. قال : ثم أكثر أن يقول : (سلوني، سلوني ). فبرك عمر على ركبتيه فقال : رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا. قال : فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال عمر ذلك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : >أولى، والذي نفسي بيده، لقد عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط، وأنا أصلي، فلم أر كاليوم في الخير والشر<. والحديث فيه روايات عدة، منها ماذُكِرَ فيه غضب النبي  صلى الله عليه وسلم، ومنها ما لم يُذكر.

2  – صححه الشيخ الألباني، وانظر صحيح الجامع رقم : 3407.

3  – رواه مسلم من حديث صهيب بن سنان الرومي رضي الله عنه، حديث رقم : 2999، ونصه : >عجبا لأمر المؤمن. إن أمره كله خير. وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر. فكان خيرا له. وإن أصابته ضراء صبر. فكان خيرا له<.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *