(الجهاد : مواجهة للذات.. والعالم)


يحدثنا الإسلام، من خلال كتاب الله وسنة رسوله ، عن أن صراع المسلم في العالم (فردا وجماعة) يتخذ اتجاهين، أحدهما باطني ذاتي عمودي سماه الرسول (الجهاد الأكبر)، لما يتطلبه من مصاعب ويستلزمه من قدرة على المقاومة والمراقبة والحذر والتجرد، وهو يهدف إلى مواجهة الإنسان لذاته وتغييرها تغييراً حركيا مستمرا من أجل أن يسقط عنها كل النزعات والشهوات والممارسات السلبية التي من شأنها ان تصدها عن التوحّد الكامل والاندماج الشامل في مسيرة الفكرة التي تتطلب -عبر ديمومتها الحركية- من المنتمين إليها، شروطا نفسية وأخلاقية وذهنية لابد من توفرها إذا ما أريد للحركة إن تصل إلى أهدافها بأشد الأساليب نقاء وتركيزا وتوحدا {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه، إن الله لغني عن العالمين}.

والمسلم يجد نفسه -إذن- إزاء تجربة صراع ذاتي دائم لمجابهة قوى الشر والسلب في نفسه والتفوق عليها، للاقتراب أكثر من جوهر الدعوة التي ينتمي إليها، والاندماج فيه بعد اطراح كل العوائق التي تنبثق في أعماق تكوينه الذاتي، بما تطرحه قوى البيئة والوراثة من مؤثرات. وبدون هذا الصراع الإرادي الباطني من أجل تغيير الذات، فإنه لا ينتظر أبدا حدوث أي تغيير أساسي على مستوى الصراع الخارجي في العالم. إن قاعدة الحركة نحو الأحسن والأكمل عقائديا في صراعنا الخارجي مع القوى البشرية المضادة هو أن نسعى لإحداث هذا التغيير باطنيا {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.. وفي آية أخرى نلتقي بالصيغة المعاكسة {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة انعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.. والقاعدة القرآنية في كلتا الحالتين هي أن أي تغير نوعي في الخارج لا يتحقق إلا بعد حدوث التغير الباطني في الذات الإنسانية سلباً وإيجاباً..

أما صراع الجماعة الإسلامية على مستوى العالم، فيصطلح عليه القرآن والسنة باسم (الجهاد)، وهو يتضمن كل أشكال الصراع الخارجي على الإطلاق : مذهبيا، سياسيا، عسكريا، أخلاقيا، اقتصاديا وحضاريا. وهو ـ بهذا ـ يمثل مساحة للحركة أوسع بكثير من تلك التي تحتلها صراعات التفاسير المذهبية، لاسيما المثالية والمادية، كما أنه يتضمن ديمومة زمنية يعبر عنها حديث الرسول  : >الجهاد ماض إلى يوم القيامة< في الوقت الذي ترى فيه بعض مذاهب التفسير الوضعية أنه سيجيء اليوم الذي يكف فيه الصراع على مستوى العالم. وهو أمر يتناقض مع طبيعة معطياتهم الحركية من جهة، ومع صميم العلاقات البشرية من جهة أخرى..

إن القرآن الكريم يبين لنا كيف أن هذا الجهاد هو صراع دائم بين معسكرين كبيرين كل منهما ينتمي إلى فكرة ويلتزم موقفا ويعمل في سبيل {..الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت} ويسم هؤلاء بأنهم يعملون تحت لواء الشيطان، عدوّ بني آدم ومصدر الصراع الرئيسي في العالم، إلا أن كيده يبدو ضعيفا غير قادر على الصمود إزاء أية جماعة مؤمنة تؤثر الجهاد على الاستسلام، والحركة على القعود، لأنها تنتمي إلى الله الذي يملك كل شيء ويقدر على كل شيء، والذي (يدافع عن الذين آمنوا)، بينما ينتمي أولياء الشيطان إلى قوة هي في الأساس جزء ضئيل محسور من خلق الله {فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا}.. ومن ثم يجيء النصر النهائي دوما لصالح المؤمنين المجاهدين الذين يتحركون أبدا بأمر من الله {حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله}، لمصارعة القوى المضادة والتغلب عليها : {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون}.. {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ان الله قوي عزيز}.. {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون}.. {..ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا، كذلك حقا علينا ننج المؤمنين}..

وسواء تم هذا النصر لمعسكر الإيمان في مراحل تاريخية محددة، كما حدث فعلا لعديد من الأديان السماوية الكبرى، أم أنه سيتم -ثانية- لحساب الإسلام كحصيلة نهائية للموقف الديني في يوم قريب أم بعيد.. فإن جهاد المؤمنين ماض في بقاع العالم بكل وسيلة شريفة وإلى يوم القيامة، وهو الذي حركهم ويحركهم -دوما- لتحقيق كلمة الله : {والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون}..

ان الجهاد يضع الأمة الإسلامية أمام مسؤوليتها الحركية الكبرى في العالم، ويمنحها فاعلية دائمة إزاء التجارب والمواقف البشرية تتجاوز حدود الزمان والمكان، ويرفعها إلى

موقع (الشهادة) على الناس، ذلك الموقع (الوسط) المميز المتفرد الذي لن ترتفع إليه إلا عندما تمارس جهادها الدائم على كل الجبهات، أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، وقتالا بالكلمة وكفاحا مسلّحا.. {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}..

       أ. د. عماد الدين خليل

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *