افتتاحية – القراءة ا لربانية السبيل الأقوم للإصلاح


إنه لشيء جميل ينشر البهجة والسرور في قلوب الذين يحبون الخير لعموم الناس أن تفتح المؤسسات التعليمية بجميع مستوياتها أبوابها لاستقبال كل راغب في طلب العلم، وتزداد الفرحة أكثر عندما نسمع عن الجهود التي تبذل لتقريب التعليم من أبناء القرى والبوادي و المناطق النائية وتقديم العون والمساعدات المادية والمعنوية لهم من أجل العمل على النهوض بالتعليم والقضاء على الأمية ونشر القراءة في صفوف كل شرائح المجتمع ذكورا وإناثاً على امتداد أرض الوطن.

وتتعلق عيون وقلوب الآباء والأمهات بفلذات أكبادهم وهم يرسلونهم إلى مؤسسات التعليم وألسنتهم تلهج بالدعاء لهم بالتوفيق والنجاح راغبين في أن يتلقى أبناؤهم تعليما يمكنهم من أن يكونوا صالحين ونافعين لأنفسهم وذويهم وأمتهم وأن يبوئهم مكانا مرموقا بين أقرانهم من أبناء الوطن وبعضهم يفكر حتى في خارج الوطن.

وهذه العناية الجادة بالتعليم هي منهج إسلامي عريق وأصيل وصحيح كان هو المنطلق العظيم والأساس المتين للمنهج التربوي الرباني، إذ ليس يخفى أن أول ما نزله الله سبحانه وتعالى على نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وهو يتعبد في غار حراء في الليلة المباركة ليلة القدر من شهر رمضان المعظم الآيات الخمس الأولى من سورة العلق {اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم}وهذه الآيات الخمس الأولى لم يتلها جبريل \ على مسامع النبي إلا بعد أن طلب منه القراءة ثلاث مرات بصيغة الأمر {اقرأ} والرسول الكريم يجيب : ما أنا بقارئ، بما يفيد أنه لم يسبق له أن قرأ وليس يمتلك في ذهنه شيئا سبق له أن تعلمه أو حفظه مما يُقْرَأ فلا يحفظ صحيفة ولا كتابا أخذه أو تلقاه من غيره، فقلبه \ فارغ من كل كلام بشري له صلة بأي دين فلقد اهتدى بفطرته وغريزته وباصطفاء الله سبحانه وتعالى له.

وما أمر الملك للرسول صلى الله عليه وسلم بالقراءة ثلاث مرات مع ما سوف يستفاد من الأمر بالقراءة في الآيات الخمس الأولى إلا ليدرك ويتنبه إلى أن وقت التحنث والتعبد في الغار قد انتهى وأنه الآن يدخل في مرحلة جديدة هي المرحلة التي تصبح فيها قراءة الوحي القراءة الربانية هي الطريق الصحيح لمعرفة الله سبحانه وعبادته له ولمن يتبعه من الناس.

ولهذا كانت العبادة في الإسلام تقوم على العلم بما بينته القراءة الربانية لكتابه وسنة نبيه فالله لا يعبد إلا بعلم وما خلقهم إلا ليعبدوه فهو الذي اختار لهم منهج العبادة {وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون}(الذاريات : 56).

والآيات الخمس الأولى بالرغم من قلة ألفاظها وتكرار بعض الألفاظ فيها وهي : اقرأ، ربك، خلق الانسان، علم، غنية جدا.

تتصدرها كلمة اقرأ في سياق الحديث عن الخلق {اقرأ باسم ربك الذي خلق} وتعاد مرة أخرى في سياق الحديث عن مدى كرم الله الواسع {اقرأ وربك الأكرم}.

وعندما ننظر في معنى كلمة القراءة نجد أن صاحب اللسان قد فسرها بمعنى الجمع والضم (قرأت الشيء : جمعته وضممت بعضه إلى بعض)(128/1).

والمنهج السليم في البحث عن مدلول اللفظ أن يبحث أولا عن معناه المادي الحسي وفي ضوء هذا المعنى يفهم التطور الذي يحصل في دلالات  اللفظ من الحسي إلى المعنوي وأقرب المعاني التي يمكن أن تكون هي الأصل ما له صلة بجسم الإنسان أو الحيوان فمن الألفاظ التي لها صلة وثيقة بلفظ {اقرأ} لفظ القَرء بالفتح أو القُرء بالضم وهو عندهم من الأضداد يفيد الحيض والطهر ونشأ ذلك بسبب أن الثاني لابد وأن يأتي بعد الأول. والحيض والطهر يتعلق شأنهما برحم الأنثى منذ أن كانت الأنثى ولذلك فلابد أن يسبق اللفظ المتعلق به أي شيء آخر فيكون هو الأصل. وإذا أطلق اللفظ على شيء آخر في نطاق التطور الدلالي للفظ من المدلول الحسي إلى المدلول المعنوي يكون هذا المدلول فرعا عن الأصل.

وإذا عدنا إلى التأمل في القَُرء فإننا نلحظ أنه أمر يتعلق بموضع في جسم الأنثى الذي هو موضع الإخصاب والإنتاج فيتم تطهيره بالحيض ليصبح قابلا للانتاج يقول أحد شعراء الجاهلية في وصف ناقة قوية سريعة الجري :

هجانِ اللون لم تقرأْ جنينا (اللسان 128/1) أي أنها لم يسبق لها أن أنجبت أي مولود أي أن رحمها لم يخصب ولم ينتج ولذلك فهي في قوة الذكر من الإبل.

والذي يبدو والله أعلم أن التطور الذي حصل في لفظ القراءة قد روعي فيه الأصل المادي الذي يقوم على التطهير والاخصاب والابداع.

وتكون القراءة عبارة عن ممارسة إنسانية تتم تحت إشراف العقل والفكر والقلب يشترك فيها السمع والبصر واللسان واليد وباقي الحواس ويكون القصد منها تنمية مدارك الانسان وتوعيته وتوسيع آفاقه وتطهيره تطهيراً عاما في روحه وجسمه وعقله وأخلاقه ورفعه إلى المستوى المطلوب ليكون به انسانا له ميزة عن سائر المخلقوات الموجودة على ظهر الأرض ويخرج في تصرفاته من دائرة الحيوان غير العاقل ليعيش مع باقي الناس في سلام ويشاركهم في جلب المنافع ودفع المضار فيستقيم الانسان على منهج القراءة الصحيحة المفيدة ويصبح فعالا في الحياة ويدخل في دائرة العلم.

ولذلك فإن الآيات الخمس الأولى ورد فيها الأمر بالقراءة مرتين وختمت السورة بفعلي أمر {واسجد واقترب}.

والقراءة المأمور بها أصلا هي لكتاب الله على منهج الله قراءة تطهر النفس والعقل والجسم فيها تدبر وتفكر ووعي بالكون والحياة والانسان تقود إلى معرفة الله سبحانه، بعظمته وخلقه لكل مخلوق وخلقه للانسان وكرمه الواسع وإنعامه على جميع ما خلق ومنهم الانسان بما يجعلهم يحيون ويعيشون إلى ما شاء الله وإنعامه الكبير على الانسان بأن علمه بالقلم ما يعلم إذ شرف الإنسان يعود إلى تعليم الله له {وعلم آدم الاسماء كلها}(البقرة : 30) فبالعلم الذي تلقاه من الله عند خلقه وبالاستطاعة التي وهبها الله له ليكون متعلما وعالما ومبدعا في مجال العلم ارتفع شأن الانسان.

إن هذه القراءة إذا هي قامت على شروطها المطلوبة تقود حتما إلى الإيمان الثابت الراسخ الصامد الذي لا ينهار ولا يضعف أمام أي جبروت ولا أي طاغوت وتقود إلى تجليات هذا الإيمان في الذات والنفس : الذات تسجد والنفس تقترب من ربها وخالقها.

وإذا كان الأمر كذلك فإن أول من فهم هذه القراءة حق الفهم وأولاها ما تستحق من الاستجابة والتقدير هو الرسول صلى الله عليه وسلم استوعبها حق الاستيعاب فسارع إلى السجود والتقرب، ووجه إليه الخطاب في سورة المزمل بأن يقوم الليل  : {ياأىها المزمل قم الليل إلا قليلا} ورغب صلى الله عليه وسلم من كان معه من الصحابة في مشاركته في قيام الليل يدل على ذلك قوله سبحانه {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك}(المزمل).

وأولى هذه القراءة ما تستحق من التقدير في رده الصارم على ما طالب به الكفار المشركون عمه أبا طالب في أن يكفه عنهم فقال صلى الله عليه وسلم : >يا عمِّ، والله لو وضعُوا الشّمس في يميني والقَمر في يساري على أن أتْرك هذا الأمر حتّى يُظْهِره الله، أو أهْلَك فيه، ما تركتُه<.

وقد سار على نهج الرسول صلى الله عليه وسلم صحابته والتابعون ومن تبعهم من المسلمين، فكانت تقرأ عليهم الآيات من القرآن فيسارعون إلى العمل بها يحيون بها في حياتهم الخاصة والعامة.

فهذا الصحابي الجليل المقداد بن عمرو يقول مخاطبا الرسول الكريم في أول غزوة جهادية للمسلمين ضد الكفر غزوة بدر : >امْض لما أراك الله فنحنُ معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : {اذهب أنت وربّك فقاتلا، إنا ههُنا قاعِدُون}(المائدة : 24) ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرتَ بنا إلى برْك الغماد لجالدْنا معك من دونه، حتى تبلُغه< وسار على نهج الصحابة التعابون  من تبعهم في جميع العصور والبلدان التي كان للإسلام والمسلمين فيها سلطان وعزة ومناعة وقوة.

ومن أجل ذلك فنحن اليوم أحوج ما نكون إلى هذه القراءة المطهرة والمنتجة في إعادة بناء شخصيتنا وفي السهر والحرص على أن نبني عليها شخصية أبنائنا وهم تلاميذ وطلبة، فهم امتداد لنا وهم مستقبل بلادنا وأمتنا.

فبلادنا وإن كان فيها التعليم بحمد الله قد اتسعت آفاقه و كثرت مؤسساته وتضاعف عدد المتخرجين منه على جميع المستويات وفي شتى الميادين الدينية والعلوم الصحية والهندسية والحقوقية والاقتصادية والعمرانية وفي حقول العلوم الانسانية اللغوية والأدبية والفنية إلى غير ذلك.

إلا أننا جميعا ومنذ مدة طويلة نحس بأن هناك أشكالا من الخلل تحول دون أن يحقق هذا التعليم نتائجه المرجوة في واقع الحياة لدى الإنسان أثناء تلقيه لهذه الدراسات وبعد أن يتخرج ويصبح عضوا عاملا ومشاركا في الحياة الاجتماعية ولذلك نسمع عن الدعوات المتكررة للإصلاح على جميع الأصعدة في مثل :

الإصلاح التعليمي التربوي

الإصلاح القضائي

الإصلاح الإداري

الإصلاح الاقتصادي إلى غير ذلك.

وفي الغالب يقال عقب كل إصلاح إننا نحتاج إلى تغيير آخر وإلى إصلاح آخر وتتوالى الإصلاحات فأين يكمن السر في الفشل وفي انتشار الخلل؟

الحقيقة أن البلاد لكي تنهض نهوضا حقيقيا تحتاج من حين لآخر إلى أحداث بعض التغييرات الضرورية في مصالحها ومؤسساتها وقوانينها مراعية في ذلك مجموعة من الأمور المتعلقة بالحياة الاجتماعية والاقتصادية ومراعية بالأساس والأولية القيم الدينية والأخلاقية لأنها الأساس الأول الذي يحرك كل إنسان داخل المجتمع ويضبط سلوكه وتصرفاته.

فإذا ضاعت العناية بهذه القيم لدى الإنسان أو ضعفت بنسبة كبيرة لابد وأن يظهر الخلل والفساد في أي عمل يشارك فيه هذا الانسان تضيع الأمانة والجد والصدق والاخلاص ومحبة الخير للناس والرحمة والقناعة…

وتشيع الخيانة والكذب وإهمال الواجب والقسوة والطمع وحب المال والحصول عليه من أي وجه والترف والميل إلى الهزل وكثرة المزاح والضحك وسرد النكت الماجنة و….

ويصعب احصاء ما يضيع من الخير وشيوع ما يظهر ويستجد من الشر.

وإذا واتتك الفرصة وجلست إلى بعضهم وحادثتهم لا تسمع منهم إلا ما يطمئنك على أنهم مسلمون يحبون الله ويحبون رسوله ويرتادون المساجد للصلاة مع الجماعة وينصتون إلى خطب الجمعة ويختارون أحيانا من القنوات التلفزية أن يروا ويسمعوا بعض العلماء وهم يتحدثون في بعض القضايا الدينية ويثنون على بعض العلماء، وإذا مات لهم قريب يذكرونه بصالح أعماله.

إن أمثال هؤلاء وهم كثر لا ننفي عنهم إسلامهم فهم مسلمون لا نقول في ظاهرهم فقط فالله أعلم بسرائرهم وهو يتولى السرائر والواقع أن المجتمع قد استشرت فيه سلوكات فاسدة هي من قبيل الأمراض الفتاكة المعدية انتشرت فيه انتشار النار في الهشيم تحصد الناس حصدا وتجرهم إليها كما يفعل المغناطيس بأي حديد.

والناس في هذا الوضع يفرحون ويتألمون كالذي فيه جرب يؤلمه فيحكه فيحس بلذة ولكن ذلك يؤدي إلى ظهور بقع من الدم في الجلد وإلى اتساع دائرة الجرب فيه.

وختاما فلابد من تأكيد أننا في حاجة إلى إصلاح ذاتي نقوم فيه ذاتنا على منهج القراءة الربانية نفهم ما نقرأ بوعي وتدبر وبنية تطهيرنا من جميع الملوثات والمفسدات ثم ننتج في سلوكنا وتصرفنا ما ينسجم مع هذه القراءة الربانية بالعمل بما يرضى الله سبحانه فنكون نحن المصلحين حقا لكل خلل أو فساد يعتري ما نحن مكلفون به بإخلاصنا لله وبصدقنا وحبنا لبلدنا وأمتنا وبما اكتسبناه من خبرة وتجربة في عملنا فنحن أقرب من غيرنا إلى معرفة مكامن الضعف والخلل ولذلك فنحن أقدر من غيرنا على سَـدِّ أي خلل ودرء أي فساد.

إن من لم يقرأ القراءة الربانية كمن يعيش في ظلمة غار أو كهف لا يرى الحياة التي أرادها الله لبني البشر حياة مضيئة مشعة طافحة بالعمل والجد والبناء قائمة على منهج الله الذي خلق الأرض والعباد {ليخرجكم من الظلمات إلى النور}(الحديد : 9) والظلمات متعددة الصور والأوجه ونور الله واحد ومن الظلمات القراءة المخالفة للقراءة الربانية.

 

    د. عبد العلي حجيج

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *