آيبون… تائبون!4- حسن خاتمة!


قاطعها ما ينيف عن عشر سنوات، لأنه لم يعد محتاجاً إليها، فزوجته وأبناؤه أصبحوا كل محور حياته..!

يعود كل صيف من الخارج.. يتهرب من لقائها، لا يسأل عنها أبداً… بل يشمت فيها حين يسمع أن كل الدور التي كانت تكدح فيها، لفظتها… لأنها عجوز في أرذل العمر!

قاطعها، لأن زوجته تكرهها منذ اللحظة الأولى… أمك جاثمة على صدري كصخرة.. أمك تستفزني بطريقة أكلها معنا… أمك بشعة بتجاعيدها وأسنانها المتآكلة… أمك تخيف أبنائي.. قلْ لها ألا تقترب منهم أبدا..!!

تذكرها هذه اللحظة، والإمام يخطب خطبة الجمعة، حول البر بالأم.. انسابت دموعه… أين هو من كل هذا؟!

تذكرها حين كانت تحمله على ظهرها من وإلى مدرسته البعيدة… كانت تكدح في البيوت من أجله… كانت ترفض عروض الزواج من أجله وقد ترملت في ريعان شبابها… يوم زفافه احتضنته وعروسه تبكي فرحاً…. وقالت لهما : >كان لي ابن وحيد… والآن رزقني الله ابنة..!<.

انطلق من المسجد يبحث عنها.. ويا لهَوْل الصدمة، فقد أخبره جيرانها أن كوخها قد جرفه الفيضان… وأنها كانت تتكفف المارة في الشارع من أجل لقيْمة عيش…!

بحث عنها طويلا، ولم يجدها.. تجرع المرارة، كيف ينعم هو وأبناؤه بعيش رغيد، وأمه مشردة…؟! كيف يجرف الفيضان كوخها، وبيته الفسيح الأنيق مغلق طيلة العام؟!

وقفت زوجته في طريقه : أنا أو أمك!

فأجابها بحزم : إنها أمي شئت أم أبيت… سأتركها هنا في بيتي، وسأعيّن لها مساعِدة تخدمها إلى حين تسوية ملف التحاقها بي في المهجر..!

صرخت الزوجة في هستيريا… رفع سبابته : أنا هنا الآمر الناهي.. ولك الخيار.. والدنيا ملأى بالنساء الطيبات البارات!

وأخيرا، وجد أمه في دار العجزة.. انهار أمامها باكيا… اعتذر لها عن تفريطه.. قبل قدميها.. وأخذها إلى بيته.. اقتنى لها مؤونة تكفيها مدة  غيابه… أعطاها نقوداً كثيرا.. جاءها بمساعِدة لخدمتها..!

أمطرته بالرضا.. ولم تكف أبدا عن الدعاء له.. وسبحان الله، فقد رق قلب الزوجة لها.. وكانت الأم سعيدة بين أحفادها

ودّعها وداعاً حاراً، ليعود إلى المهجر… على أمل أن يعود لأخذها للعيش معه بعد تسوية أوراق إقامتها هناك…

لم يقطع سوى مسافة قصيرة، وشاء الله أن يسلم الروح لبارئها في حادث سير مروع…!

الأم المكلومة لاتنطق إلا بـ>الله يرضي اعليك يا ابني.. الله يرضي اعليك…!<.

 

> ذة. نبيلة عـزوزي

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *