مواقف وأحوال – من أعجب وأغرب ما قرأت من الأحوال، حال إمام الحرمين ووالده في مصَّة لبَن!


حقا، إن قصة أبي محمد عبد الله الجويني لعجيبة، وأعجب منها قصة ولده أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني المشهور بإمام الحرمين، كان أبو محمد (الوالد) في بداية أمره نساخا للكتب بأجر معلوم، وكان معروفا بالخير والصلاح، وكان يتطلع إلى أن يكون له من صلبه علماء صادقون، فلما اجتمع له قدر من المال الحلال  الخالي من أي شبهة، تزوج جارية موصوفة ومشهورة بالخير والدين والصلاح، وحرص أشد ما يكون الحرص على ألا يطعمها إلا الحلال الخالص، وحملت منه فولدت له ولدا سماه عبد الملك، وحرص على ألا يطعمه هو أيضا إ لا من الحلال الخالص، فأمر زوجته أن تحفظه من النساء حتى لا يرضعنه، وشدد عليها في ذلك.. خشية أن ترضعه امرأة لا تتحرى الحلال، أو لم يأذن لها زوجها فيدخل جوفه الحرام!! فكانت الزوجة حريصة على وليدها إلى أن حدث ما لم يكن في الحسبان، ولندع صاحب القصة يتحدث عن ذلك فيقول : >إن أمي اشتغلت في طعام تطبخه لأبي وأنا رضيع فبكيت، وكانت عندنا جارية مرضعة لجيراننا فأرضعتني مصة أو مصتين، ودخل والدي فأنكر ذلك، وقال : هذه الجارية ليست لنا، وليس لها أن تتصرف في لبنها، وأصحابها لم يأذنوا في ذلك وقلبني وفوَّعَني(1) حتى لم يدع في باطني شيئا إلا أخرجه، وقال : يسهل علي أن يموت ولا يفسد طبعه بشرب لبن غير لبن أمه< وعند ابن كثير >فأخذه الشيخ أبو محمد فنكسه ووضع يده على بطنه، ووضع أصبعه في حلقه، ولم يزل به حتى قاء ما في بطنه من لبن تلك المرأة<.

هذه هي القصة الأولى، فانظر -رحمك الله- إلى حرص هذا الوالد على إطعام ولده من الحلال، وزواجه قبل ذلك بالحلال.

ثم انظر إلى غضبه الشديد، وإنكاره على تلك الجارية فعْلتها، واعتباره تصرفها بإرضاعها ولدَه حرا ما لأن أهلها لم يأذنوا لها.

ثم انظر إلى فعله بعد ذلك، حيث قلب الطفل وفوَّعه حتى أخرج ذلك من جوفه.

وانظر بعد ذلك إلى قوله >يسهل علي أن يموت ولا يفسد طبعه بشرب غير لبن أمه<.

تأمل كل ذلك، وأترك لك حرية التعليق.

وأما الجزء الثاني من القصة فنسمعه من الإمام ابن السبكي رحمه الله، قال : >يُحكى أنه -أي إمام الحرمين- تَلَجْلَجَ(2)-  مرة في مجلس مناظرة، فقيل له : يا إمام، ما هذا الذي لم يعهد منك؟ فقال : ما أراها إلا آثار بقايا المصة<!!

وأترك للإمام ابن السبكي التعقيب، قال : >فانظر إلى هذا الأمر العجيب، وإلى هذا الرجل الغريب، الذي يحاسب نفسه على يسير جرى في زمن الصبا الذي لا تكليف فيه< ثم أضاف >وهذا يدنو مما حكي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه<(3). وما حكي عن أبي بكر رضي الله عنه، سنعرفه في العدد القادم بحول الله.

> ذ. امحمد العمراوي

من علماء القرويين

amraui@yahoo.fr

—–

1- أخرج ما في بطنه.

2- تردد وتوقف قليلا.

3- انظر القصة في البداية والنهاية لابن كثير 509/12 طبقات الشافية لابن السبكي 168/5.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *