منْ أوراقِ شاهِدَة – عـن سيـريـلانـكا التي  فـي القلب سـأحـكـي – من يدعو غابرييل غارسيا ماركيز بل من يدعو الناس كافة؟


جلسنا على الحصير البارد عصرا بمركز كولومبو الدعوي حيث كانت القاعة التي ضمتنا شديدة البساطة بأفرشة قليلة ودون أدنى بهرجة، وبلا شك  كان ذلك التأثيث بعينه مقصودا لمحاصرة إشراف النفس، جلسة تدبر وخشوع استحضرنا  فيها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : >وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده<.

وأي تجمع يذكر فيه عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهده وتمثله لتعاليم الرسالة الإسلامية الواردة في خطاب الله عز وجل بكل الصدق والأمانة وبكل التضحية ولا تتنزل على أفراده السكينة؟

ولقد كانت جلسة استماعنا إلى الشيخ في كل محطاتها بمثابة زخات إيمانية تحريضية للنفس الأمارة بالخمول لحثها على المجاهدة لإحياء فكر وعمل الأولين  الذين بذلوا كل التضحية لجني ثمار الإيمان وإذ ذاقوا عرفوا وإذ عرفوا غرفوا، مقدمين الغالي والنفيس ليبقى البستان النبوي يانعا بين ظهرانيهم، وإذ تكاسلنا وغرنا بالله الغرور وركننا إلى متاع الدنيا الزائل لم نجن إلا سرابا بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.

هكذا تكلم الشيخ السيريلانكي مرددا قولة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه :  (من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها ثم تلا قوله تعالى : {كنتم خير أمة أخرجت للناس}.

والشرط معروف بلا شك وهو شرط الجهد للدين المذكور في قوله تعالى :  {التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر الـمومنين}.

ومادام الشوق إلى هذه الخيرية هو شوق عواطف كما في حالنا، فيبقى شوق خوالف، فإذا  ما انتقل من العواطف إلى الأقدام المرافقة بالحزم والإقدام قيض الله  للسالكين بلوغ المرام، وسبحانه وتعالى القائل في محكم التنزيل : {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها}(الأنعام : 112) إن المولى عز وجل حين ذكر هذا النور  (ويقصد به كما جاء في كتب التفسير  كتابه العزيز) لم يكتف بجعل عنصر الحياة خاصا بالمخاطب، بل أنيطت بهذا المخاطب  مهمة المشي بهذا النور في الأرض لتحقيق الحياة المرغوبة عند الله عز وجل : حياة الدين .

قال تعالى : {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}.

لقد خاطب الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم  في سورة المدثر، إيذانا بميلاد الحركة الراشدة في قوله تعالى : {يا أيها المدثر قم فأنذر}، حركة القيام  في كل الاتجاهات عضويا وجغرافيا لتبليغ رسالة الله عز وجل  وحركة الاصطفاء والتكليف، الواردة في خطاب المولى سبحانه للمؤمنين بقوله:

{وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}(البقرة : 143) ولولا نفرة الصحابة خفافا وثقالا لما بلغ الدين هذا المبلغ من التأثير في الأنفس  والآفاق بسائر بقاع العالم .

إن أفضل عمل يقول الشيخ السيريلانكي خص الله به عباده المصطفين هو عمل الدعوة إذ أناطه بالأنبياء الذين صنعهم على عينه وتولى بنفسه تربيتهم من أجل المقصد العظيم مقصد هداية  أقوامهم وتوجيه عبوديتهم إلى رب العباد، وأناط بخاتم الأنبياء والمرسلين المصطفى صلى الله عليه وسلم عمل الدعوة لقومه وللناس كافة، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمل الدعوة  تكليفا وتشريفا لكل أمته في قوله >بلغوا عني ولو آية< قال تعالى: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين}(فصلت : 33).

وصدق الشيخ السيريلانكي إخوتي القراء في ترغيبه  للقيام بعمل الأنبياء : عمل الدعوة والخروج بالدين من بيئة الإشراف والإسراف في الكلام والأكل والنوم إلى بيئة إصلاح النفس وإصلاح الآخرين، بيئة  الكلام في عظمة الله عز وجل وخيرات إقامة الدين في النفس وفي الآخرين ..

وكما قال الشيخ فبقدر ما نتكلم في هذه العظمة تلين القلوب وترق ويأتي فيها الشوق للجنة والخوف من النار، كما تلين الأرض الصلبة إذ تسقى بالماء فتنبث العشب  وعذب الثمار.

وبعيدا عن قول الشيخ الكريم فقد جاء دورنا  إخوتي لخدمة هذا الدين العظيم كما خدمه الأولون من المهاجرين والأنصار بأموالهم وأنفسهم لوجه الله لا يريدون من المخلوق جزاء ولا شكورا {وما أسألكم عليه من اجر إن اجري إلا على رب العالمين} وإذ أحكي لكم في حلقات قادمة عن حجم معاناة إخواننا السريلانكيين من غياب دعوة إسلامية منتظمة تغطي مناطقهم المنكوبة بالبوذية، وقس على ذلك حاجيات مناطق كثيرة من بلدان العالم إلى الدعوة والدعاة المسلمين ستعترفون إخوتي أننا مقصرون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وصدق الشيخ مرة أخرى قارئي  وهو يلج بنا بستان الإيمان و مروج الدعوة ويتحسر على نكوص المسلمين عن مهام الدعوة، ففي الأسبوع الجاري كنت أبحر في عالم الإنترنيت بالمواقع الأدبية والقريبة إلى القلب، فاستوقفني عنوان لافت عن خطاب وداع الكاتب الكولومبي العملاق غابرييل غارسيا ماركيز المصاب بسرطان الغدد اللمفاوية  الموجه إلى أصدقائه.

بكل شفافية أقول لك قارئي أبكاني الخطاب، أبكاني لا  لهشاشة عاطفية مجانية اعترتني، بل لشعوري الكبير بالتقصير الدعوي،  وبكل تأكيد سيشعر كل قارئ رسالي لخطاب ماركيز  بنفس شعوري  فالرجل كان ذا روحانية عجيبة في الخطاب إياه وذا صفات إنسانية لا يمكن أن يتصف بها إلا المصطفون الربانيون، بيد أن أحاسيس ماركيز تلك التي ضمنها خطابه كانت بلا هوية  دينية محددة و أعني بها الهوية الإسلامية  رغم أن مضامين ما جاء في الرسالة  كان إسلامي القسمات كما أسلفنا.. ولنقرأ بعضا من المقاطع المؤثرة التي يقول فيها غابريل ماركيز:

>لو وهبني الله حياة أطول لكان من المحتمل أن أقول كل ما أفكر فيه ولكنني بالقطع كنت سأفكر في كل ما أقوله كنت سأقيم الأشياء ليس وفقا لقيمتها المادية بل وفقا لما تنطوي عليه من معان.

لو أن الله أهداني الوقت لأعيشه  كنت سأرتدي البسيط من الثياب

يا إلهي إذا كان مقدرا لي أن أعيش وقتا أطول لما تركت يوما واحدا يمر دون أن أقول للناس إنني أحبهم أحبهم جميعا لما تركت رجلا واحدا أوامرأة إلا وأقنعته أنه المفضل عندي ..

تعلمت أنه ليس من حق الإنسان أن ينظر إلى الآخر من أعلى إلى أسفل إلا إذا كان سيساعده على النهوض .. تعلمت منك هذه الأشياء الكثيرة لكنها للأسف لن تفيدني لأني عندما تعلمتها كنت أحتضر<.

ألم يكن هذا الكاتب الكبير، الفياض المشاعر الربانية يحتاج إلى دعاة بالقدم أو القلم أو بأي جهد آخر ليضعوا مشاعره الحائرة على الخط النبوي الكريم الذي أفاض في الانتصار لقيم  الصدق والبساطة  والمحبة والتواضع وليقولوا له بكل اللطف، بكل المحبة وبكل تواضع الدعاة الحقيقيين الهينين اللينين.

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشــر بمشاعر غابريل غارسيا ماركيز الإنسانية  الرحيمة قبل أكثر من  14 قرن؟؟ وإن أحاسيس غابرييل تلك لن يليق بها إلا أن تغرف من مشكاة النبوة.

ولأن الشيء بالشيء يذكر فإننا في بحر هذه الأيام الحزينة نستقبل يوم النكبة الذي أعلنت فيه الدول الإمبريالية عن ميلاد الكيان الاستعماري الصهيوني، وإقامته ورما خبيثا في جوف الأمة جمعاء لا فلسطين السليبة فحسب، وإن مجمل ما يدور على الساحة الدولية والساحة العربية الإسلامية وفي الميادين كافة مرورا بالميدان السياسي والاقتصادي والإعلامي والاجتماعي والقانوني ,وااا…و..ووو

كل ذلك ليبين بالدليل الدقيق قوة ونبوغ الحركة الصهيونية منذ إنشائها وحتى لحظة كتابة هذه السطور في القدرة على الدعوة الناجعة  والتبليغ الميكيافلي المقتدر لمشروعها الباطل  في كل أصقاع العالم (إلى حين)، وما الصراعات والفتن المذهبية والجغرافية بين الإخوان الأعداء من المسلمين إلا من آثار العمل المتفاني للقائمين على تأجيج نار الفرن العربي الإسلامي بلا انقطاع من الدعاة الصهاينة..

فمتى نتعلم علوم وفنون التبليغ كفرض عين،  (نستجليها من إرثنا النبوي العظيم)، كما يفعل أعداء الأمة  بعلومهم المغشوشة، ونحن أمة العلم والمحبة والخير والرحمة للناس كافة، وأمة الخروج للناس بالدعوة لا أمة الخروج للحريك بمقصد إغناء الرصيد المالي والحصول على أوراق الإقامة للدنيا وشهواتها فحسب ؟؟؟

سؤال يظل معلقا ومؤلما في نفس الآن.. وفي حلقة قادمة إذ نيمم بمشيئة الله صوب القرى السيريلانكية ستطالعنا معالم هذا الغياب الدعوي الفادح، فابقوا معنا.

-يتبع-

> ذة. فوزية حجبي

al.abira@hotmail.com

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *