ماذا بعد رمضان؟


 رمضان شهر الخيرات والبركات

لقد مر علينا شهر رمضان شهر الخيرات والبركات، شهر تكون فيه القلوب مستعدة ومتهيئة للطاعة والعبادة لله تعالى، بحيث يكون الإقبال على الخيرات والتعرض للنفحات الربانية في هذا الشهر المبارك، شهر تصفد فيه الشياطين، وينادي مناد : يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أدبر، أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار. شهر فيه أنزل القرآن الكريم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور.

في هذا الشهر العظيم يقبل الناس على عبادة الله وملء المساجد وإحياء الليل بذكر الله وتلاوة القرآن، وصوم النهار، والابتعاد عن الموبقات والشهوات حتى المباحة منها، طاعة لله تعالى وتقربا إليه، يترك المرء طعامه وشرابه وزوجته استجابة لأمر الله، يكبح جماح شهوته ويصبر على الجوع والعطش، عساه ينال رضا الله تعالى، وعسى أن يدخل من باب الريان المخصص للصائمين في الجنة وأنعم بها نعمة..، وتكثر فيه الصدقات والإنفاق في سبيل الله، وتلين القلوب وترق. وهو شهر التوبة والعودة إلى الله تعالى، فيه تغيب المعاصي والآثام، فالذي يدخن يحاول أن ينقطع عن التدخين خلال هذا الشهر الأبرك، والذي يشرب الخمر يبتعد عنه في رمضان، ومن ابتلي ببلية يحاول الابتعاد عنها في هذا الشهر الكريم. حتى بعض المتعاملين بالربا يمتنعون عنها في رمضان مخافة أن تفسد صيامهم! ! ! وهذا شيء جميل، وهذا دليل على بقاء الخير في هذه الأمة العظيمة، حيث يغتنم المسلم النفحات الربانية وأوقات تنزل الرحمات الربانية، ويعظم الأجر والثواب، وهذا ولله الحمد يفرح القلب، فشهر رمضان، شهر البركات والخيرات، شهر العبادة والتقرب إلى الله. لكن ماذا بعد رمضان؟

ماذا بعد رمضان؟.

الأصل أن يظهر أثر صيام رمضان على الناس في الشهور الأخرى، لكن للأسف الشديد تغيب هذه الحماسة للتدين، ويفتر الناس بعد رمضان، ويعود كل واحد لما كان عليه قبل رمضان، وهذا غير صحيح في ميزان الشرع، وفهم خاطئ  للدين، لأن الصلاة ليست واجبة في رمضان فقط، و قراءة القرآن لا يؤجر عليها في رمضان فقط، والإقبال على الدروس والبرامج الدينية لا يكون في رمضان فقط، بل باب الطاعات والتقرب إلى الله تعالى مفتوح مدى الحياة ما لم يغرغر الإنسان، وما لم تطلع الشمس من مغربها. بعض الناس البسطاء يظن أن لا صوم بدون صلاة، لذلك ترى حتى الذي لا يصلي يحافظ على الصلاة في رمضان! لكن الصلاة جاءت متقدمة على الصيام، كما في حديث أركان الإسلام. فهي في المرتبة الثانية بعد الشهادتين، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج. وبعضهم يجعل مواسم للعبادة، فشهر رمضان موسم عبادة وتقرب إلى الله، لكن بعد انقضاء رمضان يوقف الصلاة وأعمال الطاعات إلى موسم آخر! وهنا تحضرني قولة أبي بكر رضي الله عنه عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم: ” أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمد قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت”. وكذلك نقول : أيها الناس من كان يعبد رمضان فرمضان قد فات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.

رمضان مدرسة لتعلم الصبر والتزود بالتقوى رمضان شهر الصبر فيه يتعلم الصائم كيفية الصبر على الجوع والعطش، وعلى مراغمة الشهوات وكبح جماحها، وضبط النفس والتحكم فيها بدل أن تتحكم فيه هي فيتبعها هي والهوى، فصير عبدا لشهواته وأهوائه، وصدق الله تعالى إذ قال: “أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا}(الفرقان :43). وغاية مجاهدة النفس هي أن تصير ذليلة مطيعة لصاحبها يقودها في طاعة الله وعبادته، ولا تقوده هي لما جبلت عليه من حب الشهوات من المال والنساء..، والخلود إلى الأرض، وإيثار الدنيا على الآخرة. والصبر:  صبر على طاعة وصبر على المعصية، وصبر على البلاء. فالصبر على الطاعة هو إرغام النفس على طاعة الله بإتيان الفرائض على وجهها، والاجتهاد في النوافل من الرواتب والسنن في الصلاة، وصيام الإثنين والخميس والأيام البيض..، وإصباغ الوضوء على المكاره، وانتظار الصلاة إلى الصلاة، وكثرة الخطى إلى المساجد، والإنفاق في سبيل الله، ومنع النفس من البخل والشح. أما الصبر على المعصية فهو منعها من الوقوع في المعاصي وأولها هو اجتناب كبائر الإثم والفواحش، ثم مجاهدة النفس على عدم الوقوع في الصغائر واللمم، وهذا باب واسع لمجاهدة النفس ومنعها من المحرمات. فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: >من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه<(البخاري). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم : >ليس الصيام من الأكل والشرب إنما الصيام من اللغو والرفث فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل إني صائم إني صائم<(رواه إبن خزيمة والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم وصححه الشيخ الألباني). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: >الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب -وفي رواية: >ولا يجهل<- فإن امرؤ سابه أو قاتله فليقل: إني صائم، مرتين<(متفق عليه عن أبي هريرة). بل الصوم هو إمساك عن المباحات والمشتهيات والطيبات طاعة لله تعالى، حتى يكون عن المحرمات أبعد، فهو تدريب للنفس وتطهير لها. وهذا عين التقوى التي جعل الله الصيام سبيلا إليها. كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}(البقرة: 183) أي الغاية من تشريع الصيام هو تحقيق التقوى في نفوس المؤمنين، والتقوى كما عرفها بعض العلماء هي: أن يراك الله حيث أمرك وأن يفقدك حيث نهاك، روي “أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، سأل أبيَّ بنَ كعب عن التقوى؟ فقال له أُبيّ: أما سلكت طريقًا ذا شوك؟ قال: بلى قال: فما عملتَ؟ قال: شمرت واجتهدت، قال: فذلك التقوى” ومِثلُه عن أبي هريرة: “أن رجلاً قال له: ما التقوى؟ فقال: هل أخذتَ طريقاً ذا شوك؟ قال: نعم. قال: فكيف صنعت؟ قال : إذا رأيتُ الشوك عدلتُ عنه ، أو جاوزته ، أو قصُرت عنه ، قال: ذاك التقوى”. فالتقوى أن تشمر عن ساعد الجد في طاعة الله، وتجتهد ألا تقع في المعاصي. وهذا لا يتحقق إلا بالصبر الذي يعلمه لنا الصيام. ومن وفقه الله تعالى لصيام شهر رمضان تتحقق فيه هذه الصفة وتلازمه حتى بعد رمضان، فيجتهد في طاعة الله واجتناب المعاصي في سائر أيام السنة، بعد أن تزود من شهر الصيام بالتقوى.

 علامة قبول الطاعة الاستمرار عليها

يقول الشيخ محمد حسين يعقوب في كتابه : (أسرار المحبين في رمضان) :

( كيف أعرف أنني من المقبولين بعد رمضان؟

والجواب والله أعلم:

1) أن يجد المرء قلبه أقرب إلى الله وآنس به وأحب إليه، فهذه ثمرة الطاعة وعلامة القبول.

2) أن يحب الطاعات ويقبل عليها، ويشعر أن أبوابها تتفتح له وييسر له فعلها، ويشعر أن أبواب المعاصي تُغلق عنه ويُصرف عنها، ويكرهها ويستنكف عن فعلها.

3) أن لا يفقد الطاعات التي كان يقوم بها في رمضان، بل يواظب عليها، بل ويستحدث بعد رمضان أعمالا لم تكن له قبل رمضان.

4) أن لا يعود إلى الذنوب التي تاب منها في رمضان، فقد تكلم العلماء فيمن تاب من ذنب ثم عاد إليه، ان هذا دليل على أن توبته لم تُقبل، لأنها لو قُبلت لما عاد للذنب مرة أخرى.

إن عمل الصالحات لا ينقطع عنك ما دامت فيك روح، وفعل الطاعات لا يسقط عنك ما دام يتردد فيك نفَس، وأيّما وجدت خيرا فسارع إليه وشارك).

فمن علامة قبول الطاعات الاستمرار عليها وانشراح الصدر لها والشعور بلذة العبادة وحلاوة الإيمان. وعيب على من تطهر من ذنوبه في هذا الشهر المبارك أن يعود إلى مستنقع المعاصي بعد رمضان. العبرة بالخواتم من الأعمال والله سبحانه وتعالى شرع لنا أعمال الطاعات والعبادات على طول العام، لنكون على اتصال دائم به سبحانه وتعالى. نستحضر خشيته وخوفه ومراقبته في حياتنا كلها، لتستقيم حياتنا على الشرع بما يجلب لنا رضا الله تعالى، ويحقق لنا السعادة في الدنيا والآخرة. وخير الأعمال أدومها وإن قل. ويقول تعالى: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} واليقين هنا هو الموت، أي اعبد ربك واستمر على تلك العبادة إلى أن يتوفاك الأجل وأنت على تلك الحال. وقال العلماء في قوله تعالى: {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}، أي كن مسلما طول حياتك حتى إذا جاء الموت تموت على دين الإسلام. والعبرة بخواتم الأعمال، ولذلك كان دعاء: اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم العرض عليك.

>  ذ. محمد البويسفي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *