قـوانـيـن  الـقـرآن  الـكـريــم – مقدمات ممهدات


مثل قراءة طيبة لكتاب الله العزيز الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه “كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء توتي أكلها كل حين بإذن ربها” وإنما أكلها الدائم ضبط مقاصد التنزيل لأجل التنزيل، وفرعها السامق جمال التفكر وجلال التدبر عند الترتيل، وأصلها الثابت رصانة القواعد ومتانة الضوابط التي يبنى عليها التفسير والتأويل.

فمتى كانت القراءة على هذا العهد شرطا وقصدا، كانت بحق طيبة مباركة ياتيها رزقها من الفهم رغدا من عند الله. فقد روى البخاري في صحيحه >عن أبي جحيفة قال : قلت لعلي هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا أعلمه إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن…< ولقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس فقال >اللهم فقهه في الدين وعلمه التاويل< واتفق العلماء على أن المراد بالتأويل تأويل القرآن.

و”قوانين القرآن الكريم” برنامج  للأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، العالم الكبير والداعية الشهير، خبير الجمال الدعوي حفظه الله، عرضه طيلة رمضان الماضي عبر قناة الرسالة الرائدة  بأسلوبه الشيق المعهود المترجم لما آتاه الله من العلم والحكمة، وهما خلتان تدوران مع صلاح الكيان و العمران وجودا وعدما… والبرنامج نموذج طيب لتلكم القراءة المباركة… ألا وإن الفهم الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لايخرج إلا نكدا.

الحلقة الأولى مقدمات ممهدات

بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات… مع الحلقة الأولى من… “قوانين القرآن الكريم”.

 الإنسان بين التفوق والتطرف

…الإنسان هو المعني بهذه القوانين،وهو المخلوق الأول رتبة لقوله تعالى {إنا عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان}(الأحزاب : 72) والإنسان هو المخلوق المكرم لقوله تعالى : {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا}(الإسراء :70) والإنسان هو المخلوق المكلف، مكلف أن يعبد الله، والعبادة علة وجوده، والعبادة في أدق تعاريفها”طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية ”

…في هذا التعريف جانب سلوكي هو الأصل، وجانب معرفي هو السبب، وجانب جمالي هوالنتيجة، ومع ذلك فالإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك. غذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، وغذاء الجسم الطعام والشراب. فحينما يلبي الإنسان حاجات عقله وقلبه وجسمه يتفوق، وحينما يلبي إحدى حاجات عقله أو جسمه أو قلبه يتطرف، وفرق كبير بين التفوق والتطرف… وفضلا عن ذلك فالإنسان نفس هي ذاته، هي التي تؤمن، هي التي تكفر، هي التي تسمو، هي التي تسقط، هي التي تحسن هي التي تسيء، هي التي تسعد هي التي تشقى، ذاته نفسه، والجسم وعاء النفس في الدنيا، والروح القوة الإلهية التي تمد الجسم بالحياة.

مقومات التكليف الستة

…الله جل جلاله حينما كلفنا أن نعبده أعطانا مقومات التكليف.

ما مقومات التكليف؟

الكون هو الثابت الأول، هذا الكون الذي هو مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، هذا الكون هو قرآن صامت، وهذا القرآن الذي بين أيدينا هو كون ناطق، والنبي عليه الصلاة والسلام الذي كلفه ربنا أن يبين ما في القرآن هو قرآن يمشي. أعطانا الكون، في كل شيء في الكون آية تدل على أنه واحد، آية تدل على وجوده ووحدانيته وكماله… هذا الكون يقرأه كل إنسان من كل لغة ومن كل لون {ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا}(الحجرات :13) الكون هو الثابت الأول، كله آيات دالة على عظمة الله {إن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الالباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والارض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار}(آل عمران : 190- 191) فالكون أحد مقومات التكليف.

والعقل، العقل أداة معرفة الله، جهاز من أعظم الأجهزة، بل إن العقل حتى الآن عاجز عن فهم ذاته. العقل له مبادئ السببية والغائية وعدم التناقض، وهي متوافقة توافقا تاما مع خصائص الكون ومع قوانين الكون.

ثم إن الله سبحانه وتعالى أعطانا فطرة،مقياس دقيق يكشف لنا خطأنا،قال تعالى : {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها}(الشمس : 7- 8)… هذه النفس البشرية حبب إليها الإيمان وزينه في قلوب الخلق وكره إلى الإنسان الكفر والفسوق والعصيان.

إذن أعطاه كونا ينطق بوجود الله ووحدانيته وكماله، أعطاه عقلا هو أداة لمعرفة الله، أعطاه فطرة يكشف بها خطأه ذاتيا، لأن الله سبحانه وتعالى سوى هذه النفس بطريقة عجيبة أنها تكتشف خطأها ذاتيا.

ثم إن الله سبحانه وتعالى أودع في الإنسان الشهوات، وما أودع في الإنسان الشهوات إلا ليرقى به إليه صابرا أو شاكرا،فالشهوة قوة محركة… لو تصورنا سيارة، الشهوة هي المحرك، والعقل هو المقود، والمنهج الشرعي هوالطريق، فمهمة العقل أن يبقي هذه المركبة على الطريق وهي مندفعة بقوة المحرك.

أعطى الإنسان فضلا عن كل ذلك… اختيارا ليثمن عمله، فلو أن الله أجبرنا على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرنا على المعصية لبطل العقاب، ولو تركنا هملا لكان عجزا في القدرة. إن الله أمر عباده تخييرا، ونهاهم تحذيرا، وكلف يسيرا، ولم يكلف عسيرا، وأعطى على القليل كثيرا، ولم يُعْصَ مغلوبا ولم يُطَعْ مُكْرَهًا.

أعطاه الكون، أعطاه العقل، أعطاه الفطرة، أعطاه الشهوة،أعطاه حرية الاختيار. ثم جعل الوقت تعبيراعن هذا الإنسان فقال الله عز وجل {والعصر إن الانسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} “فالإنسان بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه”. هذه مقومات التكليف، فماذا عن تعريف العلم لأننا نتكلم… عن قوانين القرآن.

القانون أحد أكبر ثمار العلم

…العلم هو الوصف المطابق للواقع مع الدليل، أما القانون إنما هو علاقة بين متغيرين، علاقة ثابتة قطعية الثبوت. هذه العلاقة يوافقها الواقع وعليها دليل. لوألغينا الدليل لكان هذا الكلام تقليدا، لو ألغينا الواقع لكان الكلام جهلا، لو ألغينا القطعية لكان وهما أو ظنا أو شكا. القانون أحد أكبرثمار العلم، لذلك نحن نجد في القرآن قوانين، نجد علاقات ثابتة، والتعامل مع الله وفق القوانين شيء مريح جدا، الإنسان أحيانا يكون في إدارة، ولها مدير عام، هذا المدير مزاجي، التعامل معه صعب جدا، لاتعرف متى يغضب، قد يغضب لسبب تافه وقد يرضى بلا سبب، فالتعامل المزاجي صعب جدا. لو أن هذا المديرالعام وضع قواعد في ترقية الموظف منها الدوام، منها الإنجاز، منها حسن العلاقة مع الناس، هذه القواعد الثابتة تريح جميع الموظفين. وربنا جل جلاله إلهنا… وخالقنا جعل هناك قواعد ثابتة في التعامل معه، هذه القواعدالثابتة سماها الله جل جلاله في قرآنه سننا {ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا}(فاطر : 43) هذه القواعد الثابتة لو أن الإنسان أخذ بها لسلم وسعد في الدنياوالآخرة.

نمـاذج  مـن قوانين القرآن الكريم

…الله عز وجل يقول مثلا{ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب}، {من يعمل سوءا يجز به}(النساء :122) دققوا في أن صيغة القانون… تقترب من جملة الشرط، اسم شرط جازم له فعل شرط وجواب شرط،وجواب الشرط لايقع إلا إذا وقع فعل الشرط، هذه الصيغة أقرب صيغة في اللغة العربية إلى القانون” من يعمل سوءا يجز به ” حقيقة وقاعدة وقانون ثابت على مدى الأيام… والحقب، وفي كل مكان.

قانون آخر {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة}(النحل :97) قانون آخر {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى}(طه :124) قانون ثالث {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لايحتسب}(الطلاق :2- 3) قانون رابع {إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}(الرعد :11).

حبذا لو أن إخوتنا الكرام وقفوا عند هذه القوانين وأخذوا بها وجعلوها منهجا في تعاملهم مع الله عز وجل… هذه القوانين أو تلك السنن في المصطلح القرآني ومثيلاتها سوف نشرحها إن شاء الله تعالى…إلى حلقات قادمة… والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لخبير الجمال الدعوي الدكتور محمد راتب النابلسي

>  أعده للنشر ذ. عبد المجيد بالبصير

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *