قبل البدء لا بد من وقفة.. أسرتك بحاجة لأن تجعلها أولى أولوياتك..


عـزيزي القارئ، تأمل هذا المشهد..

“.. كان يمشي في صحراء حافي القدمين تائها، ينتظر لحظة نهايته.. ولما رأى على مسافة منه جملاً عليه أسباب نجاته: ماء وطعام.. انطلق يجري مُسرع الخطا ليدركه، فأصابت الأحجار قدميه فأدمتها، فنظر إلى قدميه لحظة ليرى أثر الجراح التي أصيب بها.. فغاب الجمل عن ناظريه!.. وكان أن مات من العطش والجوع جراء غفلة لحظة!..”

اُنظر!.. لحظةُ نظرٍ إلى جراح قدمين كلفت هذا الرجل حياته!.. نموذج يتكرر كثيرا داخل أسرنا اليوم، فغالبا ما يلتفت الأب أو الأم ليس فقط لحظة أو لحظات بل لساعات وأيام لبعض الأمور يحسبها هامة في حياته، ولكن سرعان ما يستفيق على كارثة تربوية داخل أسرته!..

عزيزي القارئ: إن أسوأ ما يمكن أن تشعر به هو عندما تدرك أن “الأهم” في حياتك قد تحول إلى المرتبة الثانية أو الثالثة، أو حتى أبعد من ذلك في قائمة أولوياتك بما في ذلك أسرتك.. يزداد شعورك سوءا عندما تبدأ في ملاحظة عواقب ما حدث!.. أعرف ما سوف تقوله وما قد تسمعه من الآخرين “ليس لدينا الوقت!”.. لكن أقول لك: إن لم يكن لديك الوقت لليلة واحدة، أو على الأقل ساعة واحدة أثناء الأسبوع، حيث يجتمع شمل الأسرة، فاعلم أن أسرتك ليست صاحبة أولوية في حياتك..

معظم الناس يشعرون بأن الأسرة هي صاحبة الأولوية الأولى، كثيرون يضعون الأسرة حتى قبل الاهتمام بصحتهم إذا تطلب الأمر، وقد وضعوا أسرتهم قبل حياتهم كلها، وقد يضحون بأنفسهم من أجل الأسرة، لكن إذا سألت هؤلاء الناس عن أسلوب معيشتهم وعلام يصرفون انتباههم وتركيزهم الأساسي، ستجد أن الأسرة لديهم في مرتبة أدنى بعد العمل والأصدقاء والهوايات الخاصة!.. فيكون الأب مفتقدا للاستمتاع بطفولة أبنائه، فهو ليس موجودا معهم، وحتى ولو كان كذلك، فإنه ليس موجودا بروحه.. عقله وروحه يركزان على أشياء أخرى.. وإذا أراد أن يخصص وقتا مفيدا لهم، وقتا كبيرا، لا يكون باستطاعته فعل ذلك، لأنه يكون مشتت التركيز، هائم التفكير، فيحاول أن “يشتري” حب أبنائه بالإغداق عليهم بالهدايا والعطايا المالية، لكن هذا لا يحقق رابطة حقيقية.. والأبناء أيضا يشعرون بهذه الخسارة أيضا..

اعلم يا أخي الوالد! أن دورك في أسرتك ليس نهاية، فلن يأتي من يحل محلك فيه، دورك في أسرتك والحاجة إلى ممارسة ذلك الدور لن ينتهيا حتى بعد وفاتك، سيظل أبناؤك، وأحفادك وأبناؤهم ينظرون إليك كوالد، أو كجد.. الأدوار الأسرية هي من بين الأدوار القليلة في الحياة التي لا تنتهي، بل إنها أصدق الأدوار استمرارية.. ولهذا فإنك إذا كنت تعيش من أجل دور مؤقت، تاركا رصيدك من الدور الدائم فارغا، فأنت بذلك تنخدع بغرور الدور المؤقت وتَحرم نفسك من ثراء الحياة الحقيقي وهو الشعور العميق والدائم بالرضا الذي لا يتولد إلا من العلاقات الأسرية..

فهل تريد يا صديقي أن تندم في نهاية حياتك على تفريطك؟!

في النهاية، فإن الحياة تعلمنا ما هو مهم، وذلك هو الأسرة.. إذن لماذا لا نضع الأسرة في مقدمة سلم أولوياتنا، بل حتى قبل أن يحدث تعارف بين الزوجين؟! أو حتى عندما يكونان حديثي عهد بالزواج، أو عندما يكون أبناؤهم صغارا؟ ولماذا لا نتذكر ذلك عندما تأتي التحديات التي لا مفر منها؟..

يحكي أحد الآباء وهو أحد رجال الأعمال الحرة، أنه كان ذات ليلة في مكتبه داخل البيت غارقا في ترتيب الأوراق، منهمكا في كتابة مخططه، فإذا بابنته الصغيرة تقترب من المكتب، وفجأة قفزت إلى جواره دون أن يلاحظها، ثم قالت له بصوت البراءة الطفولية: >أبي..ماذا تفعل؟<، ودون أن يرفع بصره أجابها: >لا تقلقي يا عزيزتي، إنني أكتب أسماء كل من أريد مقابلتهم والتحدث معهم غدا في الأمور الهامة الخاصة بي..<.. ترددت الصغيرة قليلا ثم سألته بهدوء وبسمة الطفولة تشرق على شفتيها: >وهل اسمي مكتوب معهم يا أبي؟!<..

فهذا الموقف وأمثاله يبين أنه لا يجب أن نضع الأمور الهامة تحت رحمة الأمور الأقل أهمية.. فلا يمكن أن ينجح أي منا في أسرته وهو لا يضع أسرته في مقدمة أولوياته..

> ذ. محمد بوهو

al_qalsadi2006@hotmail.com

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *