حاجة الدعوة الى العلم


حاجة الدعوة الى العلم

د. الشاهد البوشيخي

العلم أساس الاستخلاف والإمامة :

أيها الأحبّة . قال تعالى : >قل هذه سبيلي ادعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني..<  من خلال هذه الآية وغيرها يتبيّن أن العلم أساس هذه الامة بل هو أساس استخلاف هذا النوع كله على بقية الانواع في أرض الله.

>وإذْ قَالَ رَبُّكَ للْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فيِ الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا َمْن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيَ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا< بهذا العلم استخلف آدم وبهذا العلم استُخْلِف أبناؤه من بعده، بهذا العلم رُشِّحَ مَنْ رُشِّحَ للامامة في ذرية آدم، وبهذا العلم أمَّ مَنْ أَمَّ هَذِهِ الذّرّيةَ بَدْءاً من الرسل عليهم الصلاة والسلام إلى مَنْ اهْتَدَى بهُدَاهُم، وحين نقص العلمُ نَقَصَت الأمة وتنقصت من أطرافها، ولن يُمْكِنُ تَدَارُكُ الامرِ ولا استدراكُهُ إلا بعودة العلم إلى موقعه الطبيعي، وعوْدة الامة إلى موضعها الطبيعي في هذا العلم.

العلم رأس القوة وأساس الفلاح :

العلم رأسُ القوة، واللهُ طَلَبَ إعدادَ مَا يُسْتَطَاعُ من قوةٍ، وأوَّلُ ما أمر الله به في بناء هذه الأمة هو طلَبُ العلم، هو النداء الخالد “إقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ” نداءٌ إلى رسول الله صلى الله عليه، ونداء الى أصحابه مِنْ حَوْله، ونِداءٌ إلى إخْوَانِهِ الذين جَاءُوا بَعْدَهُمْ، والذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ، نِداءٌ إلى الجَمِيع إِيذَاناً وإِعْلاَناً بأن مرحَلَةً في الإِنْسَانِيّة يَجِبُ أن تَبْدأ، هي مَرْحَلَةُ القيامِ والتأسُّسِ على العِلْمِ، والعِلْم فَقَطُّ.

يجب تخريجُ أبناءِ لآدمَ عليه السلام مُؤَهَّلِين تأهيلاً علميا صحيحاً، ليستطيعوا القيام بالخلافة في هذه الأرض وفق العهد الذي عهد الله به لآدم ولذريته من بعده >فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى..<-سورة طه-.

إِنَّ مَا يُرَى من نقصان هذه الأمة، ومن نُقْصَانِ القَلْبِ الحَيِّ فيها وهُوَ الدَّعْوَةُ إلى الله سُبْحَانه وتعالى، إِنَّمَا مَرَدُّهُ أساساً إلى النُّقْصَان في العِلْمِ، لأن العلم لاَ يُمْكِنُ في هذا الدّين فَصْلُهُ عن العملِ، فإذا قيل بنُقْصَانِ العلم فقد قيل بنُقْصَانِ العمَل أيضا. لأن من لَوَازِم العِلْمِ العَمَلِ بِه فلاَ يُتَصَوَّرُ عِلْمٌ في هذا الدين بغير عمل وفق مُقْتضى هذا العلم، إنَّ هذا لاَزِمٌ لهذا ولاَزِمٌ مِنْهُ، وحين ينفصلاَنِ، يَنْفَصِلاَنِ شَرَّ انْفِصَالٍ قال تعالى : >مَثَلُ الذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا< لَمْ يَعْمَلُوا بِمُقْتَضَاهَا >كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً<-سورة الجمعة-.

القرآنُ حجّةٌ لك حينَ العَمَلِ بِهِ، وحجةٌ عَلَيْكَ حين عَدَم العَمَلِ بِهِ، فالنُّقصانُ الحاصلُ في العمل الآن على مستوى الأمة جمعاءَ أوعَلَى مُسْتَوَى الخَلاَيَا الحَيَّة في الأمَّةِ إنما هُوَ نُقْصَانٌ أساساً في العلم. فَمَا القَصْدُ إِذَنْ بحَاجَة الدعوة الإسلامية إلى العلم؟؟.

الدعوة النداء مأمور بها الجميع :

الدعوةُ الإسلاميةُ -بمعنى النِّداء من دعاه يَدْعُوهُ إذا ناداهُ لفعل أمر أو ترْكِه- لها صورةٌ بسيطةٌ عادية، تكونُ فيها الدعوة مُمَثَّلَةً في تبليغ الأوامر للإِئْتِمَارِ، وتبليغ النواهي للانتهاءِ، وهذه مأمورٌ بها جميع الأُمَّة، كلٌّ بِحَسَبِ دَرَجَتِهِ، لأَنّهَا عن طريق الائْتِمَار بأوامره والانتهاء بنواهيه تكون دعوةً مَأْمُوراً بها الجميع، وقَادِراً عليها الجميع، إنما بشرط العلم، فلا يُتَعَبَّدُ الله عز وجل إلا بالعلم، ورأس العبادة الدعوةُ إلى الله سبحانه وتعالى، لأن الأجْرَ الذي يَتَرَتَّبُ عليها لا يترتب على شيء سواها، والجهادُ بالمنزلةِ التي تَعْلَمُون هو جُزْءٌ من كُلٍّ، أَىْ جُزْءٌ مِنَ الدعوة إلى الله، فللدعوة صُوَرٌ كثيرة منها الجهادُ في سبيل الله في ظرف من الظروف وفي صورة من الصور، وللجهادِ صُوَرٌ كثيرة منها المُجَاهَدَة بالدَّعوة للقرآن >وجَاهِدْهُمْ بِهِ -أي بالقرآن- جِهَاداً كَبِيراً<-سورة الفرقان، وأَعْلَى دَرَجَاتِ الجهاد -كما تعلمون- القتالُ في سبيل اللَّهِ. وكُلُّ ذلك دعوةٌ إلى الله عز وجل في صُورَةِ من صُورِهَا، في مَرْحَلَةِ من مراحلها. فالدعوةُ النِّدَاءُ مَأْمُورٌ بها الجميع، ويُطِيقُهَا الجميعُ، وإليها يُشِيرُ حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم >بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً< من عُلِّمَ آيةً فَقَطُّ، وعَلِمَهَا، وعَمِلَ بها، فَعَلَيْهِ أن يُبَلِّغَ تِلْك الآية التي يَعْلَمُ المقصودَ بها، فَأَيُّ حَظٍّ من العلم الشَّرْعِي بهذاَ  الدِّين يجبُ أن يُبَلَّغ، إذ هذه الأمة هي أمة الشهادة على الناسِ، والانتماءُ الصَّحِيحُ إِلَيْهَا إنما يتمَثَّلُ في الدعوة، ولاَ يَتَمَثَّلُ في غَيْر الدَّعْوة. فالمسلمُ من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بحُكْمِ كَوْنِه من هذه الأمة هو داع إلى الله سبحانه وتعالى ضَرُورَةً بمقتضي نُصُوصٍ كثيرة في معنى شَهَادَةِ هَذِه الأمة على الناس >لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلى النَّاسِ<-سورة الحج-، إذْ لا نَبِيَّ بعد محمد صلى الله عليه وسلم ولذلك فَالجَمِيعُ مأمور بالدّعوة ولا يُسْتَثْنَى أَحَدٌ مِنْهَا.

الدعوة بمعنى إحلال الشرع في الواقع اجتهادية :

وهناك الدعوة إلى جانب هذه الصُّورة العادية البسيطة المطْلُوبة من الجميع >الدعوة النداء<، هُنَاكَ الدَّعْوَة التي يمكن تَسْمِيَتها بِتَنْزِيلِ الدِّين في الوَاقِع هذه صورةٌ تتَضَمَّنُ مفهوماً أَضْخَمَ من المفهوم الأول للدعوة الاسلامية، فالدعوة النداء أي دعوة الناس للائتمار بأمر الله أو الانتهاء عما نهى عنه، ما هي من جُمْلَة هاته الدعوة بالمعنى العام التي يُرَادُ بها إِحْلاَلُ الشَّرْعِ في الوَاقع وجعل الواقع سائراً وفْقَ الشرع، وَمَحْكُوماً بالشَّرْعِ، فَفِعْلُ الناس في الزَّمَان وفي المكان، وفي عَلاَقَةِ الانْسَانِ بعضِه ببعضٍ ليس عَشْوَائِيًّا، وليس جِزَافِيًّا، ولَيْسَ اعْتِبَاطِيًّا، وليس خَاضِعًا للْهَوَى، بَلْ هُوَ مَحْكُومٌ بالشَّرْعِ ليكُونَ عبادَةً كَمَا طلب اللهُ من الناس جميعاً >يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ<-سورة البقرة- الناسُ كُلُّ النَّاسِ مطلوبٌ مِنْهُمْ عبادةُ رَبِّهِمْ فَلاَ يخرُجُ فِعْلُ البَشَرِ على مُسْتَوى النِّيَةِ، وعلى مستوي التَّعْبِير، وعَلَى مُسْتَوَى التَّفْكِيرِ، وعلى مستوى التَّدْبِيرِ، في الفِعْلِ والتَّصَرُّفِ، لا يَخْرُجُ أيُّ فعلٍ بَشريٍّ عن دائرةِ العبادة لله، أو لغير الله، فهذا الفعلُ إمَّا أَنْ يُرَاد به الله سبحانه وتعالى، ويُفْعَلَ وفْقَ شرع الله النَّصِيِّ أو المُسْتَنْبَطِ من النّصوص الشَّرْعيةِ، وإمّا أن يُفْعَلَ وفْقَ الهَوَى ويُرَادَ بِهِ غَيْرُ اللهِ سبحانه وتعالى.

فالدعوةُ الإسلاميةُ إذن بهذا المفهوم أوْسَعُ وأشْمَلُ من الدَّائِرَةِ الأخرى حَيْثُ تُصبحُ الدَّعوة بمعنى تنزيل الشرع في الواقع، غاية وهدفاً، وبمعنى طلب الائتمار بأمر الله والانتهاء عما نهى عنه وسيلة، ولتحقيق ذلك ذلك توجد عدة أمور تستلزم ضروبا من العلم ليحدث هذا الأمر أمر تنزيل الشرع في الواقع، وجميع قصص الأنبياء موضحةٌ لهذا الأمر، وهي في صمِيمِ الدعوة بهذا المعنى، وقِصَّةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هي السِّيرَةُ النبوية هي أساساً قصة مرحلية لهذا الأمر، وجَمِيعُ تَجَارِب المُصْلِحِين اُلْمِخلصين العُلَمَاء هيَ تجاربُ للدَّعْوَة الإسلامية بهذا المعنى، هيَ مُحَاوَلاَتٌ واجتهاداتٌ لتَنْزِيلِ الشَّرْعِ على الوَاقِعِ في زَمَانٍ بعَيْنِهِ، في مكانٍ بعَيْنِهِ، لَدَى إِنْسَانٍ بعَيْنِهِ، لدَى نَاسٍ مُعَيَّنِينَ، إذ لو كان الأمرُ، أَمْرَ تَوْقِيفٍ في أمر الدعوة -بمعنى تنزيل الشرع في الواقع- لتكَفَّلَ الله عز وجل -بل لأمر الله عز وجل- بِحِفْظِ نُصُوصِ السِّيرَةِ حِفْظًا تَامًا في أَعْلَى دَرَجَاتِ الوُثُوقِ، كَأَنَّهُ فِي دَرَجَاتِ القُرْآن، لِتَهْتَدِيَ به الأمّة، لأنَّهُ سيصيرُ مُلْزِمًا لها، ولكَانَ تَرْتِيبُ القرآن الكريم على حسب نزوله أيضا، بَلْ ولتعبَّدْنَا به أيضا على حسب النزول، وللزم بقاؤه على الكَيْفِية التي نزل بها ليَلاَّ يَحِيدَ الناس عن ذلك المنهاج قَيْدَ أُنْمُلَةٍ لكنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ جَعَل شَيئا ثابتا هو الشَّرْعُ في نصوصه ، في نَصِّهِ المُعْجِزِ، وفي نصِّهِ البيانِ، إذْ البيان هُو كذلك وحْيٌ من الله تعالى >أَلاَ إنِي أوتيت القرآن ومِثْلَهُ معه<-كما قال صلى الله عليه وسلم-، لجَعْلِ الشَّرْعِ في هذا المستوى.

إذنْ فهناك شيءٌ ثابتٌ هو الشرع، في نُصوصِهِ الثَّابِتَة، وهُنَاكَ شيءٌ مُتَغَيِّرٌ هو الواقع إذْ يَتَبَدَّل باسْتِمْرَارِ، يَتَبَدَّلُ ويَتَغَيَّرُ، يُؤَثِّرُ فيه الزمان، ويؤثّر فيه المكَان، ويؤثِّرُ فيه الإنسان، فلكل مقامٍ مقَالٌ، ولكلِّ حالٍ رِجَالٌ، ولِكُلِّ ظَرْفٍ اجْتِهَادٌ يُنَاسِبُهُ، والأصُولُ الكُبْرَى تُسْتَفَادُ من التَّجَارِب الكُبْرَى من قِصَصِ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومن قصّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن التَّجَارِب اللاَّحِقة الرَّاشِدَةِ.

الدعوة بمعنى كيفية التنزيل للشرع مطلوبة أساسا من الخاصة :

فإذن هذه الدعوة بهذا المعنى مطلوبَةٌ أساساً من الخَاصَّة أكثر مما هي مطلوبة من العَامَّة، لانها تقومُ أسَاسًا على الاجْتِهَادِ، وليس في مَقْدُور الجَمِيع، أَمَّا الأُولَى، أَيْ الدعوة بالمفهوم الأول. فمَطْلُوبَةٌ من الجميع، مَقْدُور عليها من الجميع. هَذِهِ الدعوةُ بِمَعْنَيَيْهَا الحاجَةُ فيها إلى العِلْمِ كَحَاجَةِ الكَائِنِ الحَيِّ إلى الهَوَاءِ والماءِ، فَحَاجَةُ الدعوة الإسلامية إلى العِلْم كَحَاجَةِ الكائنات الحية إلى الهَوَاءِ والماء الذي جَعَلَ اللَّهُ مِنْهُ كُلّ شيء حيّاً >وَجَعَلْنَا مِنَ المَاِء كُلَّ شَيْء ٍحَيِّ< معنى هَذَا الكلام أَنَّهُ لا حَيَاةَ للدَّعْوةِ، ولا وجُودَ لها، ولا نُمُوَّ لها، ولا كَمَالَ لَهَا إلا بِالعِلْمِ لا يمكن أن تُوجَدَ أساساً إلا بالعلم، ولا يمكن أن تَنْمُو إلا بالعلم، ولا يمكن أن تَبْلُغَ أَشُدَّهاَ وتَنْتَهِيَ إلى غَايَاتِهَا إلا بِالعِلْمِ أيضًا، لم ذلك؟ لأن الدعوة تَقْتَضِي مَدْعُوّاً إليه وهو الشرع، وهذا المدعُوُّ إليه محددٌ في النَّصَّيْنِ : كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذا المدعُوُّ له لابد من العلم به أولا وقبل كل شيء، ولتوضيح ذلك : المَدعُوُّ إليه يمكن تَصْنِيفُه صنفين كبيرين : صِنْفٌ هو جزئياتُ الدِّينِ وكُلِّياتُهُ أَحْيَاناً، وصِنْفٌ هو الدِّينُ كُلُّهُ، والعلاقة بينهما كَالعَلاَقَة بَيْن الدَّعْوَةِ بمعنى النِّدَاء والدعوة بمعنى التَّنْزِيلِ في الوَاقِعِ. نَفْسُ تِلْكَ العَلاَقَةِ تَقْرِيبًا تُوجَدُ كَذَلِك فيما يُدْعَى إليه فهناك مَنْ يُدْعَى إلى جزئية من الدين : يُدْعَى إلى الصَّلاَةِ، إلى الزَّكَاةِ، الى الصِّيَام، إلى الأَمْرِ بالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عن المنكر، حَتَّى إلى ابْتِسَامَتِكَ… في وَجْهِ أخيك، يُدعَى إلى أيّ شُعْبة من شُعَبِ الإيمانِ… كُلُّ ذَلِكَ مَطْلُوبٌ، كما يقول صلى الله عليه وسلم : >مَنْ دَعَى إلى هُدًى كَانَ لَهُ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً<، معناه أيُّ هُدًى على أيِّ دَرَجَةٍ كان هذا الهدى مُحَدَّداً في شيء واحدٍ غَليظٍ أو رقيق، أو كان كبيراً أو صغيراً في أشياء مُتَعَدِّدَةٍ. هذه دعوة لجزئِيات الدين ولَكِنْ هناك دعوة أَشْمَلُ من هذا تَنْسَجِمُ مع الدعوة بالمفهوم الثاني، هو الذي أشار إليه الله عز وجل في قوله تعالى >شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً والَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبراهِيمَ وَمُوسَى وعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ<، >أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ<، هَهُنَا لاَ يُوجَدُ أَمْرٌ بِجُزْئِيٍّ من جُزْئِيَّاتِ هذا الدين، بل هناك أمرٌ باقامة الدِّيِن كُلِّهِ جُمْلَةً وتَفْصِيلاً في الواقع على أَحْسَنِ صُورَةٍ تُُتصور. فإِقامةُ الدين >أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ< قِسْها على إقَامَةِ جُزْءٍ من الدِّين كَإِقَامَةِ الصَّلاَةِ، فكما تُقيم الصلاة على أحسن صورة، فعليك أن تقيم الدين على أحسن صورة. إلاَّ أن إقامة الدين تقتضي العلم به وفهمه في حدوده الدنيا والعليا، والدين محدد الدلالة في نصوص كثيرة ومن أجْمعها حدِيث جبريل عليه السلام، فالاسلامُ من الدين، والإيمان من الدّين، والإحسانُ من الدِّين،ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : >فإنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ< فإن الدِّين الذي يدعي إليه إما أن يكون جزءاً من  هذا الدين، وإما أن يَكُونَ من الدِّينِ كُلِّهِ، ولاَ يدعى إلى جُزْءٍ من الدِّينِ، أو إلى الدِّينِ كُلِّهِ دُونَ عِلْمٍ بهذا الشيء، هَلْ يُتَصَوَّرُ هذا عَقْلاً؟؟، وهَلْ يُتَصَوَّرُ هَذَا وَاِقعًا؟؟، لاَبُدَّ من أصُولِ العلم بما يدعى إِلَيْهِ قَبْل الدَّعَْوِة إليه، وإلاَّ دَعَوْتَ إلى شَيْء غَامِضٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ أو مَجْهُولٍ لا يُتَصَوَّر، وفي هذه الحالة لن يستجيب لك أحدٌ،، لأنك تدعوه إلى ضلال، والدعوةُ المطْلُوبُ فيها أَنْ تَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ، َعَلَى نُورٍ، وَعَلَى وُضُوحٍ، كأنك تُبْصِرُ الأمر بعَيْنَيْك، فمن هَاهُنَا لَيْسَت الدَّعْوَة مُطْلَقَةً، ولكنها مقيَّدةٌ بالعلم لأَنَّهَا على بَصِيرَةٍ، أي مُقَيَّدَة بالبصيرة >قُلْ هَذِهِ سَبِيلِيَّ أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ<.

يتبع

ضرورة العلم بالدين المدْعُوّ له، والوسائل المدْعُوّ بها

هنا ننتقل إلى  أن هاته الحاجة تتمثل في العلم بما يُدْعَى إليه، والعلم بما يُدْعى به، والعلم بما يدعى فيه، أي الحاجة إلى العلم بهذا الدين الذي يُدْعى إلى إقامته، والحاجة إلى العلم بهذا الواقع الذي يُدْعى إلى إقامة الدين فيه والحاجة إلى العلم بالوسائل والأساليب والطرائق والكيفيات التي يدعى بها في هذا الواقع إلى هذا الدين بالمفهوم العام للدعوة الإسلامية، أي مَفْهُوم التَّنْزِيل على الواقع، لا بمعنى فعلٍ جزئيٍّ في الدعوة إلى الله سبحانه عز وجل، وإن كَانَ ذلك الفِعْلُ الجزئيُّ لا يخرُج عن الإطار الكبير -كما تقدم- عن المفهوم العام للدعوة بالمعنى الثاني، وإذن صار الأمر إلى أن التوجُّهَ  فيمن أهمَّهُ أمْرُ هذه الدعوة، فأَرَّقَهُ هَمُّهَا، وأيْقَظَهُ وحفزه إلى أن يقوم من مكانه ليبلِّغ رسالة الله تعالى ويؤدِّيَ أمانته. أقول : الذي يَنْبَغي أن يَصْرِف إليه الهَمَّ هو طَلَبُ العلم بالدين وبما يُدْعى إليه جُزْءاً جُزْءاً بحسَبِ نظام يَتَدَرَّجُ به الإنسان، سواءٌ كان عِصَامِيّاً، أو كان سائراً وفق مِنْهَاج، كَانَ باذلاً الجُهْدَ بِمُفْرَدِهِ أو كان متعاوناً مع غيره على البرِّ والتَّقْوى، في كل ذلك يجب أن يسير وفق نظام متدرج مؤتسيا بالمنهاج الأول >وقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ ونَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً<-الاسراء 106-، إذْ لا يستطيع  أيُّ فرد -ولو أراد- أن يتعلَّم دفعةً واحدة، فلذلك لابد من تحصيل هذا العلم وفْقَ نظامٍ مُتَدَرِّج، ووفق نظامٍ يُرْشِدُ إليه هَذَا العِلْمُ نَفْسُهُ، فَمِنْ خَصَائِصِ العِلْم الشَّرْعِيِّ أنه فيه مِفْتَاحُهُ، وفيه مِنْهَاجُهُ، كُلُّ ما تحتاج إليه فيه.

الجانب الثاني هو هذا الواقع الذي فيه يُدْعَى إلى الله، امتثالا لقوله تعالى : >وَلْتَكُنْ مِنْكُمُُ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ<-آل عمران-، والخيْرُ هو الإسلام، وقوله تعالى : >أُدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ<-النحل-، إنها تعابير يُلح كل تعبير منها على جانب بعينه في أمر الدعوة. هذا الواقع يجب أن يحصل به علم لدى الدعاة. والواقع متشعِّبٌ، والدُّعَاةُ مُتَعَدِّدُون، فيجب إذَنْ أن يُطْلَبَ العلمُ بهذا الواقع في جَمِيعِ شعبه. ليُستطاع إدراكُ هذا الواقع، وليستطاع التصرُّفُ فيه كما يَنْبَغِي حَسَبَ قاعدة “أَكْبَرِ مَرْدُودٍ بِأَقَلِّ مَجْهُودٍ”، وذلك لا يكون إلاَّ بالعلم بالواقع. فالعلم بالواقع يُحَصِّل هذا، ويَجْعَلُ أَمْرَ الدعوة يسير وفق نظامٍ قَائِمٍ عَلَى هَذَا الأساس : أَسَاس أَكْبَر مَرْدُوٍد بأقل مجهُودٍ، وإنما طُلِبَ تَحْصِيلُ العِلْمِ بالدين، والعِلْمِ بالوَاقِعِ من أَجْلِ تَحْصِيلٍ عِلْم آخرَ ثَالِثٍ يَنْتُجُ عن الأَمْرَيْنِ معاً هوَ : العِلْمُ بكيفيات تَنْزِيل هذَا الشَّرْع على هذا الواقع، كيفياتِ التنزيل التي تبتدئ من الفردِ ذَكراً كان أو أُنْثَى، ثم تتدرَّجُ إلى الأسرة التي تبتدئ من الزوجين، ثم تتدرج إلى جماعةٍ بشريَّةٍ تجمَّعتْ على البِرِّ والتقوى، ثم تتَّجِهُ بعْدُ إلى الشَّعْبِ جُمْلَة جُمْلَة لجعله مُطَبِّقًا لهذا الشَّرْعِ مَصُوغاً وفْقَهُ ومُمهَدِّاً لمرحلة لاحقة هي الأمة، فالأُمَّةُ مجموعَةُ شُعُوبٍ، والشَّعْبُ مَجْمُوعُ جَمَاعَات، والجماعَةُ مَجْمُوعُ أُسَرٍ مُتَعَدِّدَةٍ، والأسرةُ تَنْطَلِقُ من الأفراد.

وإن كان الفَرْدُ المُفْرَدُ لا يكاد يوجد، لأَنَّهُ إما أن يكون أباً، أو يكون أخاً، أو يكون ابناً، أو يكون بِنْتاً أو أُخْتاً أو، أو، أو… هو دائمًا يوجد ضمن إطار، فالوحدة الإنسانية التي بها يبتدئ تَكَوُّنُ الإنسان وسائِرُ الجنْسِ البَشَرِيِّ إنما هي الأُسْرَةُ لا الفَرْدُ، إذا الفردُ يَنْقَطِعُ بِهِ النَّوْعُ البشري، كان ذكراً او أنثى، إلا في صورة الاعجاز الأول الذي خلق الله منه آدم من طين ثم خلق الله منه حواء، ذلك تقدير إلهيّ، أما بَعْدَ ذلك فسنة الله الثابتة هي : >يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَْى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا<، لتتعارفوا ثم لتَنْتَهُوا بعد التعارف إلى صفة الأمة الواحدة المصوغة صياغة ربانية، فمعرفةُ قواعدِ ونظام كيفية تنزيل الشرع على الواقع علمٌ ضروريٌّ للدعاة إلى الله عز وجل. يَهَبُهُ الله لمن اسْتضَاءَ واسْتَنَار بِهَدْيِ النُّبُوَّةِ، فاستحقَّ أن يَصْطَفيَهُ الله عز وجل ليكون داعيا إلى الله بإذنه وهَدْيه ومِنْهَاجِهِ.

أسس تحصيل العلم الشرعي والفقه الدعوي

إن الدّعوة في حاجة كبيرة الى العلم بالشرع، والفقه بكيْفية تنزيله في واقِعٍ معلوم، إلا أن هذا العلم يحتاج إلى أسُسٍ يقومُ عليها، وهذه الأُسُسُ هي :

أولاً : إخلاصُ الدّين لله >أَلاَ للَّهِ الدِّينُ الخَالِصُ<-سورة الزمر- و>مَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين<-سورة البينة- وفي الحديث >أَخْلِصْ دِينَكَ يَكْفِكَ العَمَلُ القَلِيلُ<، وأخلص دينك معناه : خَلِّصْهُ من الشوائب التي تمنع قبوله، إذ كل عملٍ تسَرَّبَتْ إليه شائبة شرك لم يُقْبَلْ، ولم يَكُنْ عبادةً لله، لأن الله أَغْنَى الشُّركاء عن الشرك.

ثانيا : الاجتهاد في تحري الإصابة للحق والصّواب باتباع السنة، أي أنَّ مقتضَى لا إله إلا الله إخلاصُ الدين لله، ومقتضى محمد رسول الله تَحَرِّي السنة. والسنة في زمانه صلى الله عليه وسلم هي ما نقل إلينا، أمَّا ماجَدَّ ويجِدُّ بعد زمنه صلى الله عليه وسلم فهو ما يُجتَهَد فيه لإصابة السنة بالاجتهاد الشرعي إنطلاقا من كتاب الله وانطلاقا من سنة رسول الله. على هذين الأساسين يقوم العمل، أي العمل الذي فيه سد الحاجة.

ثالثا : قراءة الكون قراءة ربانية : وهذه القراءة مأخوذة من قوله تعالى: >إقْرَأْ باسْمِ رَبِّك< فإن الأمر بالقراءة مقيد بهذا القَيْدِ >باسْمِ رَبِّكَ< وهَاتِهِ اللفظة لفظة “باسْمِ اللَّهِ” هي مِنْهَاجٌ كَامِلٌ يضع جمارك تمنَعُ استقبال ما لا ينبغي، وأيضا تمنع إرسال ما لا ينبغي. وهذا من أسرار الحرص على ذكر اسم الله في كل شيء، ففي الأمم السابقة الكافرة كانت الأمور تقوم باسم فلان أو باسم الهيئة الفُلانية، وفي زماننا أيضا صُوَرٌ من قيامِ الأمور باسم غير الله وذلك مفسد للعبادة، إذْ لا عبادة إلا إذا كانت باسم الله أي على ميزان  الله، لأن باسْمِ الله تعني الاسْتِئْذَانَ، وتَعْنِي التَّبَرُّؤَ من الحَوْلِ والطَّوْلِ، وتَعْنِي أَلاَّ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلا بالله، وقَبْلَ ذَلِكَ أنتَ مُسْتَأْذِنٌ للَّهِ في ذلك الفِعْلِ الذي فعلتَهُ، وحَسَبَ الفِعل تكون قيمةُ باسم الله. ومن هُنا صار الذبح الذي لم يُذْكَر عليه اسم الله حراماً : >وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ  وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ<-سورة الأنعام-.

القراءة باسم الله هي المنطلق في صياغة النموذج المطلوب الذي به تَتِمُّ الشَّهَادة على الناس، ومنهُ تَتَكَوَّنُ الأمةُ الشاهدةُ على الناس، بعدما أصابها ما أصابَهَا. هذا هو المنطلق في إعادة إنتاج مثل هذا النموذج من جديد وهو المنطلق أيضا في إنتاج بيئةٍ عامَّةٍ كَذَلِكَ، داخل دائرتها يعيش ويتنفَّسُ هذا النموذج، وإذَنْ هُوَ أَمْرٌ مُوَجَّهٌ إلى الأمة جملة.

المؤسسات التعليمية هي الكفيلة  بإخراج القارئين

باسم الله

ويمكن تحقيق هذا الأمل : أمل صياغة النموذج المطلوب بالدَّفْع في اتجاه تعليم العلم الشرعي بكل الوسائل الفردية والجماعية في جميع الأمكنة، بجميع الطاقات، بجميع الوسائل، للدَّفْع في هذا الاتجاه : اتجاه إِقْرَاءِ الأمة باسم الله، إقراء الأمة، أوبَقَايَا الأُمَّة، إقْرَاؤُهَا باسم الله أي تعليمها الإيمان والفهم لقراءة كل شيء باسم الله. هذا الدَّفْع في هذا الاتجاه في غاية الأَهَمِّية للانطلاق الصَّحِيح، وتَهْيِئَةِ المناخ الطبيعي الذي يتنفَّس فيه النَّمُوذَجُ الذي يَجب صياغتُهُ من أجل إعادة الأمة الشاهدة إلى الأرض، ونقلها من واقعها الآن إلى موقعها الرفيع الممتاز، هذا الاقراء ينبغي أن يُدْفَع فيه عن طريق الجهود الجماعية، وعن طريق الجهود الفردية، وعن طريق المؤسسات العامة، والمؤسسات التعليمية خاصة .

هذا تَوَجُّهٌ إستراتيجيٌّ في السير البَعِيد المدَى، لَيْسَ من نوع ما يُفْعَل فينقطعُ أثره في زمن قصير، أو يتجهُ إلى دائرة صغيرة، بل هو تأسيسٌ للميدان كُلِّهِ، وتحضيرٌ للأَرْضِ كُلِّهَا، هذا ضروريٌّ، ويجب أن يُفْقَهَ هذا الأمر، ويجبُ أن يُجْتَهَدَ فيه سواءٌ في الصورة العصاميَّةِ حِين يتجهُ المرء إلى نفسه لِيُعِدَّ نَفْسَهُ -والله يعينه- أو حين يَتَعَاونُ مع غيره على البِرِّ والتَّقْوَى في صياغة هذا النموذج، ذلك أيضا مطلوب لتحضير المحيط العام، فالدَّفْعُ في هذا الاتجاه قَدْرَ الطاقة أساسُ الانطلاق، الانطلاق الفرديِّ والجماعيِّ، وأساسٌ كبير في اتجاه تلبية حاجاتِ الأمة إلى العلم، فلْيَجْعَلْ كُلُّ واحد منكم نفسه مدرسةً، ليجعَلْ من نفسه مدرسةً لنفسه ولغيره، إن المسلم بحُكْم إسْلاَمه في موقع الإرسال، لا في موقع الاستقبال، ولكنه لن يستطيع الارسال إلا إذا امتلأ وفاض، إلا إذا امتلأ علماً ثم صار كالنبع الفياض يخرج منه العلم والإيمان، فهذا قصدي بأن يجعل من نفسه مدرسة لنفسه ولغيره، ليجعل من بيته مدرسة، ليجعل ممَّن معه مدرسة، للإقراء باسم الله، ليجعل من موقعه في التعليم العام والخاص مدرسة للإقراء باسم الله.

الدفع بهذا الاتجاه بأقصى جهد هو دفعٌ للأمة لسدِّ حاجات أساسية كحاجة الماء والهواء، وحين نقول : حاجةُ هذه الأمة فهي حاجةُ الدعوة الإسلامية.

عقوبة الأمةِ على التقصير

في الدعوة

إنْ هذه الأمة مُكلَّفَةٌ بالدعوة ومن ثَمَّ فَأَيُّ تقصير منها في القيام بالوفاء بالعهد تُعَاقَبُ عليه عقابا لا يُعَاقَبُ عليه سواها، لأن أمة الاسلام وأمة محمد هي المعْهُودُ إليها بالشَّهَادة على الناس، فحين يقع الخَلَلُ هي التي تُحَاسَبُ عليه، وتُعَاقَبُ بغيرها بمن يُطْلَبُ منها أن تدْعُوَهُمْ، فالعقابُ بالنصارى وباليَهُودِ هُو عقاب طبيعيٌّ جداً، لأن الموقع الذي وضعت فيه الأمة عَالٍ جداً، فإنْ كانت العُقوبة نتيجة الإخلال بالأمانة يكون الإهباطُ كبيراً جداً، فتنزل تحت اليهود، أيْ تُعاقَبُ بما عُوقب به اليهودُ من ضَرب الذِّلّة والمسكنة عليهم >ضُرِبَتْ عَلَيْهم الذِّلّةُ والمسْكَنَةُ وبَاءُوا بغَضَبٍ مِنَ اللَّه< ومع الذلة التي ضربها الله على اليهود، فان الله يسلطهم  على هذه الأمة، فتكون لهم الوِلاَيَةُ علينَا، ويصِيرون أئمةً لنا، لهم السيادة والقيادة، وذلك إنما يكون بسبب التفريط التَّامِّ بالوَفَاِء بالعَهْدِ. الذي عُهِدَ به إلى هذه الأمة. ومن أجل ذلك نَتَحَدَّثُ لإعادة الاستخلاف الذي  لابد فيه من بقاء طائفة  ظاهرة على الحق تعمل من أجل عبادة الله، فإذا لم تبق عبادةٌ فلا فائدة في البقاء، إذْ لا تَقُومُ الساعةُ إلا على شرار الخلق.

هذا إذن هُوَ الأساس الكبير -الذي سميناه القراءة باسم الله، والإقْرَاء باسم الله- الذي يجب أن يَكُونَ المُنْطَلَقَ .

بعد ذلك تحتاج الأمة الإسلامية إلى مستوىً آخرَ به تَفْعَلُ الفعل التاريخِيَّ المطلُوبَ، وطريقُ تلبيةِ هذه الحاجة هو الدَّفْعُ في اتجاهات ثلاثة كبيرة جدا بالنسبة لأهل العلم في الأمة :

الدفعُ في اتجاه التجديد في العلوم الشرعية، والدفع في اتجاه الآدمية في العلوم الانسانية، والدَّفْعُ في اتجاه النفعية في اتجاه العلوم المادية، وذلك يكون بتصنيف القارئين باسم الله الذين فَقِهُوا في هذا الدين، وفَقِهُوا في تخصُّصَاتِهِمْ لاستيعاب ما هُوَ كائنٌ لدى الأمة ولَدَى غَيْرِ الأمة لأن بالفعلِ الحضاريَّ المرشح بِحُكْمِ مُسْتَواه لأن يقْتَبِسَ منه الغير، والمُرَشَّحِ فَاعِلُه للإمامة على الناس، يقع التغيير الحضاري الراشد.

هذا الفعلُ لابد أن يكون علمِيًّا، ولا يكون علميا حتى يُسْتَوْعب الموجود استيعابا كامِلاً تحليلاً وتعْليلاً سواء في العلوم الشرعية، أو العلوم الإنسانية، أو العلوم المادية، ثم تقويمها ثم أخيراً أسْلَمَتها، أي بناؤها بناءً وفق توجيه الدين، وذلك بجعْلِ عِلْمِ الدِّين مهيمناً عليها موَجِّهاً لها، وبذلك الفعل الحضاريّ تستحق الأمّةُ الإمامةَ والشهادة على الناس.

هذا أُفُقٌ بعيدٌ، ولكن يَنْبَغي السَّيْرُ فيه من الآن، لأن العِلْمَ بالاتجاه والهدف في غَايَة الأهمية للدَّفْع في ذلك الاتجاه.

هذه رؤوس أقلام تتَعَلَّقُ بهذه الحاجة في مختلف المستويات وبتلبيتها على مختلف الأَصْعِدة. والسلام.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *