الشيخ الفقيه أحمد الحجامي ذلكم “الرباني” الذي فقدناه


الشيخ الفقيه أحمد الحجامي

ذلكم “الرباني” الذي فقدناه

شهادة

د. الشاهد البوشيخي

….لقد أكرمني الله بجواره فلنعم الجار هو.

ولقد أكرمني الله بمصاهرته فلنعم الصهر هو.

ولقد أكرمني الله بصحبته فلنعم الشيخ هو.

ولقد أكرمني الله بمشاورته فلنعم الحكيم هو.

ولقد أكرمني الله بالأخذ عنه فلنعم الأستاذ هو.

ولقد أكـــرمني الله بــأبوته فلنعم الرحيم هو.

أَمَا إن فقدانه لمصيبة، وإنَّ المنَّ على الأمة من بعده بمثله لغنيمة.

بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

اللهم أجرنا في مصيبتنا وأخلف لنا خيرا منها.

الموت” مصيبة” بنص القرآن، والمصيبة تعظم بعظم الفقدان.

ولقد كان موت الشيخ الرباني الفقيه أحمد الحجامي رحمه الله تعالى ورضي عنه، مصيبة من أعظم مصائب الزمان والمكان؛ فما أحوج الأمة في هذا الظرف العصيب إلى “الرباني” وقد كانه!، و ما أحوج المغرب اليوم إلى “الفقيه” وقد كانه! :

لقد خالطته نحوا من أربعين سنة (منذ سنة 1964م) : خَمْسُها الأولى أبصره ولا أدركه، لحداثة سني. وخَمْسُها الثانية (1969- 1974) صاهرته وجاورته فاقتربت فرغبت. وعَشْـــــرُها الثانية (1985-1975) ساكنته وصاحبته في الحل والترحال فشربت وارتويت. وعَشْرها الثالثة (1994-1986) افترقت الدار واستمر الجوار، حتى رحلت صاحبتا الدار، عليهما رحمة الله تعالى ورضوانه : زوجه خالتي، وزوجي بنته. وفي العشر الأواخر (1995- 2003) كان التلاقي بدار ولده البار عبد اللطيف حتى انتقل إلى الجوار.

وكل تلك السنين لم أبصر غير عبدٍ أغبطه ولا أقدر أن أكونه، عبدٍ من عباد الرحمن {الذين يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما، والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما… والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما، والذين لا يدعون مع الله إلاها آخر… والذين لا يشهدون الزور، وإذا مروا باللغو مروا كراما، والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا، والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما}(الفرقان : 63- 74).

أجل، لقد كان كما قلت. أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحدا :

لقد كان قوّاما بالليل صوّاما بالنهار؛ ولقد عايشته مدة وهو صحيح، يصوم صيام داود عليه السلام : يصوم يوما ويفطر يوما. ويقوم قياما لا يقدر عليه إلا أولو العزم. فقلت لخالتي -وكان يخفي حاله مع ربه- : منذ متى وهو هكذا؟ فقالت : منذ أن تزوجته، وكانت إذاك تجاوزت الستين!

– لقد آتاه الله عز وجل القرآن، فكان يقوم به آناء الليل وأطراف النهار. ولقد قال لي ولده البار بعد وفاته : إنه كان يختم القرآن في ثلاث. وكنت أراه ملازما لأربع قبل الظهر، وأربع بعدها، وأربع قبل العصر، وست بعد المغرب… ولم تكن تفوته صلاة الأوابين حين تَرْمضُ الفِصَالُ (صلاة الضحى)، يخرج بعدها إن كان بالبادية إلى تعهد غرسه واحدة واحدة! ثم يعود للاستعداد لصلاة الظهر.

لقد كان قلبه معلقا بالمساجد؛ لا يكاد يُسْبَق إلى الصف الأول، وكان بعد أن عمي يستعين بالكبير والصغير، والذكر والأنثى، والقريب والبعيد… لِيَلاَّ يفوته ذلك. وما زلت أذكر ولدي محمدا سِبْطه، وهو يأخذه أحيانا إلى المسجد، بحي “بورمانة”، قبل انتقالنا جميعا في سنة 1985 إلى حي الأدارسة، وجَدُّه يحكي لنا بعضًا من طرائفه معه في السير.

ومن أخْذِه بالعزائم، خروجه لصلاة الجمعة بعد الاستعداد التام لها حوالي العاشرة صباحا، ووقوفه بباب داره، حين لا يتيسر آخِذٌ له من ذويه، غَيْرَ سائل أحدًا، حتى يقيض الله عز وجل له من يأخذه إلى المسجد.

– لقد كان من المُفَرِّدين الذين يذكرون الله جل وعلا ذكرا كثيرا؛ لم يكن يسمح للوقت بأن يضيع منه، ولم يكن لديه فراغ؛ إما أنه في عمله الراتب الخاص، وإما أنه في عمل صالح مع الناس، وإما أنه منصرف إلى ذكر ربه وهو بين الناس، حين يكون الانصراف إلى الذكر أفضل مما فيه الناس. ومن طرائفه في ذلك، أنه كان يَعُدُّ المسافة أحيانا بين المدن في الأسفار بعدد الأذكار : فيقول مثلا : بين فاس والرباط كذا وكذا من الصلاة على رسول الله .

– ولقد كـان مُقْبِلاً على ربه بقلبه وقالبه : شاكرا لنَعْمائه، راضيا بقضائه، صابرا على بلائه، … وله في كل ذلك ما لا يطيقه إلا أولو العزم :

فقد بصره منذ نحو عشرين سنة أو يزيد، وما سمعته اشتكى يوما من فقدانه! ولا أَشْعَرَ جليسه بتصريح أو بتلميح، أنه يأسف عليه!.

وفَقَدَ مِنْ أحبِّ أهله إليه في خمس عجافٍ، وقد بلغ أو جاوز التسعين : ولدَه الأكبرَ علمًا وتجربةً ومكانةً… عبدَ الله رحمه الله(ت 1987) بعد أن بلغ أشده، وصار مرشحا لكل خير، جامعا بين الشريعة والقانون، والمنهج النظري والخبرة العملية، والإيمان والخلق الحسن،… ثم زوجَه الأخيرة خديجة (ت1992) أمَّ أكثر أولاده، ورفيقتَه في أكثر حياته، ثم بنتَها الأثيرةَ لديها ولديه، بعد نحو شهر من وفاتها : زوجي رحمة، رحمها الله (ت 1992) وهي لما تجاوز الثانية والأربعين من عمرها… ومع ذلك ظل ثابتا مطمئنا، كأنه لم يفقِد شيئا، ولم ينقصه شيء، ولا  يحتاج إلى شيء، وهو فاقد للبصر مُشْرف على المائة !! : لا يشكو، لا يتضجر، لا يضطرب…

أَلاَ ما كان أرْضاه بقضاء! وأَصْبَرَه على بلاء، رحمه الله تعالى!!

– ولقد كان أنسه -هنيئا له- بالله، وشعاره الدائم في ذلك : >الاستئناس بالناس من علامة الإفلاس<.

– ولقد كا ن همُّه -هنيئا له-رضوان الله : لا يلتفت إلى المخلوق، ولا يبالي بالمخلوق. وقد شهدت معه مشاهد أغضب فيها المخلوق، إرضاءً للخالق، ورحمة بالمخلوق؛ فكم أسْكت ناسًا في مجلسه هم مَنْ هم وما هم، حين مسّوا الحُرَم؛ إذ كانت لا تُؤْبَنُ في مجلسه رحمه الله الحُرَم. وكم قام من مجالس، وغادر دُوراً، بل خطبة جمعة أحيانا، حين أقْدَمَت على ما ينصُّ على ترْكِه ونَبْذِه حقُّ العلم. لقد كان -هنيئا له- لا تأخذه في الله لومة لائم.

– ولقد كان رحمه الله من حملة همّ الأمة؛ يجعلها أساس دعائه إذا طُلِب منه الدعاء، ويسأل عن أحوالها إذا كان لقاء، ويشجع على كل ما يسهم في إعادة بنائها إذا بُسِطت الآراء، مسهمًا بما يطيق، على قاعدة : لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تَلْقَى أخاك بوجه طليق. ومن لطيف صُنْعِ الله به في هذا الباب، أن نبَّه مجلة “الأمة” القطرية عليه، فحاورته ونشرت صورته على الغلاف.

– ولقد كا ن  رحمه الله يحب العلم ويؤثر مجالس العلم، ويّقدّم ويُقدّر أهل العلم، ويغضب ويثور إذا تكلم متكلم في العلم بغير علم، ولا سيما في مجلس به أهْلُ العلم، ويُسَرُّ أيَّما سُرورٍ إذا وجد من يعتني بتتبع أو تحقيق مسألةٍ اختلف فيها النظرُ بين أهل العلم. وكم دَفَعَ غيرَه من أهل العلم، إلى الاجتماع على سَرْدِ كتاب من كتب العلم؛ كما فعل مع عدد من القضاة بمسجد حي الأدارسة -إذ كان لا يخرج من المسجد بين العشاءين- فختموا تفسير القرطبي وغير تفسير القرطبي.

ولقد كان رحمه الله مشاركا في كل العلوم الاسلامية والعربية، شأن العلماء الذين درسوا بالقرويين، ولاسيما قبل مجيء “النظام” زمن الاستعمار. لكن العلم الذي غلب عليه، مبرِّزاً فيه، هو الفقه، ولذلك كان صديقه الحميم، وجليسه المفضل، هو الفقيه عبد الرحمن الغريسي حتى توفاه الله رحمه الله. كانا يتجالسان بعد العصر يوميا إلا لعذر. وقد أكرمني الله جل ذكره بالاستمتاع بمجلسهما إلا لعذر. ولو لا فضل الله جل ذكره، ثم الفقيه أحمد الحجامي رحمه الله، لما تمتعت بنظرات الفقيه الغريسي القرآنية التي نفعني الله بها كثيرا. ثم من بعده كان يزور الفقيه محمد الطاهري حتى توفاه الله رحمه الله. ثم من بعدهما لم يبق له جليس مُعَيَّنٌ من الفقهاء، حتى توفاه الله رحمه الله.

ولقد كان يسد حاجة قبائل في الفتيا والقضاء.

ولقد كان يصلح الناس، ويصلح بين الناس، ويصلح أحوال الناس، ولقد شهدت معه مشاهد في بناء المساجد وتمهيد الطرق وغير ذلك بالبادية.

ولقد أكرمني الله بجـواره فلنعم الجار هو.

ولقد أكرمني الله بمصاهرته فلنعم الصهر هو.

ولقد أكرمني الله بصحبته فلنعم الشيخ هو.

ولقد أكرمني الله بمشاورته فلنعم الحكيم هو.

ولقد أكرمني الله بالأخذ عنه فلنعم الأستاذ هو.

ولقد أكرمني الله بأبوته فلنعم الرحيم هو..

أَمَا إن فقدانه لمصيبة، وإنَّ المنَّ على الأمة من بعده بمثله لغنيمة. ولولا أنه لا مصيبة بعد موت الحبيب محمد، وأن لله خزائن السماوات والأرض، وأن في الله خَلَفًا من كل أحد، لما كان لموته عزاء.

فإنا لله وإنا إليه راجعون.

اللهم اجُرْنا في مصيبتنا وأَخْلِفْ لنا خيرا منها. والحمد لله رب العالمين.

> صهره  : الشاهد بن محمد البوشيخي

فاس في 18 ذي القعدة 1424هـ

الموافق 2004/1/12م.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *