الرحمة باب الله الأول : من طرقه فتح له ومن لم يطرقه تُحُسِّر عليه(2/1)


الرحمة أوسع الأبواب إلى الله وأسبقها إلى العباد

ذكرنا ما ذكرنا عن الحمد الذي نعبد الله به في صلواتنا وفي خلواتنا، ووصف الله  سبحانه وتعالى نفسه بصفتيه (الرحمن الرحيم) وهما اسمان من أسماء الله الحُسْنَى، ونوران من أنواره العُلَى (الرحمن الرحيم). والرحمة هي باب الله الأول الذي من طرقه فُتِحَ له، ومن أعرض عنه نُودِيَ عليه، ونُودِيَ عليه، ثم نُودِيَ عليه، ثم إذا لم يُصغِ تُحُسِّرَ عليه؛ ولذلك جاء في كتاب الله {يا حسرة على العباد، ما ياتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون}(يس29). خلق الله عز وجل الخلق بالرحمة، وخلقهم للرحمة، ورزقهم بالرحمة، وهداهم إليه بالرحمة، وطلب منهم جل جلاله من علاه أن يعبدوه بالرحمة، حتى إذا ضلوا وكفروا ناداهم بالرحمة، وجدد عليهم النداء بالرحمة، ووسَّعَ عليهم أبواب الرحمة، عسى أن يتوبوا. ولم يجعل لإنسانٍ البتة اليأس من رحمته حتى يُغَرغرَ، أوتطلعَ الشمس من مغربها.  فباب الرحمة هوأوسع الأبواب إلى الله عز وجل على الإطلاق، وقد صَحَّ الحديثُ عن النبي صلى الله عليه وسلم حكايةً عن ربه … في حديثٍ قدسي >ورحمتي سبقت غضبي<(1) رحمته سبحانه سابقةٌ غضبَه وعذابَه. وسَبْقُ الرحمة معناه أنها تسبق منه عزَّ وجلَّ إلى العباد، قبل أن يلحقَهم عذاب تسبق إليهم رحمتُه {وما كنا معذبين حتى نبعَثَ رسولا}(الإسراء 15). فالرسول هوالرحمة سابقٌ عن العذاب، والمؤمن -كل مؤمن- شرد عن باب الله وعصى ربَّه، فإنه يلطِمُه  سبحانه وتعالى،  يلطِمُه بالرحمة. وقد ذكرْنا -قبلُ- كيف أن بعضَ العلماء مَثَّلَ للمصائب، التي تنزلُ بالعباد من المسلمين ومن غيرِهم، أنها أشبه ما تكون بالحجرة أوالعصا التي يضربُ بها الراعي غنمَه، أويُلقيها على الشاةِ الشاردة… فتتألم لتنتبه حتى تعود إلى القطيع رحمةً بها أن يأكلَها الذئب ؛ فكذلك المصائب التي تنزل بالمسلمين، وكذلك الآلام التي تنزل بهم في العالم أجمع : هي لطمات الرحمة لطمات.. وصفعات.. من الرحمن الرحيم سبحانه وتعالى وهوأرحم بعباده من كل رحمةٍ نتصورُها.

الإنسان مفعول به في المواجيد بما فيها مواجيد المحبة والرحمة

إننا أيها الإخوة الأفاضل كلما تدبرنا اسمَيْهِ الرحمن الرحيم كلما ازددنا محبةً لله. والمحبة لله -عزَّ وجل- هي الباب التي فتحها الله عزَّ و جل لعباده، فتحها لخُلَّصِ العباد {إنه من عبادنا المخلصين}(يوسف 24) أي أنَّ الله أخلصَه إليه، والمؤمن ما يزال يُخلِص لله حتى يكونَ مُخْلَصَا، والإخلاص لله عزَّ وجل لا يكون إلا بمحبته، ولا يجوز أن يقولَ أحدٌ:  إني أحبُّ الله هكذا…  يعني : يَدَّعي وكلٌ يَدَّعي ما يشاء، لوذكر لي شخصٌ أنه يحب ابنه لَسَهُلَ عليَّ التصديق لأن المحبة إحساس.. شعور، يقول لك: أنا أحب ولدي هذا بالذات، هذا صحيح في الغالب، لأن الفطرة البشرية مبنية على محبة الأطفال {زُين للناس حب الشهوات من النساء والبنين}(آل عمران 14).  هل سألنا أنفسنا عن محبة الله  عزَّ وجل؟  هل نجد المحبةَ في قلوبنا فعلاً؟ هل نجدها؟ -من الوُجد والشعور والإحساس- أم أننا ندَّعي؟ أحسِبُ أنَّ مشكلتنا الكبرى هي أننا ندَّعي في هذا المقام… والدليل على أننا إنما ندَّعي…  أفعالنا. المحب لربه لا يستطيع أن يجد نفسَه حيثُ ينهاه، لمه؟ يستحيي منه سبحانه قبل أن يخافه؛ حينما تكون العلاقة بين الأب وابنه هي المحبة الحقيقية فإن الابن يستحيي من أبيه أكثرَ مما يخاف منه، وكذلك حينما تكون بين المُرَبِّي ومريدِه في المجال التربوي، فإن المريدَ أوالتلميذ -سَمِّه ما شئت- يستحي من أن يراه مربيه في المكان الذي لا يليق، لم؟… لأنه يحبُّه. إنَّ المؤمنَ يُطلَبُ منه أن يحبَّ ربَّه وليس فقط أن يخافَه، نعم الخوف مطلوب {وخافون إن كنتم مومنين}(آل عمران 175) ولكنا نخاف الله من حيث هوالقهار، ومن حيث هوالجبار، ومن حيث هوالمتكبر، ذوالجبروت، ذوالطَّول، شديد العقاب، شديد العذاب، نخاف، لكن أسماء الله الحسنى الدالة على الرحمة سابقة، أنواره الرحمانية سابقة على أنواره الجبروتية، سابقةٌ إلى قلوبنا >رحمتى سبقت عذابي<، سبقت، ومطلوبٌ من المؤمن أن يسعى ليطرق باب الرحمن الرحيم أولاً، ولذلك ما يزال العبد يسعى إلى ربه – كما قال ابن القيم رحمه الله كالطائر يطير بجناحين؛ جناحه الأيمن حب الله، وجناحه الأيسر خوف الله، حتى إذا رأى ما يرى الذي يفارق الدنيا ويُقبل على الآخرة، غَلَّبَ جناحه الأيمن على جناحه الأيسر، وظنَّ الخيرَ بالله، وظنَّ الحسنى بالله، فغَلَّبَ الرجاءَ على الخوف، وغَلَّبَ المحبة.والله عزَّ وجل يقول في القدسي من الحديث >أنا عند ظن عبدي بي<(2) لكن هذا الظن كيف تستطيع أن تشعر به؟ لا يُتَكَلَّف، (لايمكن أن تقول أنا اليوم أريد أن أحب الله، بل لابد من الإحساس بهذا الحب)، المحبة ليست فعلاً من الأفعال، كيما تقول هذه العشية سأؤديها،  لوكانت المسألة تتعلق بركعتين أوصيام يومٍ لكان الأمر سهلاً، تقول سأصوم غدا أوبعد غد أوكذا، أوأصلي ركعتين أوأقوم الليل، هذا عمل، ولكن المحبة إحساس، والإحساس لا يكتسب، أي لا يتكلف، إنما يوهب، أي يعطى لك. لا تستطيع إذا كنت حزيناً-عافاك الله من الحزن- أن تدخل السرور على نفسك بمحض جهدك… ما لم تأتك مواجيد السرور من عند الله، لا تستطيع. وكذلك إذا كنت مسرورا… ليس ثمة ما يقنطك إلا إذا جاءك ذلك من عند الله،… لأن هذه الأمور لست أنت من تباشرها، إنما تساق لك، أنت مفعول بك فى المشاعر ولست فاعلاً، ونسبة الفعل إلى الفاعل ههنا مجاز، ليس بحقيقة، الحقائق تكون فى الأفعال الكسبية: تقول مصل لأنك تصلي، صائم لأنك تصوم، تصوم فتصير صائما اسم فاعل، أنت فعلت الصوم، وكذلك فاسقٌ وكذلك مجرمٌ اسم فاعل لأنه هواقترف الجريمة، فى الخير وفى الشر سواء؛ لكن فى الشعور والمواجيد يعني الأحاسيس الداخلية، الفاعل فيها مجاز، وهي كلمة تطلق لتسهيل التواصل اللغوي وإلا فكل فاعل فى أمور المشاعر مفعولٌ به، شىءٌ ما سرك فصرت مسروراً…(وشيء ما حدث وأقنطك) فصرت حزيناً، فالحزن فعلٌ وقع عليك، ولست أنت الذى توقعه، وكذلك السرور، وكذلك الخوف، الخوف لا تدري من أين ركبك، لا تدري مداخله إلى نفسك، لأنك لاتقرر ذلك ابتداء، لا يمكن أن تقول هذا اليوم سأخاف من هذا الأمر، لا يمكن لا يقبله العقل ولا المنطق ولا الواقع، ولكن  تفاجأ بنفسك خائفة، الخوف ركبك. كذلك الحب، أنت لاتأتي به، بل هويأتي بك، حينما قال الباري تعالى : {والذين آمنوا أشد حبا لله}(البقرة 164)، فهويعبر سبحانه وتعالى عن شىءٍ وجده المؤمنون حقاً  وهومحبة الله… فكيف يدركون ذلك؟ إنما يدركه المؤمن بجلب أسبابه، بما  أن هناك أشياء تقع فتجعلك خائفا…حزينا،كذلك ثمة أشياء تقع فتجعلك تحب شيئاً. أسباب المحبة لله أن تتعرف على صفاته وأسمائه الحسنى، وعلى رأسها {الرحمن الرحيم}… اسمان من أسماء المحبة سابقان على العذاب والغضب، نعوذ بالله من عذاب الله وغضبه.

 إبصار أنوار الرحمة الموهوبة سبيل محبته سبحانه

قلنا إن الله ما خلق خلقاً، ولا رزق رزقاً، ولا فعل فعلاً في أصل الخلق والتدبير الكوني، إلا لأنه سبحانه وتعالى يحب عباده قبل أن يفسقوا، وقبل أن يفجروا، عسى أن يدركوا ذلك، فيحبوا ربهم كما أحبهم ربهم، حتى إذا تعرف الناس على ربهم من خلال أفعاله الحسنى… ينقسمون آنئذ قسمين: قسم يعرف الجميل ويرد الجميل، يعرف الجميل لله، أنه سبقت إليه منه رحمته، ويرد الجميل بعبادة الله؛ وقسم آخر ينكر ويجحد، ولا يرد بل يرد بالعكس، وهذا هوالذي يستوجب عذاب الله ونقمته، ولكن قلنا قبل إن عذابه جل وعلا يمهل فيه عباده (إن الله يمهل ولا يهمل) يمهل أي يعطي فرصة عريضة للكافر وللفاسق وللشارد…  وخلال هذه الفرصة التي هي العمر كاملا يرسل سبحانه رسائل الرحمة من الآيات المقروءة المنزلة من السماء، ومن الآيات المنظورة، ومن النوازل والحوادث التي تقع على الإنسان، وتقع حوله لوكان يبصر. كل ما يقع بجانبنا وفي محيطنا.. رسالة، ويجب أن نتساءل كل لحظة: ما معنى هذه الرسالة؟ المؤمن الذي يبصر {فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها}(الأنعام 105) الذي يبصر الحياة حقيقة يدرك أن ليس ثمة أمر يقع عبثا أو بشكل عشوائى، أبداً! الله عز وجل يدبر الكون بحكمة، إذ من أسمائه الحسنى الحكيم، الفوضى في ملكوت ربي سبحانه لاوجود لها، في الكبائر من الأمور، وفى الدقائق الصغائر من الأمور، دل على ذلك “الرحمان الرحيم”. الأمور الكبيرة يتصرف فيها الله عز وجل باسمه الرحمن، والأمور الصغيرة الدقيقة(…) يتصرف فيها الله عز وجل باسمه الرحيم، ماذا بقى بعد ذلك؟ لا شيء لا شيء،كل شيءٍ أحاط به الله عز وجل رحمةً رحمة، لاوجود لشيء لم يسيره ربي بالرحمة سبحانه وتعالى ولكن مع الأسف ياحسرة على العباد الذين لا يبصرون… هذه الحقائق، ويجب أن نتأكد، لأنه إذا رآها المؤمن ببصيرته، حتماً سيحب ربه، لأن المحبة لا تنبع إلا عن رؤية ومشاهدة >أن تعبد الله كأنك تراه<(3) ماذا ترى؟ ترى نور الله عز وجل يرعاك ويحيطك من علُ، ومن تحت، وعن يمين، وعن يسار، ومن أمام، ومن خلف، ومن داخل، كما في الحديث: >اللهم اجعل في قلبي نوراً وفى بصري نوراً ومن فوقى نوراً ومن تحتي نوراً وعن يميني نوراً وعن شمالي نوراً ومن أمامي نوراً اللهم أعطني نوراً<(4) يعني يصير المؤمن محاطا بالنور، نور الرحمة الإلهية الربانية، كل شيء -ذكرنا هذا مراراً، ونعيده الآن في الرحمة- كل شيء، في الكون إلا وهوشعاع من أنوار أسماء الله الحسنى، أسماء الله الحسنى أنوار، هي أسماء لله وصفات له في نفس الوقت،  بها سبحانه وتعالى يمد الكائنات كلها بأسباب الوجود، وبأسباب الرزق، وبأسباب الرحمة، وبكل أسباب الحياة والموت والبعث إلى آخره، وجودنا وما يتعلق به من بدايته إلى نهايته، مكفولٌ بأسمائه الحسنى سبحانه وتعالى أي رزقٍ يأتي من غير اسمه الرَّزاق؟ وأي حياةٍ تأتي من غير اسمه الحي؟ كل  شيء يأتينا من أسمائه الحسنى، أي من الله! جل وعلا،  وأسماؤه: صفاته الدالة على كمال جلاله وعظمة سلطانه وتنزه جماله سبحانه وتعالى عن كل شيء.

من أراد أن يرى شيئاً من هذا فلينظر إلى الأم من كل شيء، من الإنسان، ومن الحيوان، ومن الطير، ومن الحوت، ومن كل شيء، الأم عند الناس هي أرحم شيء موجود… الرحمة الشديدة التي أوتيت…ليست من تصرفها،إذ لا تصرف في الفطرة البشرية من قبل البشر -إطلاقاً-، كل تصرف في الفطرة البشرية  موهوب من عند الله،   .

الأم لاترحم طفلها تكلفاأبدا، لايمكن. قلنا الرحمة شعور لا يكتسب وإنما يوهب، يعطى من عند ربى عز وجل، فالله  سبحانه وتعالى برحمته، أعطى للأم شعاعاً من أنوار رحمته حتى يصان الطفل  من التعدي والأذى. الدجاجة التي هي أضعف الخلق، تصير سبعا، حين تكون حاضنة على البيض أوعلى الكتاكيت، بالرحمة الإلهية. وكذلك سائر الخلائق الضعيفة التي تأكلها الوحوش والسباع، حين تكون والدة… تتحول إلى قوة غريبة بالرحمة التي أوتيت على ولدها، ورضيعها، هذه الرحمة التي في الأمهات جميعاً، ليست لهن، ليست لهن، هي رحمةٌ عاريةٌ، مستسلفة، تماماً، -ولله المثل الأعلى- كالمرآة التي تعكس نور الشمس… على الأرض أوعلى العين، فيقال أعمتني المرآة، والحق أن النور ضياء الشمس، والمرآة مستسلفته، ليس لها، بدليل أنها تحت جنح الظلام لاتعكس شيئا، ولله المثل الأعلى. كذلك الناس والخلائق في الرحمة إن هي إلا مرايا تعكس الرحمة الحق التى تنزل من عند الله عز وجل {الرحمن الرحيم}، لايمكن للوجود أن  يستمر لحظة واحدة، لوغاب عنه اسم “الرحمن الرحيم”، لأن هذا الاسم مرتبط بأصل خلقتنا، ولذلك جاء الحمد سابقاً عليه، {الحمد لله رب العالمين} لمه؟ “الرحمان الرحيم”؟  في معركة بدر، كان عدد الأسرى كبيرا، ورأى النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابة امرأة مع الكفار أسيرة، أسرت في المعركة، رآها تبحث عن أطفال المشركين الصغار، وهم يبكون الأسرى، فتلقم من وصلته منهم ثديها، ترضعه وتهدئ من روعه، فتعجب الصحابة من عطفها على أطفال جنسها وقبيلتها.. فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينبههم إلى التوحيد، هذا التوحيد الحقيقي، ليس توحيد الكلام، بل توحيد الفعال والسلوك، النبي صلى الله عليه وسلم نبهم قال: لَلَّهُ، -الله عز وجل بالتوكيد- أرحم بعباده من تلك المرأة(5)؛ لأنه لوأراد الله عز وجل أن ينزع الرحمة من قلبها لنزعها، وفي القرآن، في آية عجيبة، تُشَدُّ إليها الرحال يقول الله عز وجل: {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه}(الأنفال 24)، عجيب!! ربي عز وجل قادر، وهذا أمر واقع، أن يفرق بين ابن آدم وقلبه، ما هوقلبه؟) عاطفته،…وذلك هوأشد العذاب، لأننا نحيا حقيقة برحمة ربنا سبحانه، قد نسمع عن ابن آدم أنه ذبح ابنه أوأباه، فنصاب بالهول، لمه؟ لأننا نقول هذا الجاني ليس في قلبه رحمة، ماذا  حدث له؟ حيل بينه وبين قلبه، ربي فرق بينه وبين قلبه، فجعله أشد قسوة من الحديد، بحيث إنه لم يعد من حيث حقيقته بشرا، تحول من الطبيعة البشرية إلى طبيعة أخرى، {يحول بين المرء وقلبه}(الأنفال 24)، حتى يقسوالإنسان فتبلغ به  القسوة أن يطلب الأذى لنفسه…كم واحدا تراه يتجرع السم، فتتساءل مستغربا:ما باله؟ هذا حيل بينه وبين قلبه، قلبه صار ضدا له، ولا يكون ذلك كذلك إلا في الحالات الغريبة، ولذلك كان من أشد الغرائب أن يعذب الله الإنسان بالحيلولة بينه وبين قلبه، ولكن متى؟  حينما يخاطبه ربنا جل وعلا مرارا بالرحمة، ولا يستجيب،  يسلبه سبحانه الرحمة التي أودعها في فطرته،فيصير أشد من الوحش، وأسوأ الخلق على الإطلاق فيكون الإنسان آنئذٍ شراً كله، ليس فيه ذرة من خير، يصبح شراً كله، فلا يليق به إلا جهنم والعياذ بالله، نسأل الله العافية. الرحمات السارية في الكون الشاملة لجميع الخلق هي أشعة وأنوار، حين تتلقاها تصلك حتما بالمولى الكريم، وهذا الذي أريد لك أن تبصره، انظر إلى أحوال الرحمة السارية بين الناس وفى الناس، كيف يأكلون؟ كيف يُرزقون؟ كيف يعيشون؟ كيف يحيون؟ كيف يموتون؟ كيف يتدافنون؟ رحمات بعضها فوق بعض من الرحمن الرحيم، وابن آدم لاتصرف له في هذا كله، كما قلنا نؤكد ونعيد لا كسب لك في الرحمة أيها المؤمن، بل أيها الإنسان، لا كسب لك في الرحمة، لاتقل صنعت بيدي وعملت بمحض جهدي في باب الرحمة، كل رحمةٍ صدرت منك أووقعت عليك فهي هبةٌ من الله عز وجل إن أصابتك نفحاتها أوخرجت من عندك لا يعني ذلك أنها ملك لك، إنما هي هبة، هبة، لأنها حالة نفسية، وكما قال المربون الأوائل: “الأحوال مواهب”، حال تعتري الإنسان، الرحمة والأحوال مواهب توهب من الوهاب سبحانه وتعالى يهب عباده الخيرات والحسنات من الرحمات… هبات، هذه الهبة الربانية الكريمة حين يتذوقها الإنسان ويحس بها لا يجد إزاء ربه إلا المحبة، آنئذٍ يحس فعلاً أنه شعر بأنه يحب ربه وهذا هوالإيمان الحق، {والذين آمنوا أشد حبا لله}(البقرة 164)، الإيمان الحق أن تشعر فعلاً وتجد صدقاً أنك تحب ربك. صحابي جليل، استشهد في إحدى الغزوات، وهويلفظ أنفاسه الأخيرة، قال لأحد الصحابة الآخرين: >أبلغ عنى رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام وقل له إني أجد ريح الجنة<(6)، هذا صحابي قُتِلَ في الجهاد.. لم يسلم الروح إلى باريها إلا بعد أن قال له: >سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقل له إني أجد أي أشم رائحة الجنة<، يعنى: حينما تشتم بحاستك السليمة رائحة الورد مثلا، يمنحك ذلك إحساسا معينا بالانشراح والفرح…، حب الله عز وجل من هذا القبيل، إن كنت تحب الله حقاً فستجده في قلبك، لا أن تشمه بأنفك، ستجده في قلبك، لأن موطن المحبة قلب الإنسان: {والذين آمنوا أشد حبا لله}(البقرة 164)؛

> د. فريد الأنصاري -رحمه الله تعالى

————-

1  –  رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

2  –  متفق عليه.

3  –  مــتفق عليه. البخـاري رقم 50 / مسلم رقم 8.

4  –  رواه مسلم من حديث عبد الله بن عباس، رقم 763.

5  – متفق عليه: البخاري رقم : 5999؛ مسلم رقم : 2754؛ ونصه : “قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي، فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها تسقي، إذا وجدت صبيا في السبي أخذته، فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم : (أترون هذه طارحة ولدها في النار). قلنا : لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال : >لله أرحم بعباده من هذه بولدها<.

6  – رواه البخاري من حديث أنس بن مالك، حديث رقم : 4048، ونصه : أن عم أنس غاب عن بدر، فقال : غبت عن أول قتال النبي صلى الله عليه وسلم، لئن أشهدني الله مع النبي صلى الله عليه وسلم ليرين الله ما أجد، فلقي يوم أحد، فهزم الناس، فقال : اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني المسلمين، وأبرأ إليك مما جاء به المشركون، فتقدم بسيفه فلقي سعد ابن معاذ، فقال : أين يا سعد، إني أجد ريح الجنة دون أحد، فمضى فقتل، فما عرف حتى عرفته أخته بشامة، أوببنانه، وبه بضع وثمانون طعنة وضربة سيف ورمية بسهم.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *