افتتاحية – يا أيها الذين آ منوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم


أيها الإخوة الأعزاء الكرام أهل هذه البلاد المغربية الكريمة العزيزة الطيبة

لقد استجبتم لنداء ربكم الكريم ووفقكم سبحانه وتعالى -وأنتم المعتزون بدينكم الحريصون على طاعة ربكم كجميع أبناء الأمة الإسلامية المجيدة- إلى صيام شهر رمضان المعظم وقيام لياليه المباركة والإقبال على تلاوة القرآن الكريم وحفظه وتدبره وأداء الصلوات في أوقاتها والإقلاع عن المنكرات وأحسستم جميعا بقيمة الأخوة الإيمانية المتينة التي على أساسها تقوم علاقاتكم فشاعت بينكم البسمة والرحمة والألفة وتحيات السلام وساد بينكم الهدوء والسكينة والمسارعة إلى فعل الخيرات ومساعدة الضعفاء والفقراء والأرامل والأيتام. وأقبلتم على ربكم تطلبون المغفرة والتوبة والهداية بقلوب خاشعة منيبين إليه سبحانه وتعالى وقد قبل سبحانه توبة من تاب وغفر ذنوب من إليه أناب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : >من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه<. وقد تمت لكم الفرحة الأولى عند فطركم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : >للصائم فرحتان : فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه< فقد وصلتم جميعا الفرحة الأولى وفزتم وسعدتم بها وتنتظرون منه سبحانه وتعالى برحمته أن يمتعكم ويعطيكم يوم لقائه الفرحة الثانية.

وكان من نتاج كل ذلك أن تعلمتم من شهر الصبر أن تتحلوا بالصبر على الطاعات والصبر عن المعاصي والمنكرات وتعلمتم من الشهر الذي وصف بالمطهر >قد جاءكم المطهر< كيف تطهرون أرواحكم وأنفسكم وأجسامكم ونواياكم من كل أنواع الخبائث والموبقات.

وقد استقر في نفوسكم الثقة واليقين بأن الطريق القويم والسديد لخلاص الأمة من جميع ما تعرفه من متاعب ومصاعب ومفاسد ومما ينعت بمظاهر التخلف على جميع الأصعدة إنما هو من سلوك صراط الله سبحانه ومنهجه وتطبيق شرعه ودينه فرادى وجماعات {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}

لقد كنا جميعا في هذا الشهر المبارك نحيا حياة إيمانية ربانية لها آثار عملية بناءة على أرواحنا وقلوبنا ومشاعرنا تجاه بعضنا البعض وتجاه بلدنا ووطننا وتجاه من يجمعنا الإسلام به من أبناء هذه الأمة الإسلامية العزيزة، كانت مشاعرنا فياضة ممتدة طافحة بالأشواق والآمال عشنا حياة تختلف عما ألفناه من سائر الأشهر حياة نقتبس كثيرا من مظاهرها من قوله سبحانه وتعالى : {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} أي لما يجعلكم تحيون به حياة كريمة طيبة يعمها الأمن والرخاء والطمأنينة وراحة البال على أرواحكم وأبدانكم وأعراضكم وأموالكم و مجتمعكم وحرياتكم الشخصية وحرياتكم تجاه من يمكن أن يتسلط عليكم أو يستولي على أراضيكم وخيراتكم من أعدائكم. وتحيون حياة يحصل لكم بها العز والسيادة والسعادة فينتشر العلم فيما بينكم بمناهجه الصحيحة القويمة وبأهدافه النافعة الشريفة فيتحقق العدل ويختفي الظلم وتُيسر وسائل الحياة وتحسن المعاملات والخدمات بين الناس وتنتفي الرشوة والمحسوبيات واستغلال نفوذ الوظائف والمناصب.

إن هذه الحياة الكريمة التي تودون من أعماقكم لو أنها تستمر وتدوم في واقعكم بأحسن صورة وأتمها وأكملها كما هي مفهومة من الآية الكريمة قد حجبتها عن عيون أغلبكم الغفلة من جهة والانقياد إلى الأهواء والمغريات وحب الدنيا من جهة أخرى. ونحن  في واقعنا وفي تطلعاتنا أحوج ما نكون إليها.

تريدون ولا تريدون : تريدون أن تتحقق هذه الحياة الكريمة في جميع إداراتكم ومصالحكم ومؤسساتكم التعليمية بجميع مستوياتها وفي جميع أسواقكم ومتاجركم ولكن لا تريدون أن تكونوا في سلوكاتكم الشخصية عاملين وملتزمين بها، وهذا مكمن العيب وموطن الفساد.

أيها الإخوة الأفاضل أبناء وطننا الحبيب :

إن هذه البلاد التي تحيون فيها والتي يمتعكم الله بها بلاد لها تاريخ مجيد هي بلاد البطولة والعزة وا لحرية، بلاد الشهامة والمروءة والكرامة والنبل، بلاد الفضائل وحسن الأخلاق وحسن المعاملات، بلاد الرحمة والتعاون تنطلق في كل ذلك من قيم دينها الحنيف، من قرآن ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم، على ذلك عانى أجدادكم وبها نالوا السيادة والشرف والمجد.

فما أحوجنا إلى أن نكون مثلهم نتخلق بأخلاقهم ونشيع هذه الأخلاق الكريمة التي تجمع ولا تفرق توحد ولا تمزق تقوي إلى الخير العزائم وتقضي على ما يجر إلى الهزائم.

ابنوا هداكم الله حياتكم وأخلاقكم ومعاملاتكم فيما بينكم على الأخوة الإيمانية يشتد عودكم ويستد رأيكم وتنشر الرحمة بينكم فربنا سبحانه وتعالى يقول {إنما المومنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم لعلكم ترحمون}.

إن هذا الإصلاح ليس ينحصر مفهومه في الخصومات والنزاعات التي فيها للأيدي ضرب وبطش ولكن أيضا للإصلاح بمفهومه الاجتماعي والتعليمي والاقتصادي الذي يؤدي إلى السلم الاجتماعي في ضوء القيم النبيلة التي أوضحها وبثها المنهج الإلهي.

كونوا بقلوبكم ومشاعركم وبما تستطيعون في صف الاسلام والمسلمين ولو بدعاء الخير لهم والدعاء على أعدائكم، فإنكم ترون وتسمعون الهجمات الشرسة والمكائد المغرضة الظاهرة والخفية التي يعامل بها أعداء الإسلام المسلمين ودينهم في مناطق متعددة من العالم الإسلامي ومن تشويه لصورة الإسلام ولصورة النبي صلى الله عليه وسلم ومن إعلان سافر فاضح بإحراق نسخ من المصحف الشريف علناً أمام أنظار العالم الإسلامي لاستفزاز مشاعرهم وإهانة مقدساتهم فحسبنا الله ونعم الوكيل.

وإذا كنتم أيها الإخوة الكرام في صف الإسلام فإنكم تكونون مع المصالح العليا للبلاد وتكونون في صف العدل والإنصاف، وفي صف الحق والخير وفي صف الحرية وفي صف الصلاح والإصلاح الحقيقي في جميع الميادين والمجالات.

انصروا دينكم يرتفع شأنكم وانصروا قيمه تعيشوا في ظلها بسلام.

فأقبلوا أيها الأفاضل الكرام يا أبناء هذا الوطن العزيز على قراءة هذا العدد من جريدتكم التي تأخذ بأيديكم إلى محجة الإسلام وتقدم لكم ما هو شهي ولذيذ من مائدة القرآن.

> د. عبد العلي حجيج

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *