الـمـفـهـوم الشرعي لـلأسـرة


 مــدخـل:   موضوع الأسرة في هذه المحاضرة، سيرتبط في قسمه الأكبر بالمفهوم الديني للأسرة..

المقصود بالمفهوم، هو التحدث عن المضمون العلمي لكلمة “أسرة”، فهذه العبارة الاصطلاحية ليست عبارة عادية، بل لها دلالة اصطلاحية تتعلق بمعنى معيّن وهو معنى اجتماعي..

الدلالة اللغوية والاصطلاحية لكلمة (أسرة):

فأصل الاستعمال اللغوي للكلمة هو: الهمزة أو الألف والسين والراء: يدل على الارتباط عموما، كل شيء ارتبط بشيء عبر عنه بـ(الألف والسين والراء)، ولذلك قيل “للأسير” أسيرٌ، لأنه مرتبط بمكان على سبيل الإلزام والحتم.

المعنى الذي تحمله كلمة (أسرة) ليس معنى لغويا عاديا، بل هو معنى ديني، بعبارة أخرى كلمة (الأسرة) هي كلمة دينية وليست كلمة عادية. والمعروف أن الكلمات الدينية قد تكون لها معانٍ على عكس مضمونها اللغوي، مثلا: “الزكاة” لغة تعني الزيادة، ولكن من الناحية العملية الاقتصادية هي النقصان، لأن الزكاة تُنقِص نسبة معينة من المال تزكية له، ولكن في الحقيقة الدينية من حيث البركة والتوسيع الرباني في الرزق، وأيضا زيادة الأجر في الآخرة سميت زكاة.. وهكذا فكثير من الألفاظ الدينية قد يكون المعنى اللغوي في سياق، والمعنى الديني في سياق آخر مختلف، ومفهوم الأسرة في هذا السياق له معنى من الناحية اللغوية، ولكن من الناحية الدينية لها معنى آخر مختلف.

كلمة(الأسرة) دينية بالأساس، والمركز الديني الأساسي أو المركزي فيها هو مفهوم “العقد”، وهو المعروف عند الفقهاء، وعند علماء القانون المعاصرين..

عقد الزواج التزام ديني:

الزواج عقد من العقود، ومفهومه العلمي أو الديني هو عقد والتزام، ولكن ليس التزاما مدنيا كما يعبر قوم، بل هو التزام ديني، لأن الالتزام الديني هو التزام قلبي وجداني عقدي، أما الالتزام المدني فهو التزام اجتماعي يمكن التَّحايل عليه إذا أمكن أو تُيسّر للملتزم به أي نوع من أنواع الانفلات عنه. ومن الأمثلة العملية في ذلك ما يلي:

> في قانون السير: الارتباط والالتزام بقانون السير مدني، عند إضاءة الضوء الأحمر يجب أن تقف، وجود شرطي ينظم المرور يوجب الالتزام بأوامره.. لكن كثير من الناس عندما يُقدِّرون أن لا شيء من الخطر متوقع لا يلتزمون ولا يحترمون تلك التعليمات!..

> في شهر رمضان نجد فرضية الصيام، وهو عبارة عن التزام ديني: فالامتناع والانقطاع عن الأكل والشرب والجماع، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس هو التزام، لكن التزام المسلم هذه المرة ليس التزاماً مدنياً، بل التزام ديني ينطلق من وجدان القلب وله بُعد إيماني.. فحتى لو أغلقت عليه سبعة أبواب وهو في ظلمة لا يراه فيها أحد، فلن يُفطر رمضان لأن التزامه ديني يقع مائة في المائة ولا يستطيع التحايل عليه.

لماذا هذا الفرق بين الالتزامين؟

في الأول نجد أنه ليس عندنا اقتناع ديني مجموعة من العقود والالتزامات المدنية، وهذه هي نقطة الضعف في القانون الوضعي، وهي نقطة الضعف الكبيرة عند من يشرع هذه القوانين.. فالتزام الناس بالقانون ليس التزاماً دينياً، إنما هو التزام مدني، والناس يلتزمون به خوفا من السلطة التي تحمي هذا القانون. أما بخصوص النوع الثاني من الالتزام، فالناس يلتزمون لأنهم يعتبرون ذلك دينا وطاعة لله تعالى وقربة منه.. إذن الالتزام الديني له طابع معين، والالتزام المدني له طابع آخر مخالف.. ومن ثم نقول إنه لن يحصل انسجام في المجتمع إلا إذا أصبحت كل الالتزامات دينيةً، وهذا ما يسمى بتطبيق الشريعة الإسلامية. بل إن مِن القوانين الوضعية مَا يكون صالحا وضروريا لاستقامة حياة الناس، كما هو الحال بالنسبة لقانون السير، فلا يمكننا الاستغناء عن استخدام قانون السير وعدم الالتزام به، ولكن وجب إدخال المفهوم الديني فيه، فمثل هذه القوانين تدخل في صلب الشريعة الإسلامية باستعمال مبدأ في “علم أصول الفقه” يسمى عند العلماء بـ”الاستصلاح”، فبه يشرّعونَ ويقنِّنون بناء على مبادئ إسلامية مدقّقة، فتربط به أحكام المقاصد والغايات الشرعية، ومن ثم لما تصدر به الفتوى الشرعية يُصبح ملزما إلزاما شرعيا وليس مدنيا فحسب!. ويتغير كل شيء حيث لا تبقى مخالفة المخالف عبارة عن مخالفة سجلها ضده شرطي المرور فحسب، بل تصبح مخالفة سجلها الشرطي ولها تبعات أخروية.. فهو حين يقف عند الضوء الأحمر، يفعل ذلك ليس خوفا من الشرطي، بل خوفا من الله عز وجل أولا وأخيرا، وخوفا من عقابه.. ويصبح الإلزام شرعياً، والملتزم في هذه الحالة متقيِّد بفعله، فإذا وقف عند الإشارة الحمراء فله حسنة، وإذا تجاوزها فعليه سيئة ويعتبر آثما!!

هذه مقدمة ضرورية كي نفهم الالتزامات الدينية والالتزامات المدنية، ونفرق بينهما.. بهذا المنطق نقول إن مفهوم الأسرة عقد من العقود وهذا باتفاق الجميع، يعني اتفاق أهل القانون الوضعي وأهل الفقه الإسلامي، ليس هناك خلاف بينهم، لكن المشكلة تكمن وتدور حول مفهوم العقد، هل هو مفهوم ديني أم مفهوم مدني؟ هذا هو المشكل الذي حصل في قضية “خطة إدماج المرأة في التنمية”، فالمشكل يرجع في تحديد “المفهوم” ومن له الصلاحية في الاجتهاد في هذه المسألة؟ فإذا اعتُبر العقد مدنيا، فأهل القانون وأهل الاجتماع هم المعنيون، وإذا اعتبر العقد دينيا، فهو صناعة فقهية، وهذا النوع صناعة اجتهادية تحتاج إلى أصحاب التخصص الديني، وفي هذه الحالة يكون أهل علم الاجتماع وعلم النفس والقانون مستشارون في هذه القضية.. وقد كان الإمام مالك رحمه الله تعالى، يشاور في فتواه أهل العادات، فإذا أراد مثلا أن يفتي في قضية البيع والشراء، يشاور أهل السوق ومن لهم دراية بأمور التجارة.. فما دامت القضية قضية دينية، فالمفتي فيها يكون هو الفقيه المتخصص في العلوم الشرعية والباقي مستشارون له..

 الزواج مباح بالجزء، واجب للكل!

إذن فالعقود الدينية وعلى رأسها عقد الأسرة، عقود ترجع إلى التكاليف الشرعية، فكما أن المسلم كلف بالصلاة والصيام والزكاة والحج، وما يتفرع عن ذلك من أعمال البر والخير والإحسان، فقد كلف أيضا في هذا النطاق ببناء الأسرة المسلمة على سنة الله ورسوله ابتداء بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} يقول العلماء هذا (أمرٌ)، والأمر للوجوب يعني : ما دام أن الإنسان قد عقد عقدا رجلا كان أو امرأة فالمطلوب والواجب عليه الوفاء بهذا العقد، فالزوج يفي بعقده إزاء زوجته، والزوجة أيضا تفي بعقدها إزاء زوجها..وهنا تعلق الوجوب بالوفاء تعلقا دينيا، يعني أن المخالف سواء الزوج الذي يخون زوجته، أو الزوجة التي تخون زوجها، يكون قد اقترف خيانة في حق الله عز وجل أولا وقبل كل شيء، إذن الخيانة لله فهمت من هذا المنطق الصريح {أوفوا بالعقود}، إضافة إلى أن الأمر هنا على إطلاقه كما يقول علماء أصول الفقه، يعني ليس عقود البيع والشراء فقط، بل يدخل فيها كل عقد شرعي من بيع وشراء وكراء.. ويدخل فيه أيضا معنى عقد الزواج وغيره، والله عز وجل بعد ذلك حين ذكر عقد الزواج في سياق آخر سماه “الميثاق الغليظ” قال تعالى: {وأخذنا منكم ميثاقا غليظا}.. فهذا الوصف العجيب -غِلَظُ الميثاق- مرة سمي عقدا، ومرة سمي ميثاقا، والموثق موثق من الله تعالى هو عبارة عن إشهاد الله عز وجل على ما في القلب، ولذلك نقول”تزوج على سنة الله ورسوله” بإشهاد الشاهدين العدلين، كل ذلك نوع من استحضار البعد الديني، واستحضار البعد  الإيماني التعبّدي..

الزواج ليس عادة، ليس من أفعال العادات، بل هو من أفعال العبادات، ورغم أن الفقهاء يصنفونه في باب العادات، لكنه داخل في باب العبادات، والسر في تصنيفه في باب العادات، هو كونه مما يسميه العلماء بـ”المباح بالجزء الواجب للكل”

فالله سبحانه وتعالى عدد الواجبات في الكتاب والسنة وأعطانا الأوامر (الأمر بالوجوب)، كما قال العلماء في قوله تعالى: {أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} فيه أمر بالوجوب، وقوله تعالى: {كتب عليكم الصيام} خبر في معنى الأمر بالوجوب، يعني أنها أمور واجبة. ويتعرف على أنها واجبة من خلال العبارات التي عبر القرآن الكريم عليها بـ(الأمر)، وأحيانا يأتي الأمر ولا يعطي الوجوب، بل يعطي الوجوب أو يعطي الندب، والذي يهمنا في هذا الموضوع هو الإباحة الذي هو الزواج، فالنبي صلى الله عليه وسلم حين أمر بالزواج قال: >يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج..<، ورغَّب في التناسل وقال عليه الصلاة والسلام: >تناكحوا تناسلوا فإني مفاخر بكم الأمم يوم القيامة<.. وغيرها من الأحاديث الآمرة بالزواج في السنة النبوية، والعلماء يقولون إن هذه الأوامر للإباحة وليس للوجوب وهذا هو الأصل في المسألة، وهذا سمي “مباح بالجزء”، لماذا؟ وما معناه؟ معناه: أن أي امرأة أو رجل قررا ألا يتزوجا، فلا بأس عليهما شرعا بشرط ألا يقعا في الحرام (الزنا)، وشريطة ألا يشعر أحدهما بالرغبة في الوقوع في الحرام والميل إلى الزنا، لأنه إذا كان بين هذين الأمرين، فالزواج في حقه يكون واجبا أو مندوبا، وإذا لم يكن عنده هذان الأمران وعنده رغبة في حياة أخرى، كالتفرغ للعلم أو التفرغ للعبادة، كما تفرغ علماء في السابق كشيخ الإسلام ابن تيمية، وسيد قطب وعدد كبير من العلماء رجالا ونساء.. فهذا لا حرج فيه من الناحية الشرعية. ولكن قد يصبح الأمر خطيرا عندما يُجمعُ الناس على عدم الزواج، فمثلا لو أجمع المغاربة على عدم الزواج مدة مائة سنة، فلن يبقى أي مغربي على وجه الأرض!!.. سينقرض الناس ويموتون ولن يبقى خلق جديد.. لذلك قالوا: “أن الزواج مباح بالجزء، واجب بالكل”.. فأي شخص رأى في نفسه عدم الزواج، فذلك أمر يهمه ويخصه، ولكن بالنسبة للأمة لا تجوز الفتوى الجماعية بعدم الزواج إطلاقا فهذا حرام، فلا يجوز تحديده أو منعه وطنيا، لأنه مضاد لقصد الشارع في حفظ النسل وجودا وعدما.

وهنا نتساءل: لماذا جعل الله تعالى الزواج مباحا وليس واجبا؟؟ يقول العلماء إن الأوامر التي هي موافقة للجبلة الطبيعية أي التي تكون موافقة للفطرة البشرية لا تأتي إلا بالإباحة فمثلا قوله تعالى: {كلوا واشربوا} يعني الإباحة في الأكل والشرب، لأن الإنسان مثله، مثل الكائنات الحية على وجه الأرض، تأكل وتشرب فطرة وبشكل طبيعي وتتزوج فطرة لأن الطبيعة التي خلقت عليها جميع الكائنات هي طبيعة تزاوجية.. لهذا السبب لم يكن أمر الزواج إلزاميا لأن الإنسان سيقوم به تلقائيا.. وعلى العكس جاء الأمر بالإلزام في الصيام لأنه ليس من طبيعة الإنسان ألا يأكل ولا يشرب، فالأمر هنا يخالف “الجبلة”، وفيه نوع من الإلزام النسبي أو الانقطاع عن الطبيعة الإنسانية، وكأنه يرتقي إلى درجة الملائكة التي لا تأكل ولا تشرب، ولكن في لحظة معينة من الفجر إلى المغرب، ولهذا جاء الأمر بالإلزام {كتب عليكم الصيام}، لأن القضية صعبة، إذ لو لم يأت فيها أمر ملزم، لن يصوم أحد!!

أما الزواج فلا يحتاج إلى أمر أو إلزام فالناس يتزاوجون طبيعة، وفطريا، وجبلية..لأنهم يشعرون أنهم بحاجة إليه، فكانت الأوامر الدينية المتعلقة بالأشياء الحياتية أي البيولوجية أوامر فيها الإباحة..

وعلينا أن ننبه إلى أنه لا فرق في الأمور الدينية بين الواجب والمباح، فكل ذلك دين، ومن هنا نجد حينما أراد بعض الصحابة الانقطاع الكلي عن الزواج، منعهم النبي صلى الله عليه وسلم خوفا منه أن تصبح “سنة” فقال : >إني أعبدكم لله وأتقاكم له، فإني أصوم وأفطر، وأقوم وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني<.. فكان صلى الله عليه وسلم في هذه المرحلة يقرر للأمة ويشرع لها، وكان قوله حاسما في هذه المسألة ومانعا من اعتزال الزواج بالمرة، مُبينا بذلك أن العبادة توجد كذلك في الزواج. قال صلى الله عليه وسلم : >وفي بضع أحدكم صدقة<، قالوا:أيأتي أحدنا شهوته ويكون له بذلك أجر؟ قال: >نعم! أرأيت إن وضعها في حرام ألا يكون له بذلك وزر؟< قالوا: بلا! قال: >كذلك إن وضعها في حلال كان له بذلك أجر<.. وللصدقة هنا مفهوم أخروي.

الزواج عبادة من العبادات

فكل الأدلة تجمع على أن الزواج عبادة، وأنه ديني كسائر العبادات، فكانت الأسرة إذن مبنية على العقد. فعندما يوقَّع العقد ويتزوج الزوجان، تنشأ أسرة، وهي أسرة حتى ولو لم يكن هناك أبناء، لأن الأبناء في حكم “الإمكان”، فمجرد وجود رجل وامرأة بعقد شرعي فتلك أسرة بالأصالة، وإذا لم يكن عقد شرعي فليست أسرة بالمفهوم الديني الشرعي..

الأسرة ترتبط بشبكة دينية تسمى “الرحم” وهو عبادة من العبادات وقد ربط الله عز وجل الرحم أولا بالزواج الشرعي، ولولا ذلك لما كان رحم ولا صلة رحم، ولا كانت أحكام الحلال والحرام متعلقة أساسا بشيء اسمه الرحم.

والرحم كما في الحديث مشتق من (بسم الله الرحمان الرحيم)، وقد قرن الله عز وجل تقوى الله بتقوى الأرحام في آية عجيبة، حيث قال تعالى في سورة النساء: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا}.. يعني اتقوا الله عز وجل، واتقوا الأرحام وهو جمع رحم، أي العائلة بأصولها وفروعها.. فلولا الأسرة بمعناها الشرعي لما كانت هذه الشجرة المقدسة، ولما كان هذا الميثاق المقدس الغليظ، {وأخذنا منكم ميثاقا غليظا}، ففيه نوع من القداسة مثل قداسة المسجد تماما.. {فاتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام}، فالذي يحاول أن يهدم أسرة أو يفككها، أو يمس بها، فكأنه يهدم مسجدا!! ولذلك جاءت كثير من أحكام البشارة والنذارة تتعلق بالرحم، وقدسية الرحم..

صلة الأرحام من الإيمان

من دلائل القدسية بخصوص الأسرة، ذلك الفرق الشاسع عند الله تعالى بين من يصل رحمه، ومن يقطع رحمه.. فمن الأجر والبركة التي تلحق بواصل الرحم في الدنيا ما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : >من أحب أن يبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه <، يعني البركة في الدنيا والأجر العظيم في الآخرة، على عكس قاطع الرحم فليس له من ذلك شيء، حيث نجد الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر ذلك الرجل الذي قطع عمّته -ليست أمّه أو أباه- بل عمّته فقط!، يأمره بمراجعة عمته قبل أن تموت وقبل أن يموت.. من هنا نقول إن للرحم قداسة عند الله عز وجل، وأن مفهوم الرحم بدون المفهوم الديني للأسرة ليس له معنى وكلام لاغي.. فلا يمكن أن يكون هناك رحم وليس هناك مفهوم ديني مرجعي للرحم الذي هو المفهوم الديني للأسرة.. من أجل ذلك كانت المفاهيم الشجرية للأسرة كلها مفاهيم دينية..

 المفاهيم الشجرية للأسرة

ماذا نقصد بالمفاهيم الشجرية؟

نعلم أنه في البداية يكون الانطلاق من زوج وزوجة، وهما الأصول، وعندما يُنجبون ويأتي الأبناء تتغير أسماؤهم إلى أب وأم.. فيوجد الابن والبنت والأخ والأخت.. وتبدأ عملية التفرع الشجري تتوسع انطلاقا من تلك الأصول.

وهنا لا بد من الإشارة إلى نقطة هامة وهي تلك المتعلقة بمفهوم الأب والأم والأخ والأخت وغيرها، فالواجب أن نعلم أنها كلها مفاهيم دينية كذلك..

ما الدليل على ذلك؟

هب أن امرأة أنجبت ولدا من سفاح وزنا، أو أن رجلا كان سببا في وجود ابن زنا، فإن الشرع في هذه الحالة لا يُلحق ذاك الابن بالنَّسب لأبيه!.. فمن الناحية البيولوجية والواقعية فإن نطفته هي السبب في وجوده وهو ابنه، لكنه جاء من الطريق الخطأ، جاء من طريق غير شرعي، ولا يعتبره الشرع ابنا له!! فلا يلحق به بالنسب ولا يرث منه.. هنا يتضح لنا مرة أخرى الفرق بين ما هو مدني وما هو ديني..

وكذلك بالنسبة للأم، فكلما أنجبت طفلا كان ذلك من حسناتها، لأن العلاقة البدئية(الزواج) كانت على سنة الله ورسوله، وفق عقد شرعي، ووفق رباط غليظ يرضاه الله تعالى.. لذلك نجد الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لمن سأله : أي الناس أحق بصحبتي يا رسول الله؟ قال : >أمك<، قال: ثم من؟ قال: >أمك!<، قال: ثم من؟ قال : >أمك!<، قال: ثم من؟ قال: >أبوك!<.. فلا يمكن أن يكون هذا التأكيد ساريا ثلاث مرات: أمك، أمك، أمك، إذا كان الإنجاب سِفاحا، وكانت الولادة حراما.. بالتالي لا يمكن أن تكون هناك أخوة حقيقة بالمعنى الشرعي لأن المنطلق فاسد والنبت غير صالح..

الأسرة جوهر المناعة في المجتمع الإسلامي

الأمة اليوم يراد لها أن تُضرب في دماغ دينها، في المفهوم الديني للأسرة، لأن من يسعى لذلك يعلم أنه كلما تحقق ذلك، أصبح من السهل واليسير المرور إلى ما دونه. هم ماذا يريدون؟ يريدون بكل بساطة الوصول إلى المفهوم العلماني  للأسرة وحل المفهوم الديني لها.. ومن ثم القضاء بالكلية على أهم خاصية اجتماعية تُنتَج وتبنى على المفهوم الديني للأسرة ألا وهي خاصية “الحياء”. ولكم أن تتساءلوا: لماذا يخجل الابن من أمه؟ لماذا تستحي الفتاة من أبيها؟ لماذا يستحي الأبناء من أبويهم؟ من أين جاء هذا الحياء؟ والجواب: أنه جاء من أساس واحد هو العلاقة الجنسية المبنية في الإسلام على خلق الحياء ممارسة وكلاما ومظهرا، الأبناء لا يستطيعون تغيير ملابسهم أمام آبائهم حياء.. فكل ما يتعلق بالحياة الجنسية للإنسان يدور به شيء اسمه الحياء في الإسلام. ليس المنع بل الحياء يعني أنه يُمارس بشكل جمالي إنساني راق، الحياء خلق عظيم يترك الأسرة منسجمة ومتماسكة، وكل ذلك كان نتيجة الكلمة الأولى والأصل الأول الذي انطلقت منه هذه الشجرة ألا وهو القِرَان على سنة الله ورسوله..

والأمر ليس على نفس الشاكلة إذا كان منزوع الحياء، يمارس بشكل بهائمي، وهذا ما يحصل اليوم في أوروبا، حيث ماتت معاني الحياء وأصبح الناس كالبهائم بل أضل كما قال تعالى {كالانعام بل هم أضل}، لقد ماتت القيم الأخلاقية المتعلقة بخلق الحياء بعد انهيار القيم الدينية المتمثلة في النصرانية، حيث كانت بمثابة المرجع الذي يؤطر مفهوم الأسرة دينيا، فلما انقرض الحياء، انقرضت  واندرست آخر معاني الدين في هذه الديار..

بناء الأسرة هو بناء للمجتمع

جاءت أحكام الأسرة في القرآن الكريم مفصلة بشكل لا يدع مجالا للاجتهاد العقلي.. فهناك أحكام الزواج، وشكله، ووقته، وشروطه.. ونجد أحكام الرضاع والفطام والنفقة، وكذلك الطلاق وما يرتبط به.. نجد كل الأعمال التي تقع بين الزوجين مفصلة تفصيلا إلى درجة الجزئيات، وهذا يعني أن القرآن الكريم يضع النقط على الحروف-كما يقولون- في مسألة الأسرة ولا يترك مفهومها عرضة للأهواء والضياع، أو للتأويل والفهم الخاطئ.. والهدف هو أن تبقى أمور الأسرة أمورا ثابتة لا تخضع لزمان متطور أو لمكان متغيّر، لقد أراد الله سبحانه وتعالى أن تبقى أحكام الأسرة ثابتة لا يغيرها أحد، أن تبقى ديناً لا تتدخل فيه تأويلات المذاهب الفكرية، ولا الأهواء السياسية أو الأغراض الدنيوية.. ولقد بقي المغرب محتفظا بالقيم الدينية الخاصة بالأسرة في مدونة الأحوال الشخصية، المصدر الوحيد الذي لم يلحق به انحراف رغم الأصوات المنادية بالتغيير والتبديل والخروج عن طوع الله تعالى في أحكام الأسرة.. ولعمري لو أن المغاربة لم يطبقوا ما جاء في هذه المدونة لكفرنا منذ زمن بعيد!! اسمعوا ماذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : >كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه..< وهذا يعني أن الأب والأم هما من يصنع الدين في الطفل، أي أن الأسرة هي القناة الوحيدة الضامنة لاستقرار الدين في هذه الأمة.. فالدين في هذه البلاد لم تحمه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ولم تحرسه الجماعات الدينية، الدين في المغرب كان قبل الجماعات الدينية، وسيبقى بانعدامها أيضا، وهذا نقوله لكي لا يبقى عند بعض الناس غرور ويقولوا أن الحركة الإسلامية هي التي كانت سببا في بقاء واستمرار الدين في المغرب.. كلا!.. نعم هي تعين وتجاهد، ولكن ليست السبب في الاستمرار.. فلا هي المؤسسات الرسمية ولا هي المؤسسات الشعبية التي تحمي الدين في المغرب، ولكن الذي يضمن استمرار التدين في المغرب هو الأسرة، وهذا هو الذي سيبقى صمام الأمان للمجتمع ما دمنا نتزوج على سنة الله ورسوله، فما دمنا على هذه الشاكلة نتزوج على وفق شرع الله تعالى فسنبقى مسلمين بإذن الله عز وجل، وهذا يؤكد مرة أخرى أن الأسرة في المنظور الإسلامي ليس عقدا من عقود الدنيا بل هو عقد من عقود الآخرة، والدخول إلى باب الأسرة يجب أن يكون من الباب الشرعي، وهو ما يسميه العلماء(باب الإذن) الباب المأذون فيه، وهو الذي أعطاك الله تعالى فيه الإذن بالولوج. وهناك باب ممنوع ليس لك فيه إذن، فهو المحرمات، يكون محاطا بسياج من الأحكام الدينية (هذا حلال وهذا حرام).. إذن الأسرة هي الدين، والدين هو الأسرة!!..

د. فريد النصاري

محاضرة ألقيت بإسبانيا : أعدَّتها للنشر(بتصرف): خديجة بـوهـو

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *