التهييءُ الربانيُّ للنبوَّة الخاتمة قبْل البعْثة المُحمديّة


مقدمة ضرورية :

إنّ الكَلام عن ذكرى المولد النبويِّ في عصْر تبلَّد فيه الإحساسُ المحليُّ والعالميُّ، والفردِيُّ والجماعيُّ، وأكثر من ذلك الإحْساسُ الدّعويّ، حيث أصْبح المُسْلم يشعُر -في أعظم ذكرى- كأنه يُنادَى من بعيد لشراء سلعته التي هي أحسن سلعة، ولكنه -مع الأسف- فرَّط فيها حتى كادَ ينساها، بلْ تطاول عليها الغرباءُ والمغرّبُون فزوَّرُوها وشوَّهُوها، وأصْبحُوا يعْرضونَها على أصحابها الأصليِّين، الذين يعرفون أنها سلعة مزورة، ومع ذلك يقْبَلُونَها على أنها سعلة الله الغالية، وهي في الحقيقة سلعة البشر البالية.

إن الاحتفال بذكرى المولد النبوي هو احتفالٌ -في الحقيقة- بذكرى أعظم سلعة أنزلها الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم المُحتَفَى به، وكلَّفه بعرضها على الناس، فكان أحْسن عارض لها، لأنه هو أيضا -صِنعةُ الله- فهو الذي ربّاه وآواه فأخرجه صورة حيَّةً مطابقة للسلعة الربّانيّة المعروضة {أَلَمْ يجِدْكَ يَتِيماً فآوَى ووجَدَك ضَالاًّ فَهَدَى}(الضحى : 7).

فكانتْ ثمرة الإيواء الرباني، وثمرة التربية الربانية إخراج محمد صلى الله عليه وسلم في ذِروة الكمال الإنسانيّ الذي لا كمال فوقه، لأن الله عز وجل جَمَع فيه أخلاق جميع الأنبياء والرسل السابقين، ثم قال له {أُولئِك الذِين هَدَى اللّه فبِهُدَاهُم اقْتَدِهْ}(الأنعام : 91).

> محمد صلى الله عليه وسلم بالكمال الإنساني الذي اجتمع فيه ما تفرَّق في غيره من الأنبياء والرسل.

> ومحمد صلى الله عليه وسلم بـــالوِسام الربّاني الخالد : {وإنّك لعَلَى خُلُقٍ عظِيم}.

> ومحمد صلى الله عليه وسلم الذي تُعْرفُ حياتُه الإنسانيّةُ من الميلاد إلى الممات لا يخْفَى منها شيء صغيراً كان أو كبيراً.

> ومحمد صلى الله عليه وسلم الذي تُعْرف حياتُه الدّعوية من {اقْرأ باسمِ ربِّك} إلى {وأتْمَمْتُ عليكُم نِعْمتي ورَضِيتُ لكُمُ الإسْلامَ ديناً}(المائدة : 4).

> ومحمد صلى الله عليه وسلم الذي أرغم الدكتور >مايكل هارت< على أن يضَعَهُ على رأس قائمة المائة من الرجال العظام في التاريخ، وعلَّل ذلك التقديم بقوله >ولكنَّهُ الرجُلُ الوحيدُ في التاريخ كله الذي نجَح أعْلى نجاحٍ على المُسْتَويَيْن : الدينيِّ والدُّنْيويِّ<.

إنه كلام عميق يدلُّ على التمزُّق الذي كان يرى عليه الإنسان الأوربيَّ والأمريكيَّ.

حيث إن الإنسان خلقَهُ الله جسداً وروحاً، ولكن الإنسان الغَربيَّ لم يستطع المواءَمة بين الر وح والجسد، أيْ بين الدِّين والدنيا، ففصَل الروح عن الجسد، وفصَل الدِّين عن الدّنيا.

ولم يستطع أيضاً المواءمة بين عَالَم الغيْب وعالَم الشهادة، فعاش في عالم الشهادة وأنْكَر عالم الغيب، أو تنكّرَ له {يعْلَمُون ظاهِراً من الحَيَاةِ الدّنْيا وهُمْ عنِ الآخِرة هُمْ غَافِلُون}(الروم : 6).

ذلك التمزُّقُ كان قديما، ولكن الإنسان الأوربيّ والأمريكيّ فصَلَ ذلك بصفة رسميّة، فجعل لحياة الدنيا مؤسسات وقوانين، ولحياة الروح -في نظرهم- مؤسسات خاصة، وقوانين خاصة، ومجالات خاصة.

وصُدِّر إليْنا هذا التمزُّق -مع الأسف- مع أننا عندنا فيما نزل على الرّجُل الأول في التاريخ الإنسانيِّ على حسب >مايكل هارت< : {وابْتَغِ فِيما آتَاك اللّه الدّارَ الاخِرة ولا تنْسَ نَصِيبك من الدّنْيا وأحْسِنْ كما أحْسَن اللّه إِلَيْك}(القصص : 77).

> رجُلٌ كهذا

> ورسُولٌ كهذَا

> وكَمَالٌ كَهَذا

< هَلْ يُحْتَفى بذكراه بالطُّبول والمزامير وجَرْح الرؤوس بالشّواقير؟!

< وهلْ يُحتفى بذكراه بمجرّدِ الأمداح والأشعار والغناء والرّقص؟!

< وهل يُحْتفى بذكْراه بالأناشيد والوقوفِ على الأقدام؟!

< وهل يُحْتفَى بذكراه بمجرَّد الاجتماع بالمساجد وإحراق البُخُور؟!

فهل هذا يُعْتبَرُ احتفاءً حقيقيا يليق بِمقَام المُحْتفَى به؟! وبرسالَة المحتفى به؟!

بعد ذلك نتساءل :

هل هناك دين أحسن من دين الإسلام؟

وهل هناك دعوة أحسن من الدعوة للإسلام؟

الله تعالى يقول : {ومَنْ أحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ للّهِ وهُوَ مُحْسِنٌ واتّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيم حَنِيفاً}(النساء : 124). ويقول : {ومَنْ أحْسَنُ قوْلاً ممَّنْ دَعَا إلى اللّه وعَمِلَ صالِحاً وقال : إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِين}(فصلت : 32) أيْ دعَا إلى الله وتحدى بدينه وانتسابه إلى ربه.

> لأنّه خيرُ مَن يمشي على الأرض {إنّ الذِين آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِك هُم خيْرُ البَرِيئة}(البينة : 7).

> لأنه من عبد الله وأوليائه وكفاه بذلك شرفا {يَا عِبادِي لا خَوْفٌ علَيْكُم اليوْم ولا أنْتُمْ تحْزَنُون}(الزخرف : 68).

> لأنه مرضِيٌّ عنه {رَضِيَ اللّه عنْهُم ورَضُوا عنْه}(البينة : 8) {يا أيّتُها النّفْس المُطْمئِنّة  ارْجِعِي إلى ربِّكِ رَاضِيةً مرْضِيّةً فادْخُلِي في عِبادِي وادْخُلِي جنّتِي}(الفجر : 32).

> لأنه مكفول له التيسير والرزق والخروج من كل المآزق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، {ومن يتّقِ اللّه يجْعَل لهُ مخْرجاً ويرْزُقْه مِن حَيْثُ لا يحْتَسِب}(الطلاق : 2) {ومَنْ يتّقِ اللّه يجْعل لهُ من أمْرِه يُسْراً}(الطلاق : 4).

> لأنّه منصور {إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والذِين آمَنُوا في الحياةِ الدّنْيا ويوْم يقُومُ الأشْهادُ}(غافر : 51).

> لأنه مكْفِيٌّ كُلّ شُرُور الخُصُوم {إنّا كَفَيْناكَ المُسْتهْزِئِين}(الحجر : 95) {ذَرْنِي ومَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الحدِيث سنَسْتدْرِجُهُم مِنْ حَيْثُ لا يعْلَمُون وأُمْلِي لهُم إنّ كَىْدِي مَتِين}(القلم : 44).

الاصطفاءُ سُنَّةٌ ربّانيّة :

دين كالإسلام، ودعوة كالدعوة إلى الله تعالى!!

هلْ يُختارُ لمثْل هذا الدِّين مطلق البشر؟! من مطلَق المعادن؟!

ومن مطلق الأماكن؟! ومن مطلق الحَمَلة والورَثة؟!

كَلاَّ!!!

هذا الدِّينُ يحملُهُ المُصْطَفَوْن الأخيار {إنّ اللّه اصْطَفَى آدَمَ ونُوحا وآلَ ابْرَاهِيم وآلَ عِمْرانَ على العَالَمِين ذُرِّيةً بعْضُهَا مِنْ بَعْض}(آل عمران : 33).

ويحمله الورثة المُصْطَفَوْن {ثُمّ أوْرَثْنا الكِتابَ الذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبَادِنا}(فاطر : 32).

ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في نسبه : >أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. إن الله خلق الخلق فجعلني في خيْرهم، ثم جعلَهم فِرْقَتَيْن فجعلنِي في خيْرهم فِرقَةً، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتاً فجَعَلَني في خيرهم بيْتاً، وخيْرهم نفْساً<(الترمذي).

وقال : >إن الله اصطفى قريشا من كِنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم<(مسلم).

وقال : >إن الله اصطفى من ولد ابراهيم  اسماعيلَ، واصطفى من ولد اسماعيل كنانةَ، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم<(ابن سعد وصححه الألباني).

وقال : >خرجتُ من لَدُنْ آدم من نكاح غير سِفاح<(مسلم).

اختيار الزمان :

وقال صلى الله عليه وسلم : >بُعثتُ من خيْر قرون بني آدَم قرناً فقَرْناً حتى كنتُ من القرْن الذي كنتُ فيه<(البخاري). وقال صلى الله عليه وسلم : >إني عبدُ الله وخاتِمُ النبيئين وإن آدَم لمُجندلٌ في طِينَتِه، وأنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة أخي عيسى، ورأت أمِّي حين حَمَلتْ بي كأنّ نوراً خرَجَ منها فأضاءتْ له قصورُ بُصْرى من أرض الشام<(ابن اسحاق وأحمد).

 اختيار البلد :

واختار الله تعالى له البَلَد الحرام الذي فيه المسجدُ الحرام {إنّ أوّلَ بْيتٍ وُضِعَ للنّاسِ للذِي ببَكّةَ مُباركاً وهُدًى للْعَالَمِين فِيهِ آياتٌ بيِّناتٌ مَقَامُ إبْراهِيم ومَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً}(آل عمران : 97).

وهذا إشعارٌ من أوّل مرّة بأنه سيكون رحمةً للعالمين، لأنه وُلِدَ بمكان المسجد الحرام الذي هو قِبلةُ العالمين، وهُدَى العالمين.

وإشعارٌ أيضاً بأن دينه سيكون أمنا لجميع الناس كالمكان الذي جعله الله أمْناً لجميع الناس.

اختيار عام المولد :

واختارَ الله له أن يكون عامُ موْلِدِه عام انتصار لمقام البيت على الطاغية أبرهة، إكراماً لمقدَم رسُول الله صلى الله عليه وسلم للمحافظة على المَبْنَى المقرونة بقدوم المعْنَى.

فالشخص المؤهل للمحافظة على معنى البيت هو محمد صلى الله عليه وسلم الذي اقترنتْ ولادتُه بهذا الحدث العظيم، إكراماً لقدومه، وإرهاصاً بقرب بزوغ رسالته.

ألَمْ تَرَ إلى التشريف الكبير الذي ضمَّنَهُ الله تعالى قوله : {ألَمْ ترَ كَيفَ فَعَلَ ربُّك بأصحاب الفيل} كأن الله تعالى يقول له : ما فعل ربك معبودُك بالحق ما فعَل بأصحاب الفيل إلا من أجل قدومك لتكون رسالة للعالمين، ومؤتمناً على حفظ البيْت الذي هو هُدًى للعالمين.

واختار الله له أسماءَه :

فهو : >محمّد< أي لا ينقطع حمْده لا في الدنيا ولا في الأخرى، وما كان محمداً و محموداً إلاّ لأنه كان أحْمَدَ الحامِدين، ولذلك كان اسمُه أحْمَد أيضا.

ونزلت عليه سورة الحمد التي ليست موجودة إلا في أمة الحمد، وسيكون يوم القيامة هو الحامِل للواء الحمد.

وقد ورد الاسمان معا في القرآن الكريم {وما مُحمَّد إلاّ رسُولٌ قدْ خَلَتْ مِن قبْلِه الرُّسُل}(آل عمران : 144) {ومُبَشِّراً برَسُولٍ يَاتِي مِنْ بْْعْدِي اسْمُهُ أحْمدُ}الصف : 6).

 واختار الله تعالى له أمته :

قال ابن مسعود رضي الله عنه : >إن الله نظر في قلوب العباد فاختار محمداً صلى الله عليه وسلم فبعثَهُ برسالته، وانتخَبه بعلمه.

ثم نظر في قلوب الناس بعده فاختار الله له أصحابا فجعلهم أنصار دينه، ووزراءَ نبيّه، فما رآه المؤمنون حسنا فهو حسن، وما راه المؤمنون قبيحا فهو عند الله قبيح<(الحلية لأبي نعيم وغيره).

وهذا مصداق قوله تعالى : {وكَذَلِك جعَلْناكُمُ أمّةً وسَطاً لتَكُونُوا شُهَداء على النّاسِ ويكُونَ الرّسُولُ علَىْكُم شَهِيدا}(البقرة : 142) {كُنْتُمْ خَيْر أمّة أخْرِجَتْ للنّاسِ تامُرُون بالمعرُوفِ وتنْهَوْن عن المُنْكرِ وتُومِنُون باللّه}(آل عمران : 110) {محمدٌ رسولُ اللّه والذِين معَهُ أشَدّاءُ على الكفّارِ رُحَمَاءُ بيْنَهُم}(الفتح : 29) {فأنْزَلَ اللّه سَكِينَتَهُ على رسُولِه وعلَى المُومِنين وألْزَمَهُم كَلِمَة التّقْوَى وكانُوا أحقَّ بِها وأهْلَهَا}(الفتح : 26).

وهذه شهادة استحقاق لهذه الأمة نزلتْ من عند الله تعالى لتكون شرفاً لهم تبيّضُ وجوههم في الدنيا بالأعمال الصالحة، والدعوة الصادقة المخلصة المنقدة للإنسان من وهْدة الظلم والضلال والزيغان، وتبيض وجوههم في الآخرة بالفوز المبين، والرضا الكريم من عند الله الحليم.

ومن المميزات الكبرى لمحمد صلى الله عليه وسلم :

أ- أن الله تعالى أعْلَن عنْهُ وعرَّفَ بِه وبِأُمَّتِه :

> أخْرج الإمام أحمد بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال : >أجَلّ إنه والله لموصوف في التوراة بصفته في القرآن : يا أيها النبيء إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحِرْزاً للأميِّين -حِضْناً وذُخْراً لهم- أنت عَبْدي ورسولي، سميتُك المتوكِّل، لا فظٌّ ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يدْفعُ السيئةَ بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولَنْ يقبضه الله حتى يُقيم به الملّة العوْجاءَ، بأن يقولوا >لا إله إلاّ الله< يفتح به أعْيُناً عُمْياً، وآذاناً صُمّاً، وقلوباً غُلْفاً<. وذكر ابن كثير في البداية :أن الله أوحى إلى داوود في الزبور :

>يا داود إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد ومحمد صادقا سيدا، لا أَغْضَبُ عليه أبداً، ولا يُغضِبُني أبدا، وقد غَفَرْتُ له -قبل أن يعْصِيَني- ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأمَّتُهُ مرحومة، أعطيتُهم من النوافل ما أعطيتُ الأنبياء، وفرضْتُ عليهم الفرائضَ التي افترضتُ على الأنبياء والرُّسل، حتى يأتوني يوم القيامة ونورُهم مثلُ نور الأنبياء، يا داود، إني فضَّلْتُ محمدا وأمته على الأُمم كُلها<.

وأخرج أبو نعيم في الحِلْية في صفة محمد وأمته :

قال : أجِدُهُم في كتاب الله تعالى : >إنَّ أحمدَ وأمَّتَه حَمَّادون، يحمدون الله تعالى على كل خير وشر، ويكبِّرون الله على كل شًَرَف، ويسبِّحون الله في كل منزل، نداؤهم في جَوِّ السماء، لهم دَويُّ في صلاتهم كدويِّ النحل على الصَّخْر، يُصَفُّون في الصلاة كصفوف الملائكة، ويُصفُّون في القتال كصفوفهم في الصلاة، إذا غَزَوْا في سبيل الله كانت الملائكة بين أيديهم ومن خلفهم، وإذا حضروا الصَّفَّ في سبيل الله كان الله عليهم مظلاّ، كما تظلُّ النسور على أوكارها<.

وهذا كقول الله تعالى : {سَأُلْقي في قُلُوب الذينَ كَفَرُوا الرُّعْب}(الأنفال : 12) وقول الله تعالى : {وقَذَفَ في قُلُوبِهِم الرُّعْبَ}(الأحزاب : 26)

ب- المزية الثانية : إلزامُ الأنبياء بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبنُصرته :

أخذ الله عز وجل الميثاق على جميع الأنبياء بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم. وأمرهم بأن يأخذوا الميثاق على أممهم بأن يومنوا بمحمد عندما يُبْعَث {وإذَ اَخَذَ اللَّهُ ميثَاق النَّبيئين لمَا آتيناكم مِنْ كتَابٍ وحكمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لتُومِنُنَّ به ولَتَنْصُرُنَّهُ. قال : آقْررْتُمْ وأخَذتُم على ذلِكُم إِصْري؟! قالوا : أَقْرَرْنا. قال : فاشَهَدُوا وأنَا مَعَكُم منَ الشَّاهِدينَ فمن تَولَّى بعْد ذلك فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسقون}(آل عمران : 81- 82).

روى الإمام أحمد بسنده قال : جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إنّي أمَرْتُ بأخِ لي يهوديٍّ من قريظة، فكتب لي جوامِعَ من التوراة، ألا أعْرضُها عليك؟! فتَغَيَّر وجهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر : رضيتُ بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولا، فَسُرِّ عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال : >والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى عليه السلام ثم اتَّبَعْتُمُوهُ وتركتُموني لضَللْتُمْ، إنكم حَظِّي من الأُمَمِ، وأنا حَظُّكُم من النبيئين<.

قال ابن كثير : “فالرسول محمد هو الإمام  الأعْظَمُ الذي لو وُجدَ في أيِّ عصر وُجدَ لكان هو الواجبَ الطاعة، المقدَّمَ على الأنبياء كلهم، ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس، وكذلك هو الشفيع في المحشر، في إتْيان الرب جل جلاله للفصل والقضاء بين عباده، وهو المقامُ المحمود الذي لا يليق إلا لَهُ، والذي يحيدُ عنه أولو العَزْم من الأنبياء والمرسلين، حتى تَنْتَهي النَّوْبَةُ إليه، فيكون هو المخصوص به صلوات الله وسلامه عليه” (تفسير ابن كثير : 1/464)

بعض الأتباع الذين وفَّوا بالعهد وبشروا بمحمد صلى الله عليه وسلم

أخبرنا الله تعالى عن واحد من أنبياء بني إسرائيل الذين وفوا بهذا الميثاق، كما وفَّى جميع الأنبياء بدون شك، وهو عيسى بن مريم  عليه السلام {وإذْ قَالَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَني إِسْرائيلَ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُم مُصَدِّقاً لمَا بيْنَ يديَّ من التَّوراة ومُبَشِّرا برَسُولٍ ياتي من بَعْديَ اسمُهُ أحْمدُ}(الصف : 6)

> ومن النصارى :

أ- بَحيرى الراهب : الذي أخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم -أثناء رحلته مع عمه أبي طالب وهو ابن اثْنتَي عشرة سنة-  وقال :هذا  “سيد العالمين، هذا رسولُ رب العالمين يَبْعَثُه الله رحمةً للعالمين”(الروض الأنف 1/206)

ب- النجاشي : عندما استمع إلى ما يقوله القرآن العظيم في عيسى عليه السلام وأمه البتول الطاهرة، قال كلمته المشهورة : >ماَعَدَا عيسى ابنُ مَرْيَمَ ما قُلتَ  هذا العُودَ” وقال : “إن هَذا والذي جاء به عيسى ليخرُجُ من مِشْكَاةٍ واحدَةٍ<(ابن اسحاق).

ح- سلمان الفارسي رضي الله عنه : قال له راهبُ عمُّورية : والله ما أعْلَمُ اليومَ أحَدٌ على مِثل ما كنا عليه، ولكنه قد أظل زمان نبي وهو مبعوث بدين إبراهيم عليه السلام، يخرج بأرض العرب… به علامات لا تخفى : يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعتَ أن تلتحق بتلك البلاد فافعل<(الإمام أحمد، وابن إسحاق)

د- ورقة بن نوفل : قال : عندما أخره النبي  صلى الله عليه وسلم بخبر ما رأى في غار حراء – “هذا الناموس الذي نزَّل الله على موسى، ياليتَنِي فيها جَذَعاً…”

> ومن اليهود :

أ- عبد الله بن سلام. قال لليهود : “يا معشر يهود اتقوا الله واقبلو ما جاءكم به، فوالله إنكم لتعلمون أنه لرسول الله تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة باسمه وصفته”.

ب- مُخَيرق النضري من بني النضير : قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : >مخيرق سابق يهود، وسلمان سابق فارس، وبلال سابق الحبشة<.

قال مخيرق لليهود عندما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحُد : >ألا تنصرون محمدا؟ والله إنكم لتعلمون أن نصرته حق عليكم، فقالوا : اليوم يومُ سبتٍ، فقال : لا سَبْت لكم، وأخَذَ سيفه ومضى، فلمّا أثبتَتْه الجراحةُ، قال : >أموالي لمحمد يضعها حيث شاء< فمات شهيداً.

 التهيئة الربانية بعد الميلاد :

إذا كان الله عز وجل هو الذي يتولَّى بنفسه تربية الأنبياء والرسُل ليكونوا قُدوةً وحجّةً لهُ على الناس، سواء كان لهُم أبٌ كيوسف عليه السلام، أولَمْ يكن لهُمْ أبٌ كمحمد صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه تعالى : {ألَمْ يجِدْك يتِيماً فآوَى}(الضحى : 6) فإن التعبير القرْآنيّ يوحي بأن محمداً صلى الله عليه وسلم كان مُقَدّراً له في الأزل أن يكون يتيماً ليتَولّى الله تعالى تربيتَه وإيواءَه وتصنيعَهُ ليكون وُجودُه إنساناً كاملاً هو في حدِّ ذاته معجزةٌ ربّانيّةٌ دالةٌ على النبوة والرسالة، كما كان موسى عليه السلام معجزة دالة على صُنْع الله تعالى بالرغم من أنه تربَّى في دار عدُوّه فِرْعون.

إلاّ أن اليُتْم بالنسبة لمحمد صلى الله عليه وسلم كان من علاماته الكبرى الدّالة على ختْم الرسالات به كأمِّيَّته، وكوجود الخاتَم بيْن كتفيْه ليكون معْروفا بصفاته وعلاماته لدَى أتْباعِ الرسُل السابقين، وبذلك ينقطع عُذْرُهُم أمام ربهم، وأمامَ رسُلهم، وأمام أنفسهم، وأمام كُلِّ الناسِ الذين بعَث الله الرسل لإقامة الحجّة عليهم، ولذَلِك قال الله تعالى في أتباع الكُتب السابقة {الذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يعْرِفُونهُ كما يعْرِفُونَ أبْنَاءَهُم وإنّ فَرِيقاً منْهُمْ ليكْتُمُون الحقّ وهمْ يعْلمُون الحقّ من ربِّك فلاَ تَكُونَنّ من المُمْتَرين}(البقرة : 146).

أمّا كيف آواهُ الله تعالى وهيَّأه تهييئا كاملا ليكون مؤهّلاً لحمْل الرسالة الخاتمة؟!

فإننا نستطيع أن نقول -باختصار- إن الله تعالى صنعه على عيْنه، وتولاّه بالرعاية والعناية في مُخْتَلِف أطوار حياته إلى أن بلغ سِنّ الأربعين رجُلاً كاملاً أمِيناً لا يستطيع أحَدٌ أن يجدَ مطْعَناً في أي ناحية من نواحيه الخلقية العالية.

فشمل الإيواء :

< تهييء ثلاثِ مُرضاعاتٍ له : أمُّه آمنة، وثويبة جارية أبي لهب، وحليمة السعدية التي رأت من البركات على يديْه مالا يستطيع توفيره إلا الله تعالى.

< أخرجه للبادية ليشب قويا، فصيحاً، متعوداً على الخشونة، متواضعاً.

< شق صدْرَه لتطهيره من كل أمراض القلوب.

< جعله يرْعَى الغنم ليتعلم كيف يرعي البشر.

< حفظه من كل أقذار الجاهلية فما مَسّ صنما، ولا أكل لحما مدبوحاً على صنم.

< شارك في بناء الكعبة، وحَلَّ مشكلة وضع الحجر الأسود في مكانه.

< علّمه الله تعالى التجارة كما علّمه الرّعْيَ.

< شهِد إبرام حِلْف الفُضول وتمنّى لو دعي به في الإسلام لأَجاب، كما شهد قبله حرْب الفجار، ليُطلِعَه الله على مكارم الجاهلية وقبائحها ليصلح الأوضاع عن علم ودراية.

< وزوجه بخديجة رضي الله عنها لتغمره بمودة الزوجة وجنان الأم.

 بعض المستفادات :

1) لا أمَلَ في دعوة ناجحة بدون تكوين الدّعاة الناجحين، فالتكوين سنة ربانية، وسنة نبوية.

2) ولا أمَل في تكوين الدّعاة الناجحين إلا بحُسْن الاصطفاء لهم، لأن الدِّين لجميع الناس، أما الدّعوة فهي مهمّة خير الناس.

3) ولا أمَل في إثمار التكوين إلا بطول المدة، وتنوُّع التّثقيف والتدريب، وحُسْن الإشراف على {قم الليل} و{قم فأنذر} {ورتل القرآن} و{فاستقم كما أمرت} و{بشِّرْ} و{قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن} و{إنما يخشى الله من عباده العلماء} و{ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} و{إنما نطعمكم لوجه الله}.

فالله تعالى كوّن الرسول في أربعين سنة، والرسول بنى الأمة في ثلاث وعشرين سنة لأن التكوين الجيد يضمن :

أ- إحْسان العرْض لأحْسَن سلعة : ولحُسْن عرْضِ الرسُول صلى الله عليه وسلم للدعوة على القبائل نجد أن بيصرة بن فراس، قال : >لوْ أخَذْتُ هذا الشابّ لأكَلتُ به العَرب< ثم عرَض عليه أن يكون لهُ الأمْرُ من بعْده، إن قام بنُصرته فقال صلى الله عليه وسلم : الأمْرُ للّهِ يَضَعُه حيث يشاء. والأمثلة من حُسْن للعرض كثيرة جداً، ولوْلا حُسْنُ العَرْض ما أقام أحسن أمة في أقصر مُدّة.

ب- يضْمَنُ حُلول المشاكل : فقد كان صلى الله عليه وسلم يحُلُّ المشاكل بسرعة، فعندما كادت قريش تتقاتل على وضع الحجر الأسود عُرض الأمْرُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فحَلَّ المشكل حلاًّ رضي به الجميع.

حـ- يضمن وُجودَ الناظرين بنور الله {يا أيُّها الذِين  آمنُوا إن تتّقُوا اللّه يجْعَل لكُم فُرْقاناً}(الأنفال : 29).

د- ويضمن أيضا وجود المُحْسنين لقراءة المستقبل قراءة إيمانية : فقد بشر رسول الله المسلمين في غزوة الخندق بفتح الفرس واليمن والشام وهم في قمّة الخوف والجوع.

4) حُبُّ الرسول صلى الله عليه وسلم دين لا يكفي أن يكون له يوم واحد في السنة للاحتفاء به : قال الله تعالى : {قُلْ إن كان آبَاؤُكُمْ وأبْناؤُكُم وإخْوانُكُم وأزْواجُكُمْ وعَشِيرتُكم وأمْوالٌ اقْترفْتُمُوها وتجارَةٌ تخْشَوْن كسَادَها ومساكِن ترْضَوْنها أحبَّ إلَيْكُم من اللّه ورسُولِه وجِهادٍ في سَبيلِه فترَبَّصُوا حتّى ياتِيَ اللّه بأَمْرِهِ واللّه لا يهْدِي القَوْم الفاسِقِين}(التوبة : 24).

فقد هدَّد الله تعالى كُلّ مَنْ أحبَّ شَيْئاً أكْثَر من حُبِّ الله والرسول بالأمْر المكْروه، وعدّه من القوم الفاسقين.

وقال تعالى أيضا {قلْ إن كُنْتم تحبُّون اللّه فاتّبعُونِي يُحْبِبْكُم اللّه ويَغْفِرْ لكُمْ ذُنُوبَكُم واللّه غَفُورٌ رحِيم قُلْ اطيعُوا الله والرّسُول فإن تولّوْا فإنّ الله لا يُحِبُّ الكافِرين}(آل عمران : 32).

فقد جعل الله تعالى حبَّهُ مرْهونا باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته، فإذا نكل المسلمون عن حبِّ الرسول وطاعته عُدُّوا من الكافرين الذين يبغضهم الله تعالى.

إذا كان حُبُّ الرسول بهذه المنزلة فهل ينبغي أن يغيبَ عن قلوبنا وعقولنا وأذهاننا وأفكارنا في كُلِّ وقت من الأوقات؟! وهل يصحّ لنا دين إذا كُنّا نجهَلُ حقَّ الرسول صلى الله عليه وسلم، ونجهل حياتَه، ونجهل دعوته، ونجهل تربيته لا صحابه وأمته؟!

نسأل الله تعالى أن ينوِّر بصائرنا ويغرس في أرواحنا وقلوبنا حبّاً لله والرسول في كل حركة من حركات حياتنا حتى نلقى ربنا وهو راضٍ عنا، فيُنيلنا شفاعته وشربة من حوضه آمين.

أ. المفضل الفلواتي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *