الشيخ الخالدي في ذمة الله تعالى


في مساء يوم الاثنين 25 محرم لعام 1431هـ الموافق ل 11 يناير 2010م سقط نجم من نجوم تافيلالت.

إنه الشيخ الخالدي الذي انتقل إلى جوار ربه والعالم الإسلامي عامة وحفظة كتاب الله خاصة في احتياج إليه.

ـ لقد ولد الشيخ الخالدي بقصر تغنجاوت بدائرة الريصاني عمالة الرشيدية عام 1936م وحفظ القرآن الكريم على يد الفقيه الجليل الحاج الحسن الهلالي، وبعد التمكن من حفظه درس العلوم الشرعية على مجموعة من العلماء، وعلى رأسهم العلامة سيدي المدني والد الشيخ سيدي عبد الله بن المدني، حينها وعى الشيخ الخالدي حق الوعي قول الحبيب المصطفى  : >خيركم من تعلم القرآن وعلمه<، فجند نفسه لهذه المهمة وأخذ يحفظ القرآن الكريم بمسجد قصر تغنجاوت الذي كان قبلة في هذه المهمة للطلبة من مختلف أنحاء المغرب قصد حفظ القرآن الكريم على يد هذا الشيخ المبارك الذي كان لا يهدأ له بال حتى يرى طلبته في أحسن الأحوال. فكان رحمه الله رحمة واسعة لا يأكل حتى يأكل الجميع ولا ينام حتى ينام الجميع، ولا زلت أذكر وأنا أحفظ القرآن الكريم على يديه الكريمتين هناك. أنه في أحد الأيام بقي مجموعة من الطلبة بغير عشاء، فبعثني إلى منزله لآتي بكل ما يوجد من طعام. فأخرجت ما كان فيه، غير أنه لم يسد حاجة الطلبة كلهم، فنظر الشيخ إليهم وهو يقول : “أولاد الناس عندنا يبقوا بالجوع” وأخذ يبكي بكاءا شديدا حتى أبكانا معه جميعا” وأمثال هذه النازلة كثير في حياته مع طلبته.

ـ ولما كثر عدد طلبة القرآن الكريم (المرتبين في  عرف البلد) الوافدين على الشيخ ولم تعد مرافق المسجد كافية لهم، هيأ الله أحد الصالحين الذين ينفقون الغالي والنفيس محبة في القرآن الكريم -وبإشارة من الشيخ- فبنى بجانب قصر تغنجاوت مدرسة قرآنية تسع أزيد من 200 طالب، قارئين آكلين، شاربين قاطنين. إنه الحاج حيدة الذي كان يقطن رحمه الله تعالى بمدينة الدار البيضاء، وهي الآن تحمل اسم مدرسة عمر بن الخطاب للتعليم العتيق بقصر تغنجاوت.

ـ أما عن جنازة هذا الجبل العظيم الشيخ الخالدي خلد الله ذكره في الجنان فقد كانت جنازة مشهودة، حيث حضر إلى عين المكان جم غفير من طلبته ومحبيه الذين مثلوا كل مدن المغرب تقريبا. إنها جنازة فريدة ذكرتني بجنازة المرحوم  الدكتور فريد الأنصاري رحمة الله عليه وعلى شيخنا وأسكنهما فسيح جنانه، جنازة لم أر أحدا من الحاضرين إلا وهو يبكي ويقول : “أسعدا تو أسعدا تو” ويتمنى أن يكون هو صاحب تلك الجنازة.

كيف لا وقد أفنى رحمه الله تعالى حياته كلها في تدريس القرآن الكريم ومدارسته حتى فاق عدد المتخرجين على يديه الخمسة آلاف 5000 حافظ لكتاب الله.

عزيزي القارئ حتى لا أطيل عليك أرجع على وجه السرعة إلى جنازة المرحوم لأضعك في صورة حية لموكب الجنازة.

فقد شيعت جنازته رحمه الله بعد صلاة عصر يوم الثلاثاء 26 محرم 1431 هـ الموافق ل 12 يناير 2010م.  وصلى عليه ابن أخته الفقيه والأستاذ محمد المغراوي رئيس المجلس العلمي المحلي بابن سليمان. وتلا على الحاضرين رسالة التعزية التي تقدم بها عامل صاحب الجلالة على مدينة الرشيدية السيد عبد الله العميمي إلى أسرة الفقيد ومحبيه. وبعدها ألقى السيد رئيس المجلس العلمي المحلي لإقليم الرشيدية كلمة باسم المجلس العلمي الأعلى والمجلس العلمي المحلي. ليعقبه السيد المندوب الإقليمي للشؤون الإسلامية بإقليم الرشيدية بإلقاء كلمة باسم وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والمندوبية الإقليمية.

أما الشيخ سيدي عبد الله بن المدني فقد ألقى كلمة باسم العلماء في حق المرحوم ذرفت لها عيون الحاضرين وخشعت لها قلوب المحبين.

وإثر الانتهاء من مواراة جثمان المرحوم ألقى الأستاذ محمد الصغيري كلمة باسم  طلبة الشيخ ثم رفعت أكف الضراعة بدعاء خالص للمرحوم ولأمير المؤمنين وكل المسلمين والمسلمات في مشارق الأرض ومغاربها.

وفي الختام أقول لقد سقط برج عظيم من أبراج تافيلالت، وأفل نجم مضيء من نجوم سجلماسة بموت شيخنا المرحوم الشيخ الخالدي، هذه الفاجعة نزلت علينا كالصاعقة، لكن لا يمكننا أن نقول إلا ما يمكن  أن يقتبس من كلام خير الأنام سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام لما مات ابنه إبراهيم، فنقول لشيخنا المرحوم : إن العين لتدمع وإن القلب ليخشع ولا نقول إلا ما يرضي الرب وإنا على فراقك يا شيخ لمحزونون. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وصدق الله العظيم إذ يقول :{ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما ءاتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون}(الأنعام : 170).

ذ. عمر الدريسي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *