ألم قلم – شيء من العزة يُرغم العدو ويُمرغ أنفه في التراب


>نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإذا ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله<

كلمات عزيزة غالية، لخص فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما ينبغي أن تكون عليه سياسة الأمة في الداخل والخارج على حد سواء، حتى يهابها الأعداء ويحذرها المنافقون ويعتز المنتسبون إليها بأنفسهم وكيانهم ودولتهم ولغتهم وحضارتهم وثقافتهم، وقبل ذلك وبعده بدينهم.

ما حدث مؤخرا بين تركيا والكيان الصهيوني ليس بالأمر اليسير، رغم ما يمكن أن يبدو للبعض بأنه حدث بسيط، فتركيا التي أعلنت مؤخرا بواقع عملها وفعل سياستها الخارجية، أنها جزء لا يتجزأ من العالم الإسلامي، لم تفتأ في بلورة هذا الإعلان بشكل جدي في دعم قضايا الأمة دون أن تجد “حرجا” أو “تعارضا” بين هذا الدعم وبين ارتباطها باتفاقيات ومنظمات إقليمية ودولية، ولا بين نظامها الداخلي الذي ينص على أن تركيا دولة علمانية.

تبدأ القصة مع بداية محرقة غزة الصامدة، حينما بدأ منذ ما يزيد عن  سنة العدوان الصهيوني عليها برا وجوا وبحرا، وكان الموقف التركي متميزا منذ تلك البداية، حيث إن تنديد تركيا بالعدوان كان عمليا، ومستمرا بالدعوة إلى فك الحصار ومساعدة الشعب الفلسطيني في غزة، وتنتهي القصة -دون أن ينتهي مسلسل الأحداث طبعا- بموقفين متميزين :

– أولهما الموقف الإنساني من قافلة “شريان الحياة” لغزة. والمتتبع لأخبار تحرك القافلة من البداية إلى حين دخول غزة، يدرك بوضوح ذلك الموقف النبيل لتركيا، بما في ذلك تحرك سفيرها في مصر.

– ثانيهما : الموقف البطولي من إهانة نائب وزير خارجية الكيان الصهيوني لسفيرها، حين طلبت تركيا اعتذارا رسميا، حُدد باليوم والساعة، وبأن يكون رسميا مكتوبا لا شفويا عابرا.

ومن المعلوم أن الحدثين معا يرتبطان شكلا ومضمونا بغزة. فالحدث الأول إسهام في فك الحصار عن إخواننا في غزة، عن طريق تسهيل مرور القافلة بعد أن سُدت أمامها الأبواب، والثاني، دفاع عن ثقافتها الإسلامية التي تمثلت في مسلسل تركي يصور ما تعرض له الشعب الفلسطيني في غزة من إبادة، مما اعتبره الكيان الصهيوني “دعاية ضده” فكان ما كان من إهانة السفير التركي.

المهم أن الكيان الصهيوني اعتذر رسميا لتركيا قبل مرور الوقت الذي حددته وأعادت بذلك تركيا إلى سيادتها وعزتها رصيدا آخر، بعد الرصيد الشهير في مؤتمر دافوس الاقتصادي، حينما انسحب رئيس وزرائها محتجا على طريقة تسيير المؤتمر، وبسبب غزة أيضا، وعززت حصانتها الثقافية باستمرار المسلسل التركي دون توقف.

فأين هذه المواقف لدولة تعلن رسميا أنها علمانية، وعضو في الحلف الأطلسي وَ وَ…، من مواقف من ينادون ليل نهار بالأخوة الإسلامية وبالقومية العربية، وأن القضية الفلسطينية هي قضيتهم الأولى، وتجمعهم بالفلسطينيين قرابة اللغة والدين والجوار والتاريخ المشترك، والانضواء في منظمات توصف بأنها عربية وإسلامية.؟!

أين هذه المواقف من مواقف من اتخذ نفسه طرفا أساسيا في تشديد الحصار على إخواننا في غزة، فلا يسمح إلا بما سمح به العدو، ولا يفعل إلا ما فعله، إغلاق للمعابر وسد للأنفاق ومنع لأي تسلل وتسرب لما يقيم  أَوَد ذلك الشعب المسكين الذي يعيش في سجن كبير تحيط به الأسوار الظاهرة والباطنة من كل جانب، وتحدق به فوهات المدافع من كل ركن…؟!

لنتعلم شيئا من العزة من هذا الحدث الأخير لتركيا، فسيادة الأوطان لا ينال منها تقديم الدعم للجيران.

د. عبد الرحيم بلحاج

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *