مواقف و أحوال – امرأة تبكي من أجل دينها سنة 1


ما أحوجنا اليوم وبعد اليوم إلى النظر في سيرة الجيل الأول، جيل السواء الإيماني. الجيل الذي صنعه القرآن الكريم، ورباه النبي عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، إنه جيل الصحابة، جيل العظماء، وكل الصحابة عظماء. كلما قرأت لأحدهم موقفا أو سمعت عن أحدهم قصة ازددت لهم محبة وبهم تعلقا، وازددت يقينا في أن أنوار القرآن، وسيد الأنبياء عليه السلام قد انعكست عليهم بشكل مباشر  بسبب صدقهم في التوجه إلى الله عز وجل، وأوقفني كثيرا ـ من بين ما أوقفني من قصص هجرتهم ـ موقف- أسرة « سَلميّة » أبطالها : أبو سلمة، وأم سلمة، وسلمة، الأب والأم والإبن.

هذه الواقعة قرأتها مرارا، وتحدثت فيها مبديا ما ظهر لي من فوائد واستنتاجات مرارا، لكني كلما قرأتها من جديد وقفت أمامها مشدوها كأني أقرؤها أو أسمعها لأول مرة، وأجدني أعيش أحداثها وكأني كنت حاضرا هناك، لكني سرعان ما أدرك الحقيقة، فأبكي على واقع وواقع، وأتحسر على أسر وأسر، لكن أليس من الممكن أن نجتهد من أجل أسرة كأسرة أبي سلمة؟ تجعل رضى الله عز وجل غايتها ومقصودها! ذلك هو الواجب، وفي سبيله يموت كل شيء، وطريقه هي القرآن الكريم.. فتعالوا بنا إذن نتعاهد على قراءة هذا القرآن وتدبره ومدارسته وخدمته وتحفيظه والعمل به وتوريثه للأولاد والأحفاد، فذلك الذي بلغ بهذه الأسرة ما بلغ من التمسك بدينها، وبذل أنفسها وفلذات كبدها في سبيله؟

والآن دعونا نفسح المجال إلى أم سلمة رضي الله عنها تتحدث عن الأمر بنفسها فتقول : >لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحّل لي بعيره ثم حملني عليه وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري ثم خرج بي يقود بعيره، فلما رأته رجال بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها ، أرأيت صاحبتك هذه علام نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت فنزعوا خطام البعير من يده فأخذوني منه، قالت فنزعوا خطام البعير من يده فأخذوني منه، قالت : وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رهط  أبي سلمة فقالوا : لا والله، لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا، قالت : فتجاذبوا بُنََيَّ سلمة بينهم حتى خلعوا يده وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو  المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة، قالت : ففرق بيني وبين زوجي وبين ابني، قالت : فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح فما أزال أبكي حتى أمسي سنة أو قريبا منها حتى مر بي رجل من بني عمي أحد بني المغيرة فرأى ما بي فرحمني فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة، فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها، قالت : فقالوا لي : الحقي بزوجك إن شئت، قالت : ورد بنو عبد الأسد إلي عند ذلك ابني، قالت : فارتحلت بعيري ثم أخذت بُني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، قالت : وما منعني أحد من خلق الله!.. وكانت تقول : « والله ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة…< (1).

تلك هي أسرة أبي سلمة، وتلك زوجه!! أسرة مؤمنة صابرة محتسبة، رجل يختار دينه على زوجته وفلذة كبده، وامرأة تبكي سنة لتلحق بركب المؤمنين بالمدينة، وحين سُمح لها بالرحيل، انطلقت على بركة الله، وقررت قطع مسافة خمسين وأربعمائة كيلو متر كلها صحاري قاحلة وحيدة إلا من الله لا تخاف إنسانا ولا حيوانا، فإنها مهاجرة إلى الله، والله سيحميها.

رضي الله عنكم يا آل أبي سلمة، وجمعنا بكم في الفردوس الأعلى يوم القيامة.

—————-

1- السيرة النبوية لابن هشام 1/322


اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Commentaire sur “مواقف و أحوال – امرأة تبكي من أجل دينها سنة