مـصـيـبـة مـوت الـعلـمـاء


دروس وعبر لأولي الأبصار من وفاة الدكتور فريد الأنصاري عليه رحمة الله الخالق الباري

الحمد لله الدائم فضله و بره، النافذ أمره، الغالب قهره، الواجب حمده وشكره، الماضي حكمه، العدل قضاؤه، والصلاة والسلام على إمام المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. إن من سنن الله في خلقه أن جعل {لكل قوم هاد} يبشرهم وينذرهم ليلا يكون لهم على الله حجة بعد البلاغ و البيان. وختم الرسالات السماوية بالقرآن الكريم، وختم المرسلين بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، المبعوث رحمة للعالمين ورسولا إلى الناس أجمعين، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله.

وظيفة العلماء في الأمة :

إن الله اصطفى من أمة محمد  علماء ربانيين يرثون رسوله الأمين، ويخلفونه في أمته، يتلون عليها آياته ويزكونها ويعلمونها الكتاب والحكمة، فقال تعالى في حقهم: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلَمون الكتاب وبما كنتم تدرسون}(آل عمران : 79)، وفي قراءة (تعلَّمون) بتشديد اللام وضم التاء. والربانيون واحدهم رباني منسوب إلى الرب، وهو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. وهو المقتدي بالرب سبحانه في تيسير الأمور كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقيل: هو العالم بدين الرب الذي يعمل بعلمه، وإذا لم يعمل بعلمه فليس بعالم، لأن فائدة الدرس العلم، وفائدة العلم العمل. قال مجاهد: (الربانيون فوق الأحبار)، وقال النحاس: (وهو قول حسن، لأن الأحبار هم العلماء، والرباني الذي يجمع إلى العلم البصر بالسياسة). وقيل: هو العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي، العارف بأنباء الأمة وما كان وما يكون. وقال الحلبي: (الرباني منسوب إلى الرب بمعنى التربية، وذلك أن العلماء يربون العلم، أي يصلحونه ويتعلمونه ثم يربون الناس به فيعلمونهم كما تعلموا، ويصلحونهم كما صلحوا هم به) أنظر تفسير القرطبي لهذه الآية الكريمة فبهأولاء العلماء يحفظ دين الأمة، وتصان عزتها وكرامتها، ويذاد عن حياضها، وتتضح معالم الدين، وتحيا السنة وتموت البدعة، ويظهر الحق ويزهق الباطل. وبهم يتم الدفع فتصلح الأرض ولا تفسد، وتحمى الصوامع و البيع والصلوات والمساجد التي يذكر فيها اسم الله كثيرا ولا تهدم لقوله ، (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين) أخرجه الحافظ الهيثمي.

أي خسارة تحصل بوفاة العالم؟! :

ومن كانت هذه صفاتهم وأعمالهم، فكيف يكون الحال عند موتهم وقبضهم؟ إن موت العالم الرباني ليعد أعظم مصيبة تصاب بها الأمة، لأن بموت العلماء يقبض العلم وينتشر الجهل، وتنطمس النجوم التي يهتدي بها المهتدون، ويسود السفهاء ويستفتون فيفتون بغير علم فيضلون ويضلون، كما أخبر بذلك الرسول  في قوله: >إنما العلماء كمثل النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة<. وقوله  : >إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا<(متفق عليه).

ومما ورد في تفسير قوله تعالى: {أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها}(الرعد : 42)، عن ابن عباس في رواية قال : >خرابها بموت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها<.

وفي هذا المعنى قال الشاعر:

الأرض تـحيا إذا مـا عاش عالمها

متى يمت عالم منها يمت طرف

كـالأرض تحيا إذا ما الغيث حل بها

وإن أبى عاد في أكنافها التلف

ويقول الحسن البصري رحمه الله: >موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار<(رواه الدارمي).

موت فريد خسارة للمغرب وللمسلمين :

ولا شك أن موت أخي وأستاذي الدكتور فريد الأنصاري -رحمه الله- ليعد مصيبة عظيمة أصيب بها المغاربة عامة وأسرته الصغيرة والعلماء وطلبة العلم، ومدينة مكناس وجهة مكناس تافيلالت بصفة خاصة. وذلك لأنه -رحمه الله – كان عالما ربانيا حقا بالمعنى السالف الذكر، -ولا أزكي على الله أحدا- حسب علمي به بحكم الصحبة و الجوار والرفقة في الدعوة والإشراف على البحث العلمي أثناء إعداد رسالة الدكتوراه.

فبموته انطمس نجم يهتدى به، وقبض جزء من العلم النافع، ونقص طرف من أطراف الأرض، وحدثت ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء، وفقد حارس كان قائما على ثغر عظيم من ثغور الإسلام، فقد في منبره الذي كان يخطب عليه، وفي كراسيه العلمية،  وفي مجالسه القرآنية، وفي محاضراته الجامعية، وجلساته التربوية. ورفع قلمه، وجفت صحفه، وأغلق حاسوبه.

فاللهم ارحمه برحتمك الواسعة وآجر هذه الأمة في مصيبتها وأخلف لها خيرا منها.

دروس وعبر لأولي الأبصار في وفاة الدكتور  فريد الأنصاري :

إذا كانت الموت خير واعظ، والذكرى تنفع المؤمنين، والاعتبار من شأن أولي الأبصار من المسلمين، فإن أولى الناس بالتذكر والاعتبار عند موت العالم فئتان اثنتان :

< أولاهما: العلماء وأساتذة العلوم الشرعية والدعاة والخطباء والوعاظ : ومن الدروس و العبر التي تستخلصها هذه الفئة من مصيبة موت هذا العالم الرباني ما يلي:

1- إن صفة الربانية لا يتصف بها العالم بمجرد الشهادات العلمية ولا بالمناصب العالية والرواتب الغالية، وإنما يتصف بها من علم وعمل وعلَّم، وصلح بالعلم وأصلح الناس به، وأخلص كل ذلك لله تعالى، وقد جمع الله كل ذلك للدكتور فريد الأنصاري رحمه الله بفضله ومنه، كما جمعه لغيره من الربانيين من قبله وفي زمانه.

2- إن العالم والداعية الربانيين يحبهم الله وملائكته ويضع لهم القبول في الأرض، فيحبهم الناس ويثقون في علمهم، فيلتفون حولهم، ويتعلمون منهم، ويتربون على أيديهم، وكذلك كان الدكتور رحمه الله. وخير دليل على ذلك إقبال كثير من الناس على خطبه ودروسه ومحاضراته ومجالسه، وقراءة كتبه ومقالاته، وحضور ذلكم الجمهور الغفير من العلماء والدعاة وطلبة العلم والمحبين وعامة المسلمين لتشييع جنازته والصلاة  عليه والدعاء له بالمغفرة والرحمة وقلوبهم خاشعة حزينة وأعينهم دامعة. وقد عبروا بألسنة مقالهم وحالهم عن شديد حزنهم وأسفهم لفراقه ورحيله.

وليعتبرمن أعرض من الناس عن علمه ودعوته وخطبه ومواعظه، وليعد النظر في طريقته ومنهجه وقصده وصلته بربه، ولا يتهم إلا نفسه، وليحسن الظن بغيره، وليعلم بأن كلا ميسر لما خلق له.

3- إن الخير في رسول الله  وفي أمته إلى يوم الدين، وأن من قال هلك الناس فهو أهلكهم، وأن جل المغاربة ما يزالون على الفطرة، كلما وجدوا العلماء الصادقين والدعاة المخلصين الذين يرفعون الغشاوة عن أبصارهم وقلوبهم، ويعرفونهم بربهم وبعظمة دينهم، أقبلوا عليهم والتزموا بدينهم، وصدقوا في تدينهم.

4- إن في موت أخينا فريد -رحمه الله- في سن التاسعة والأربعين لدرسا بليغا لكل من يؤجل تعليم الناس الخير ودعوتهم إلى الله، وتربيتهم على الإسلام، ويغتر بطول الأمل، ويشتغل بدنياه عن أداء الأمانة وتبليغ الرسالة حتى يفاجئه الموت، وهو مفرط في جنب الله تعالى، ويتمنى عندها التأخير إلى أجل قريب حيث لا تأخير. فليحذر أمثال هؤلاء أن يعدهم الله ممن يكتمون ما أنزل من البينات والهدى فيلعنهم ويلعنهم اللاعنون ودرسا للذين يمزقون دينهم بترقيع دنياهم، فلا دينهم يبقى ولا ما يرقعون، ويشترون بآياته ثمنا قليلا فيأكلون في بطونهم نارا وهم يعلمون أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين. أعاذنا الله جميعا من النار.

5- أن يبتغوا الأجر عند الله تعالى بدعوتهم برفع الدرجات في الجنان، والنظر إلى وجهه الكريم، وبأن يرزقهم حبه وحب من يحبه وحب كل عمل يقرب إلى حبه، وأن يحشرهم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولائك رفيقا. وأن يعلموا أن خير مكافأة وأفضل هدية يقدمها لهم تلامذتهم ومحبوهم هي دعواتهم الصادقة بألسنة لم يعصوا الله بها  قبل موتهم وعندها وبعدها.

6- وأن يتفاءلوا ولا ييأسوا، وييسروا ولا يعسروا، ويبشروا ولا ينفروا، ويلزموا القول الحسن، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، و الوسطية والاعتدال، ويتجنبوا كل ما يثير الفتن ما ظهر منها وما بطن، ويتطاوعوا ولا يختلفوا، ويتحابوا ولا يتعادوا، ويتعاونوا ولا يتحاسدوا ويوقنوا بأن النصر من عند الله وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.

< وثانيهما: طلبة العلوم الشرعية: ومن الدروس والعبر التي يستخلصها كل طالب للعلوم الشرعية من وفاة العلماء ما يلي:

1- أن يبادر إلى اقتباس العلوم الشرعية ويجتهد في طلبها قبل هجوم تلك الأيام الدنيئة الرديئة التي يرفع فيها العلم ويقبض، وينتشرالجهل ويسود الجهال.لأن العلم يقبض بقبض العلماء كما جاء في الحديث، وكما في قول ابن مسعود ] : >عليكم بالعلم قبل أن يرفع، ورفعه هلاك العلماء<(رواه الدرامي).

2- أن يعلم بأن الأمة في حاجة إليه، تنتظره ليسد الثلمة التي حصلت في الإسلام، ويقوم على الثغر الذي تركه العالم الهالك، ويحل محل النجم الذي انطمس، ويبلغ الرسالة ويؤدي الأمانة.

3- أن يخلص النية لله في طلب العلم حتى يسهل الله له بذلك طريقا إلى الجنة، ويكون من العلماء الربانيين الوارثين لسيد المرسلين، الذين رفعهم الله درجات، وأشهدهم على وحدانيته وقيامه بالقسط، وشهد لهم بكمال الخشية منه .

4- أن يعلم بأن هناك فرقا كبيرا بين أن يكون أستاذا وبين أن يكون عالما، وأن بينهما عموما وخصوصا، فكل عالم أستاذ، وليس كل أستاذ عالما.

بارك الله في أعمار علمائنا ودعاتنا وفي علمهم، ونفع الله بهم وأصلح ما فسد في هذه الأمة على أيديهم.

و يسر الله أمرطلبة العلم وسدد خطاكم وعلمكم ما ينفعكم ونفعكم بما علمكم وفتح بصائركم. ورحم الله أخانا فريد الأنصاري ووسع مدخله وأكرم نزله، وغسله من الخطايا بالماء والثلج والبرد. وإنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله رب العلمين.

د. أحمد عزيوي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *