قراءة في الهجرة النبوية


… لقد كانت الهجرة النبوية إلى المدينة حدثا عظيما في تاريخ البشرية كلها وكانت معلما هاما غير وجه التاريخ وكانت أيضا فرقانا بين عهدين : عهد الكفر والجور والطغيان. وعهد الإيمان والانعتاق وظهور الحق على الباطل وبداية تأسيس الدولة الإسلامية.. دولة الحق والعدل، إيذانا بسقوط دول الكفر والطواغيت وانحصار الظلم والاستعباد والعلو في الأرض.

لهذه الأسباب كلها كانت بداية التأريخ الإسلامي هي الهجرة النبوية المباركة وليست أي حدث آخر…

ولم تأت الهجرة من فراغ وما كانت عفوية وإنما خَطَّط لها رسول الله  تخطيطا محكما لمدة ثلاث سنوات عجاف من الحصار والتنكيل والتجويع تعرض لها المسلمون معه في شعب أبي طالب… ثلاث سنوات تبين لرسول الله  من خلالها أن قريشا قد سدت في وجهه جميع منافذ الدعوة. فلم تعد مكة مكانا صالحا للدعوة ولا أرضا خصبة لاستنبات الإيمان والحق والعدل بعدما حولها أصحاب المصالح وطواغيت ذلك الزمان والمفسدون في الأرض إلى يباب خراب لا يُنبت خيرا ولا يُثمر بِرًّا… وهذا حال كل متكبر عنيد يضيق ذرعا من وهج النور في كل زمان ومكان. فلاهم قبلوا الهدى الذي جاء به رسول الله  ولا هم تركوه يصل إلى الناس… « كقيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ».

لهذا كله كانت الهجرة إلى المدينة ذات أهمية خاصة ولذلك لم يستثني رسول الله  من المشاركة فيها أحدا من المسلمين  فأمر الحفاظ على الإيمان والعمل على استنباته في أرض أخصب أمر يحتاج إلى جميع الطاقات ويحتاج إلى صبر ومصابرة وعمل شاق ومضني.

فالمهاجرون وهم يهاجرون تركوا ديارهم وأهليهم وأموالهم وجميع ذكرياتهم في مكة فذهبوا إلى المجهول لحياة مجهولة هم يعلمون علم اليقين أنها لن تكون مفروشة بالورود… تركوا ذلك كله ابتغاء لمرضات الله ورسوله. فهجرتهم كانت استعدادا لكل طارئ واستعدادا لحرب شاملة ضد الشرك والمشركين في الجزيرة العربية بل في العالم كله. فلم تكن الهجرة هروبا ولا فرارا من بطش قريش وإنما استعدادا وتأهبا لما هو أعظم وأجل. استعدادا لإقامة الدولة الإسلامية التي سوف يعم نورها  أصقاع العالم ويتفيأ ظلالها كل البشر بدون استثناء. لذلك عظم الله أجور المهاجرين وامتدحهم في قرآن يتلى إلى قيام الساعة : {والذين هاجروا في سبيل الله ثم قُتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وأن الله خير الرازقين، ليُدخلنهم مدخلا يرضونه وأن الله لعليم حليم}. وكان رسول الله  آخر من يهاجر، فلم يكن همه النجاة بجلده ـ كما يفعل معظم القادة والزعماء عبر التاريخ ـ وإنما تأخر حتى يطمئن على حال أصحابه المهاجرين إنه تصرف نبيل لا يصدر إلا عن نبي نبيل عظيم رباه ربه فأحسن تربيته وامتدحه في قرآنه الكريم {وإنك لعلى خلق عظيم}.

فسلوك رسول الله  وقتها هو نفس السلوك الذي يربي عليه ربان السفن في العالم بأن يكونوا آخر من يغادر السفينة في حالات الخطر.

لقد  كانت الهجرة بحق تتويجا وإيذانا بانتهاء المرحلة المكية التي خُصصت بكاملها للإعداد العقائدي، وترسيخ القواعد الإيمانية القوية والتدريب على تحمل المشاق والصبر في سبيل الله ورسوله والتضحية بالغالي والنفيس من أجل ذلك. إضافة إلى هذه القواعد الإيمانية تعلم الصحابة الأخلاق الحميدة  فتهذبت نفوسهم وسمت أرواحهم وتخلصوا من جاذبية الأرض وأخلاق الأرض وطبائع الأرض وملذات الأرض فارتقوا بذلك إلى قيم السماء وأخلاق السماء وملكوت السماء فرضي الله ورسوله عنهم وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا.

فلولا المرحلة المكية لما كانت هناك مرحلة مدنية ولا هجرة ولا بدرا ولا أحدا ولا شيئا من هذه الانتصارات العظيمة.

وبغير مكة ما كانت المدينة أصلا وبغير المهاجرين ما كان هناك أنصار وبغير إيمان وإخلاص ونية صادقة ما كانت هناك دولة إسلامية ولا سيادة ولا كرامة ولا تمكين.

وبعد.. فالهجرة كانت بحق حدثا عظيما وعبرة ودرسا لكل المسلمين في كل زمان ومكان. كانت خطابا لكل المسلمين والمستضعفين في الأرض ب :

– أن يهاجروا إلى الله ورسوله ويقبلوا على هديه وسنة نبيه  تعلما وتذوقا وتطبيقا ودعوة.

– أن يهاجروا ما نهى الله ورسوله عنه.

– أن يهاجروا إلى منظومة القيم الإسلامية الصحيحة.

– أن يهاجروا الاستكانة والتذلل للكفار والمستكبرين في الأرض فلن يجنوا من وراءهم إلا الخزي والدمار مع الذلة والمسكنة في الدين والدنيا والآخرة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *