بعض الخواطر عن أخينا الراحل فريد الأنصاري رحمه الله


كنا أنا والأستاذ الدكتور فريد الأنصاري رحمه الله رحمة واسعة مدعوَين للمشاركة في ندوة دولية نظمتها ندوة العلماء في “ساراواك” بالاشتراك مع الجامعة الوطنية الماليزية UKM وكان موضوعها “دور العلماء في الوحدة الإسلامية” وذلك في 13-16 يوليوز سنة 2003م  فانعقدت الندوة في فندق “هوليداي إن” في مدينة (كوجينك) وهي عاصمة أيالة ساراواك  التي هي إحدى الأيالات الخمس لماليزيا. وقد بقينا معا طوال خمسة عشر يوماً ليل نهار، وما رأيت منه أنه ترك ليلة صلاة التهجد قط ولا الأذكار بعد الصلوات وبخاصة صلاة الفجر حيث كان له أذكار طويلة.

افتتحت الندوة من قبل مسؤولين كبار وجمع غفير من الأساتذة والعلماء الذين أتوا من مدن شتى من البلاد. وأخذت أخبار الندوة الصفحة الأولى في صحافتهم. قدّم كلٌّ منا بحثه وترجم إلى اللغة المالوية. وأعجب بهما الحاضرون، ولاسيما أننا أتينا من بلاد بعيدة عنهم. حتى إن ملك الأيالة أكرمنا بدعوة عشاء ملكي فاخر.

ثم عدنا معاً إلى كوالالمبور. وألقى الأستاذ فريد محاضرة قيّمة لطلاب الدكتوراه والماجستير في الجامعة الإسلامية العالمية حول تاريخ المقاصد بدءاً بالإمام الشافعي والغزالي والشاطبي وغيرهم ومن ثم بيان موقع النورسي فيه.

ومن ثم دعانا أساتذة كلية الدراسات الإسلامية للجامعة الوطنية إلى مخيم أعدّوه على قمم الجبال المحيطة بكوالالمبور. فاستجبنا للدعوة. كان المكان جميلا بكل معنى الكلمة وهادئا جداً ومعداً لهذا الغرض من أماكن مبيت وقاعات محاضرات ومسجد وغيرها من المباني التي تتطلبها مثل هذه الأماكن.

وفي الحقيقة نعجز عن أن نعبر ما في أعماقنا من رغبة ملحة في الاندماج بهذا المدى من الجمال والجلال، وكأنه سمفونية تغريد تحيط بنا من كل جانب، فما كان لنا  إلا اللواذ إلى التسبيح بالقلب وباللسان أو بالنظر أو بالجوارح الأخرى، فالجمال الجليل يحرك مكامن القلب ويهيجها. وكان أخونا الفاضل رحمه الله يكرر عليّ الفرق بين التدبر والتفكر مستندا إلى الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة.

بقينا معهم يومين كاملين وأرادوا منا أن نتفرغ من كل شيء إلا صلاة الجماعة وتلاوة القرآن وقراءة في كتاب” مرشد أهل القرآن إلى حقائق الإيمان” لبديع الزمان سعيد النورسي. فأصبحنا في تلك الأيام الجميلة بين أحضان تلك المناظر الساحرة وكأننا في خلوة تدبرية عميقة. وختام تلك الأيام اجتمعنا على صورة حلقة ووجهوا لنا أسئلتهم وذكروا لنا انطباعاتهم.

وسأوجز أجوبة الأستاذ فريد على الأسئلة التي وجّهت إليه:

> السؤال الأول : نحن أساتذة التفسير وعلوم القرآن في كلية الدراسات الإسلامية نرى أن رسائل النور للنورسي لا تشبه التفاسير التي ندرّسها علما أنه يقول عنها أنها تفسير حقيقي للقرآن الكريم. فأي نوع من التفسير؟

فأجابهم الأخ فريد وكان بين يديه قدح ماء فأخذه ورفعه وقال: لنفرض أن هذا القدح مملوء عسلا، فيأتي الكيميائي الحاذق ويحلل العسل ويكتب أنه يتركب من : سكر الفلاني بكذا نسبة، والسكر الآخر بكذا نسبة، والصوديوم كذا والمغنسيوم كذا.. وهكذا وهو صادق وخبير. والآن لنفرض أنه آية كريمة بدل العسل فيأتي المفسر ويقول مثلا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا} التي ترد في القرآن بكثرة، وذلك لنُكت دقيقة ولطائفَ رقيقة، إذ هذا الخطاب مؤكّد بوجوه ثلاثة: بما في “يَا” من الإيقاظ، وما في “أَيُّ” من التوسم، وما في “ها” من التنبيه. وهكذا… وهذا كله صحيح ويقرّه المفسرون على اختلاف مشاربهم ومناهجهم. ولكن النورسي يأتي ويأخذ ملعقة من العسل ويؤكلك إياه فتتذوق حلاوة شهد الحقيقة القرآنية وطعمها. وهذه ما تفعله رسائل النور، ومن هنا أقول إن رسائل النور تفسير ذوقي. والقرآن كما يُدْرَس ويُتلىيُتذوق كذلك؛ ولذلك فقد جمعت كلمات بديع الزمان بين دقة العلم، ولطافة الذوق. وقد يتوهم قارئ رسائل النور لأول وهلة؛ أنها صفحات من الوعظ والتذكير فحسب؛ أو ورقات في أدب الدنيا والدين، على غرار ما كتب كثير من السابقين، لكن الباحث المتعمق، الصبور على المتابعة والاستقراء، يكتشف أن الأمر يتعلق (بفقه) خاص للكون والحياة والمصير! إلا أنه فقه أو (فلسفة) مستنبطة من القرآن الكريم، سواء فيما يتعلق بمصطلحاتها ومفاهيمها، أو ما يتعلق بقضاياها وإشكالاتها؛ ومن هنا عمق الجهاز المفهومي لدى بديع الزمان.

> سؤال آخر: نرى في رسائل النور الأحداث التي مرت بالنورسي أو مرّ بها، بل حتى الكلام عن أهل بيته أو طلابه مما لا نراه في تفاسير أخرى، وهذا يدفعنا إلى القول أنها قاصرة على فترة معينة، أي لابد لنا من رسائل أخرى لهذا العصر أيضاً.

فكان الجواب حاسما وطريفا في الوقت نفسه:

نعم، إن النورسي قد سجل سيرة حياته في الرسائل، ذكرها لتوظيفها في بيان أهمية الإيمان وبيان عظمة القرآن وأحقيته وكيف أنه أنقذه من ورطات وهموم، هذا أولا، فهي إذن ذكرُ توظيف وليس سرد تاريخ. هكذا ألّف النورسي رسائل النور، عبر حياة  متنقلة من سجن إلى سجن ومن منفى إلى آخر! ما بين رجل العلم والسياسة، الذي هو: (سعيد القديم)، إلى رجل القرآن والتربية، الذي هو (سعيد الجديد)؛ كان النورسي ينسج غلائل النور عبر رسائله النورية.. كل ذلك أدى إلى أن تكون رسائل النور ذات تداخل موضوعي وحيوي في الحياة، نعم فيها تسجيل لمراحل من عمر النورسي الحافل المديد: (83 سنة)، التي وظفت لبيان حقائق القرآن. وفيها نصوص وقضايا لا يتم فهمها إلا بردّها إلى أحداث وقوعها، كما أن فيها جزئيات هي لا يمكن فهمها إلا بإدخالها ضمن كُلِّيِّهَا!

وثانيا: إن القرآن الكريم كما هو معلوم لديكم قد أُنزل ليلة القدر كله إلى بيت العزة، ولكن تنزّل نزولا في مُهلة منجّما وفق الحوادث في ثلاثة وعشرين عاما. ولما كان القرآن يخاطب العصور كلها فحقائقه وأسراره تتوجه أيضاً إلى كل عصر وفق متطلبات ذلك العصر؛ فتُفاض إلى قلوب العارفين والصالحين من العلماء ويُلهمون بها ويبيّنونها إلى أبناء عصرهم. وقارئ الرسائل قراءة جادة يجد أنها تمثل حقائق القرآن المتوجهة لهذا العصر، هذا ثانياً.

ولذلك فإنك لما تقرأ كليات رسائل النور؛ تشعر كأنما هذه الرسائل قد كتبت لزماننا هذا، أو كأنما كتبت لك وحدك إذ أنها تكشف ما في نفسك من استفسارات. حتى تجد أحيانا كثيرة أن رسائل النور تسبق إليك بجواب لسؤال يدور في خلدك! فتنتشلك من ظلمات الحيرة والاضطراب، وتوقظ وجدانك: أن افتح عين قلبك! وأذن روحك!  وشهود بصيرتك! لتتلقى نور القرآن بنفسك، لا بواسطة غيرك.

أما ثالثاً: فإننا إذا أنعمنا النظر في الرسائل نجد أنها نسيج محبوك لتجليات الأسماءالحسنى حبكاً محكماً. حتى يمكننا القول : إن لُحمة الرسائل وسَداها هي الأسماء الحسنى وبيان معانيها المتجلية في الكائنات والأحداث، فما من رسالة إلا وفيها شرح وتوضيح لتجلي اسم أو لأسماء من الأسماء الحسنى؛ وبهذا تشرح المعاني المضمرة في حوادث الكون والأحداث المحيطة بنا. ومن هنا تغمر الطمأنينة والسكينة صدور قرائها بل تطفحان على وجوههم لما أبصروا من حقائق الأسماء المتجلية في الأحداث المحيطة بهم. ومن هنا نقول: إن الرسائل وحقائق القرآن التي فيها باقية ببقاء تجليات الأسماء الحسنى على هذا الكوكب. ومتى ما أنهت تلك الأسماء وظيفتها عليه تنتهي وظيفة الرسائل أيضاً.

وهنا أنهى الأستاذ فريد أجوبته وأضيف هذه الخاطرة استكمالا للموضوع:

قبل سنوات حضر الأستاذ الدكتور محسن عبد الحميد اسطنبول وألقى محاضرة قيّمة على الشبان العراقيين الساكنين فيها. كانت المحاضرة تدور حول ضرورة قراءة الكتب الإيمانية وبخاصة رسائل النور. وفي نهاية المحاضرة قال أحد الحاضرين من دون استئذان: إن أفق النورسي ضيق.. فتمعّر لون الأستاذ محسن ووجهه على هذا الكلام الذي أُطلق جزافا، وردّ عليه بأسلوب علمي جيد وقال:

إن أفضل مَن كتب عن الأسماء الحسنى هو الإمام الغزالي بلا منازع، وذلك في كتابه ” المقصد الأسنى في شرح الأسماء الحسنى” رغم وجود كتب أخرى نفيسة في هذا الباب. فالإمام الغزالي فاق الآخرين لتناوله كل اسم من الأسماء بالشرح والإيضاح ونصيب الإنسان من هذا الاسم، وهذا هو سر تفوق هذا الكتاب على نظائره.

والآن لننظر كيف تناول النورسي تجليات الأسماء الحسنى؛ لقد أخذ النورسي كل اسم من الأسماء ونصيب كل موجود من الموجودات من هذا الاسم وليس الإنسان وحده؛ بمعنى أنه بيّن أن تجليات الأسماء تستولي على الوجود كله، فأينما تولّ وجهك تجدها وأينما تنظر تراها مثلما قيل:

وفي كل شيء له آية

تدل على أنه واحد

فهل هذا يا أخي الحبيب أفق ضيق؟ أم واسع سعة الوجود كله ببركة القرآن الكريم.

وهكذا انتهت تلك الأيام القصيرة زمنا الطويلة معنى. ولدى عودتنا لما كنا في الطائرة بدأ ينظم قصيدة لا أدري أية قصيدة كانت إلا أنني كنت أسمع منه تمتمات وترنمات ترن في أذني متناغمة تناغم الموسيقى.

ولعل خاطرة أخرى تفيد الباحثين:

سمعت منه شرحا لم أسمعه من قبل حول المجدد الذي يبعثه الله سبحانه على رأس كل مئة سنة، كما ورد في الحديث الشريف. حيث قال : إن مئة سنة هذه عامة، ولكن قد يأتي زمان فيه من التخريب والدمار ما يستوجب بعث مجدد ولمّا تكتمل المئة، أي يقصر هذا الزمان عن المئة، وذلك لشدة الحاجة. وربما يطول أكثر من مئة سنة لعدم الحاجة. ولم أستفسر منه هل هناك علماء ذكروا هذا الكلام أم لا؟.

الرسالة الأخيرة

وقد أرسل لي الأخ فريد رحمه الله هذه الرسالة الألكترونية وهو طريح الفراش في مستشفى “سما” باسطنبول، وهي تعد آخر رسالة أتلقاها منه:

10/10/2009 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد :

فهذا نص رسالة وصلتني من مهندس شاب من الخليج أبكتني وسرّتني، أبكاني فيها حديث عني ذكّرني بذنوبي، وسرّني فيها تعرف الشاب على رسائل النور والأستاذ النورسي ثم على الأستاذ فتح الله وانبهاره بهما، وإليكم نص الرسالة كما وردت:

شيخي أين أنت؟

أتترك طيفا ورديا وتختفي؟

هذه الجبال في عمان من يرويها؟

هذا القلب التائه من يأخذ بيده للنور؟

شيخي هذا ما كتبت في منتداكم :

بسم الله الرحمن الرحيم

تحية طيبة و بعد..

معكم أخوكم بدر الحارثي من سلطنة عمان.

لقد شاءت الأقدار الإلهية أن ترشدني إلى تفسير رؤيا رأيتها وأنا في بداية الشباب والبلوغ. فلقد رأيت رسول الله  وفي نهاية الرؤيا رأيت رجلا عليه سمت العلماء يرتدي قبعة بيضاء صغيرة -نسميها في عمان قبعة الحجاز لأنها تأتي من السعودية- وله لحية خفيفة يرتدي ثوبا أبيض، له أنف بارز وهيئته تدل على التأهب والاندفاع.

بقيت صورته في ذهني أعواماً وأعواماً وتخرجت من الثانوية وكلية الهندسة ثم أنا أنهي عامي الثالث كمهندس في منشأة نفطية.

تلك السنون قضيتها باحثا عن الطريق الذي يريده الله للبشر، حفظت الفقه ونسيته بعد أن فترت الهمة وقمت بالدعوة إلى الله وتخبطت في ذلك، وقرأت وقرأت وقرأت كل ما يقع في يدي من كتب المذاهب الإسلامية وكتب الفلسفة بجميع اتجاهاتها وحاولت نسيان هذا السؤال الوجودي وأنشغل بالدراسة ثم العمل.. لكن لا مناص!

قبل ثلاث سنين اهتديت إلى أن الحقيقة والطريقة هي في القرآن ، نعم أيها الأحبة القرآن ، بكل بساطة وبكل عظمة، هذا ما يريده الله وما يدعو إليه الرسول .

كنت أسمع قوله تعالى : {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله} لكني كنت غافلا عن ذلك جاهلا به فاقدا لهذا التأثير على حياتي، أصارع شهواتي بقولي لها هذا حرام فلا ترتدع أقول لها النار لا تخاف أقول لها الجنة فلا ترتغب..!!!!

القرآن حينما نزل إلى قلبي وتغلغل أدركت أن هذا القرآن هو الحل للبشرية هو الطريق وهو المنهاج الرباني..

قبل سنة من الآن قرأت عن مفكر تركيا العظيم فتح الله كولن فقرأت له جميع ما وصلني من كتبه.

انقشعت كثير من الغشاوات وصححت كثيرا من الأخطاء..

كان فتح الله كولن كثيرا ما يتحدث عن سعيد النورسي.. بحثت في الإنترنت عن كتب له فقرأت العجب العجاب -شمات و لمعات و أنوار وغيرها- أحببته بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

في أحد الأيام دخلت أحد المكتبات المفتوحة حديثا في مسقط -عاصمتنا- رأيت نفسي تساق إلى قسم الكتب الدينية الحديثة فجمعت كتب سلسلة النور الخالد لفتح الله كولن، شدّني كتاب أسود هو كتاب “آخر الفرسان”..

من هناك تواصلت المعرفة التدريجية لسعيد النورسي ثم الافتتانبسيرته ثم بالمؤلف الذي كان يعيش مع بطل الرواية لحظة بلحظة كأنه هو نفسه..

بدأت البحث عن كتب أخرى له فرأيت له مقالا في مجلة حراء -اشتريتها من دبي- فقلت دعني أبحث عن صاحب هذا القلب الجديد للأمة ، فوجدت الكتب والمحاضرات التي ما شبعت من إعادة قراءتها وإعادة سماعها و توزيعها على أهلي وأصحابي، خصوصا كتاب “المجالس”.

في رمضان هذا وجدت محاضرات للشيخ في اليوتيوب…. ويالها من رؤية : عشر سنوات وأنا أبحث عن هذا الرجل ورأيته بنفس الهيئة -فيما بقي لي من صورة ضبابية من الرؤيا- أخيرا.. والله خير الرازقين، يرزق في الوقت الذي يريد وفي المكان الذي يريد.. فله الحمد.

الله أكبر  -الله أكبر  -الله أكبر

اللهم لك الحمد والشكر

ما هذا العلم، ما هذا القلب، ما هذه البصيرة الحاضرة؟

حملت ما شاء الله من هذه المحاضرات -من تسجيلات أبو هاجر الذي حاولت الاتصال به على الرقم الذي و ضعه على الفيديو و لم أفلح- ثم دخلت الاعتكاف السنوي في العشر الأواخر من رمضان على أن أبحث عن تواصل مع هذا الشيخ الجليل بعد العيد..

أيها الأحبة…

من يساعدني في الوصول إلى الشيخ في المغرب؟

من يساعدني في الحصول على تسجيلاته -صوت وفيديو- بأي مبلغ يريده؟

من يساعدني في الحصول على ما سطره مداد الشيخ -غير الموجود في النت-؟

من يبلغه مني السلام والشكر والدعاء بالعافية؟

انتهت

———

ذ. إحسان قاسم الصالحي

مدير مركز النور – اسطنبول

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *