هدايات دعوية مـن سورة نوح 2/1


{لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الالباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يومنون}(يوسف :111).

تمثل سورة نوح عليه السلام نموذجا من القصص القرآني الذي ساقه الله تعالى في كتابه للاقتداء والـتأسي بنماذج من دعوات الأنبياء و الرسل، وقد عرضت نموذجا للرسول الداعية الصابر المحتسب، واشتملت على بعض مقاصد الدعوة الكبرى وبعض أساليبها ووسائلها، يحسن بكل من نذر نفسه للتبليغ ودعوة الناس إلى الإسلام، أن يستنير بهديها ويستخلص منها الدروس والعبر {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده”}(الأنعام، جزء من الآية 91)،  أي اقتد واتبع1، فتكون دعوته دعوة إلى الله حقا وتكون على علم وبصيرة {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين}(يوسف : 108).

بين يدي السورة

نوح \ هو أول رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض، وأول من دعا إلى التوحيد ونبذ الشرك وعبادة الأصنام، وقصته مع قومه نموذج يحتذى للأنبياء والدعاة بعده، فقد كان قومه من أعتى العتاة والمكذبين، حيث “لم يلق نبي من قومه من الأذى مثل نوح إلا نبي قتل”(2)، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، فبلغ الرسالة وجاهد في الله حق الجهاد، وسلك كل السبل لهدايتهم إلى طريق الحق، وصبر وثبت في دعوته لهم حتى قضى الله أمرا كان مفعولا، ورغم ذاك الجـهد العظيم {ما آمن معه إلا قليل}(هود : 40).

وقد جاءت قصته عليه السلام توجيها للرسول  للتأسي في دعوته بواحد من أولي العزم من الرسل، {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل}(الأحقاف : 34)، وهم خمسة من المرسلين الكبار؛ نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام(3)، فوجهه الله عز وجل للثبات على أمر الدعوة والصبر على ما يلقاه من أذى المشركين وإعراضهم، وأن يواجههم بكل ما آتاه الله من جهد وطاقة وإن تمادوا في العتو والطغيان والتعالي، مثلما صبر جد الأنبياء  نوح عليه السلام في مسيرته الدعوية مع أجيال من قومه.

هدايات ومستفادات من السورة:

تشتمل سورة نوح على معين لا ينضب من المعاني والمستفادات المنهاجية في مجال الدعوة، شأنها في ذلك شأن القصص القرآني كله، وحسبي أن أورد في هذه السطور -حسب ما يقتضيه المقام- بعضا من هذه الهدايات والمستفادات والتي تهم الدعاة ومن سار على دربهم، لا أدعي بها تفسيرا لكلام الله تعالى، وإنما هي نظرات في ظلال هذه السورة المباركة، تتجلى بوضوح لكل من قرأ السورة بشيء من التدبر، وإليك أيها القارئ الكريم هذه المستفادات:

1) الداعية مجتبى مختار من الله تعالى للقيام بأمر الدعوة:

سنة الاجتباء والاصطفاء سنة إلهية جارية في أمور كثيرة، منها اصطفاء الملائكة والرسل.

{الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير}( الحج : 75)، والأمة الإسلامية مجتباة مختارة من لدن الله عز وجل من بين سائر الأمم، واعتبرت خير الأمم لقيامها بشروط هذه الخيرية وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله.

ونستشف من مطلع سورة نوح : {إنا أرسلنا}، أن الذي يرسل الرسل ويختارهم لتبليغ الرسالة هو الله تعالى، وأن الدعاة تبعا لهذه السنة مجتبون من قبل الله، وناهيك بهذا شرفا وتشريفا لهم أن يختاروا من قبل الله عز وجل للقيام بوظيفة الأنبياء التي هي هداية الخلق إلى طريق الحق {وجاهدوا في اللّه حق جهاده، هو اجتباكم}(الأنعام : 16)، فينبغي أن يتنبه الداعية إلى المكانة العظيمة التي يتبوؤها بتوفيق الله وإذنه، حيث إنه منتصب لإمامة الناس وإرشادهم، فعليه أن يكون في مستوى هذه المسؤولية وأن يسعى لاستكمال شروط حمل هذه الأمانة وتحصيل عناصر القوة من علم شرعي رصين وقدوة صالحة وأخلاق إسلامية رفيعة.

ومما يؤكد هذه المكانة الشريفة للدعاة ما ورد عن النبي  : “يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين”(4).

قال الإمام النووي في هذا الحديث : “هذا إخبار منه  بصيانة العلم وحفظه وعدالة ناقليه، وأن الله تعالى يوفق له في كل عصر خلفاء من العدول يحملونه وينفون عنه التحريف وما بعده فلا يضيع، وهذا تصريح بعدالة حامليه في كل عصر”(5).

وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى {الذين يبلغون رسالات الله}(الأحزاب : 39)، أي إلى خلقه ويؤدونها بأماناتها، وبين أن سيد الناس في مقام البلاغ وفي غيره من المقامات هو النبي  ثم صحابته من بعده، ثم أشار إلى دور القدوات الصالحة ممن ورثوا عنه مقام البلاغ، قال:” ثم ورثه كل خلف عن سلفهم إلى زماننا هذا، فبنورهم يقتدي المهتدون، وعلى منهجهم يسلك الموفقون”(6)، فالدعاة مصابيح الدجى وأعلام الهداية، مشهود لهمبالعدالة ووراثة مقام البلاغ.

2) الداعية ملتزم بمقاصد الدعوة وكلياتها: عبادة الله وتقواه واتباع الرسول

إن التزام منهج القرآن والسنة في الدعوة يقي المهالك والمزالق، إذ باتباعه لا يقدم ما حقه التأخير ولا يؤخر ما حقه التقديم، ومن الكليات التي يحسن التزام الدعوة إليها ما ذكره الله عز وجل في قوله {أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون}(نوح : 3)، فهذه الكلمات الجامعة أجملت وحددت كليات كبرى ومهمة يجب أن يتحراها الداعية في دعوته، وهي الدعوة إلى عبادة الله تعالى وتقواه واتباع الرسول وطاعته.

وقريب مما ورد في الآيات المذكورة، ما جاء توجيها من النبي  لمعاذ ] لترتيب سلم الأولويات في الدعوة، فعن ابن عباس ] أنه  لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: “إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم الـزكاة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم، فإذا أطاعوك فخذ منهم وتوق كرائم أموالهم”(7)، ونعرض فيما يلي هذه الكليات الثلاث المهمة بشيء من التوضيح.

> أ- الدعوة إلى عبادة الله تعالى مــن أكــبر مقاصد الشرع من إرسال الرسل :

عبادة الله تعالى مقصد عظيم من مقاصد خلق الجن والإنس {وما خلقت الانس والجن إلا ليعبدون}(الذاريات : 56)، والعبادة في الإسلام لا تقتصر على العبادة بمفهومها الخاص أي على الشعائر التعبدية من صلاة وصوم وزكاة وحج، بل إنها تشمل كل قول أو عمل يحبه الله ويرضاه، وإن شئت فقل كل شؤون الحياة، وهو ما تبينه الآية الكريمة {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين}(الأنعام : 162).

وهذا المفهوم الشامل للعبادة يطلب من الداعية أن يبينه للناس حتى تكون حياتهم كلها عبادة وطاعة لرب العالمين، فيغنمون بذلك الأجر والثواب في كل حركاتهم وسكناتهم، والدعوة إلى العبادة الصحيحة تقتضي بالضرورة المعرفة الحقة بالمعبود سبحانه وتعريف الناس بربهم خالقا رازقا منعما… كما عرف نفسه في كتابه بأسمائه الحسنى وبصفاته العليا.

وأولى ما ينبغي اعتماده في مقام تعريف الناس بربهم، كل الآيات والسور والأحاديث الصحيحة الدالة على أسماء الله وصفاته وأفعاله وسائر آلائه وآياته في الأنفس والآفاق، بدل التوسل إلى ذلك بعلم الكلام الذي قد يتيه فيه المتلقي شعابا ووديانا ؛ فتربية الناس على التوحيد الخالص إنما تتم بكمالها وتمامها من خلال نصوص الوحي قرآنا وسنة، فهما الأقرب والأوفق لتحقيق المقصود لوضوح الدلالات ونورانية الكلمات والمعاني الصادرة عن الوحي.

> ب-  دعوة الناس إلى تقوى الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فمعلوم أن التقوى أصل عظيم من أصول الصلاح والقرب من الله سبحانه، وهو رأس الأمر في النجاة من عذاب الله والفوز بجناته ورضوانه، ولا تخفى ثمار التقوى العظيمة على العبد في الدنيا والآخرة، وقد تكرر ورودها في القرآن بمختلف مشتقاتها اللفظية مائتين وثمانية وثلاثين مرة مما يدل على أهميتها في أي عملية إصلاح أو دعوة أو تزكية للفرد وللمجتمع، ولا يخفى على الداعية هذا الأصل التربوي الكبير، ومن هنا ينبغي له التأكيد عليه في دعوته للناس، فيتناول التقوى وجميع متعلقاتها كتعريفها وشروط تحصيلها والتذكير بثمارها في الدنيا والآخرة وما أعده الله لعباده المتقين وغير ذلك.

> ج- الدعوة إلى طاعة الرسول واتباع سنته، فبغير التزام أصل الاتباع وطاعة الرسول لا يمكن تحصيل التقوى ولا أداء العبادة على الوجه الصحيح، بل إن العبادة المفضية إلى محبة الله تعالى للعبد لا تتم إلا بعد الاقتداء بالرسول واتباعه، وقد أكد القرآن الكريم هذا المعنى حيث قال: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم}(آل عمران : 31).

فحري بالداعية إذن أن يلزم الدعوة إلى هذه الأصول الثلاثة الكبرى ؛ عبادة الله وتقواه واتباع الرسول وكل ما يندرج تحتها من قضايا، ويجعل ذلك في سلم الأولويات في دعوته، ويتحرى منهج النبي  في دعوته من خلال ما صح من سنته وسيرته، وأن ينآى بنفسه عن الانشغال عن هذه الأصول بما هو دونها في الأهمية، بله أن يدعو إلى ما قد لا يكون له سند شرعي كأن يدعو إلى هيأة أو منظمة أو شخص أو إلى فكرة ضيقة ويجعل ذلك مقصده ومنتهى طلبته.

د. مصطفى هاشمي

———-

1- قال ابن كثير “أولئك” يعني الأنبياء المذكورين مع من أضيف إليهم من الآباء والذرية والإخوان وهم الأشباه {الذين هدى اللّه} أي هم أهل الهدى لا غيرهم. تفسير ابن كثير للآية 91 من سورة الأنعام.

2- ذكره ابن كثير نقلا عن محمد ابن إسحاق، أنظر تفسير ابن كثير للآيات 59 إلى 62 من سورة الأعراف.

3- تفسير ابن كثير للآيات 51 إلى 53 من سورة مريــم.

4- ابن عبد البر في التمهيد 1/59.

5- الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات  1/ 21.

6- أنظر تفسير ابن كثير للآية 39 من سورة الأحزاب.

7 – رواه البخاري ومسلم ورواه أصحاب السنن ورواه أحمد والإمام مالك وغيرهما.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *