تـفـسيـر سـورة الـمنـافـقـون(3)


1) كثرة النفــاق إشعــارٌ بحـضـور الإســـلام :

فالنفاق يدل في مقابله في الجهة الأخرى على أن الإسلام بخير حينما يكثر النفاق فمعنى ذلك أن المسلمين موجودون وأن الإسلام أصبح يهاب وأصبح يرهب وأصبح حاضرا، لكن الإسلام حينما يغيب وحينما يغيب أهله فإن الجميع يجهر بكفره وخصوصاً المثقفين من الذين يكتبون ومن أصحاب الكلمة الذين امتلأت قلوبهم كفرا وعلمانية ومعارضة للشريعة الإسلامية.

ولكن حيث يعلمون أن هذا الجمهور الموجود هو الجمهور الإسلامي وأن هذه الأمة لا يمكنها أن تسكت طويلا على دينها فتراهم بذلك يتلوّوْن في الخطاب ويغيرون الأساليب ويظهرون كفرهم، بمظهر دراسات اجتماعية ونفسية وما إلى ذلك وهم في الحقيقة إنما  يعبرون عن نفاقهم بالتخفي والتستر وراء العلم ووراء الثقافة ووراء هذه الشعارات، والقصد هو نشر الفساد ونشر الشر، ولكن بأساليب ملتوية.

وكثيرا ما تقوم الصحف وعدد من وسائل الإعلام بتقديم برامج وحوارات يكون القصد فيها إظهار المسلمين ضعافا فكريا أمام الشخصيات العلمانية. وترسيخ فكرة أن الإسلام إنما يحمله أناس ليسو بالمثقفين، كما يتم تفسير انتشار الحركة الإسلامية وصحوة المسلمين على أنها مجرد تعبير عمّا في نفوسهم من كبت وانعدام للحريات وانتشار للبطالة.

هذا كله إنما هو مجرد أساليب نفاقية حديثة، ولذلك قلت إن الحديث عن النفاق هو حديث عن القرآن الكريم، وعن السنة النبوية لأن السنة النبوية والقرآن الكريم توليا باستفاضة فضح هذه النفسيات والكشف عن عيوبها والكشف عن عوارها.

وقد أخبر الرسول  أن المنافق يكون عليم اللسان وأن له ذراية بالحديث وأنه يستطيع أن يراوغ ويستطيع أن ينفلت.

كما أخبر أن له صفات أخرى مثل شدة الخصومة ومثل الفجور في الخصومة والخلاف… إلى غير ما ذكرت السنة من علامات النفاق.

2)  قــلـب الـمـنـافـق منكـوس :

رسول الله  في هذا المقام يتحدث عن قلب خاص وهو قلب المنافق ويسميه القلب المنكوس : وهو القلب المقلوب، القلب الذي لا يحمل الحقيقة ولا يتسع لها، لماذا؟ لأنه قلب عرف وأنكر كما ورد في الحديث.

والنبي  قسم قلوب الناس إلى أقسام أربعة، وذكر منها :

– القلب الأجرد الذي هو قلب المؤمن الذي فيه سراج يزهر فيه نور.

– قلب المؤمن قلب سماه النبي  قلب أجرد فيه نور وفيه وضاءة وفيه إشراق وفيه وضوح لأن الذي يلزم عن الوضاءة والإنارة والإشراق الوضوح بمعنى أن المعاني واضحة في قلب المؤمن، أن المفاهيم بيِّنة لديه، وأنه يعرف ما يريد، لا يتخذ موقفا مترددا أو متذبذبا أو موقفا غير معقول مثل ما يتخذه كثير من الناس الذين تجد مواقفهم مع الإسلام ومواقفهم مع الشرع مواقف لا يمكن أبدا أن تكون معقولة أو منطقية.

فالإنسان مثلا حينما يقول لبيْك اللهم لبيك وهو يحج يعلن أنه يؤمن باللهورسوله، وحينما يجاهر في المسجد بأنه طوعُ أمر الله عز وجل، ولكنه أحياناً تأتي منه تصرفات يتنكر فيها للدين بالمرة، وتراه متناقضا، فالإنسان اليومَ يمكن أن يكون مسلما يميز الحلال من الحرام، وتجده فقيها يعظ ويذكِّر لكنه قد يتصرف تصرفا مخالفاً للشرع، كأن يستجم في الشاطئ عريانا، ويدافع عن حرية العري، ويرفض تحريمه، وقد يبيح ذلك بدعوى  إباحة التمتع بالطبيعة والبحر!! هذه كلها مواقف تدعوا للرّيبة، وتدُلُّ على تسرُّب النفاق للقلوب.

وقد لا نحتاج في الرد على مثل هؤلاء سوى أن نقول إن الله تعالى أمر المؤمنين أن يغضوا أبصارهم : {قل للمومنين يغضوا من ابصارهم ويحفظوا فروجهم} فالمسلم مفروض عليه أن يغض بصره عن المرأة وهي في تمام لباسها. فكيف إذا كان الجميع متعريا؟!

ومن صور النفاق في عصرنا أن نجد الرجل يسأل عن مسائل الحيض والنفاس والإفطار في رمضان وفي كل ما يحتاج إليه في أبواب الفقه من غير أن يكلف نفسه عناء البحث والاجتهاد، لكنك تجده في مواطن أخرى يعيب على الفقهاء وعلماء الأمة ويدعي أنه يفهم ويعلم في أمور الفقه مالا يعلمه غيره في مسائل الحرب والربا والديموقراطية والإرث بلْ ويطْعَن في رموز العلم والصلاح والإصلاح.

ومن صور النفاق أن كل العلوم فيها تخصصات ومتخصصون يُسْتَفْتون في المسائل المتعلقة بمجالهم، لكن  عندما يتعلق الأمر بالدين والحلال والحرام لا يستدعي المتخصصين بل يستدعي كلَّ من لا صلة له بالدين ليُفْتي في أمر الدين وأمور المسلمين. والأصل في هذا أن النفاق المعشش في القلب يأبى أن يرضخ للحق.

– ثم القلب الثالث هو القلب المنكوس وهو قلب المنافق عرف الحق ودخله ولكنه انقلب، عرف الحق وحمل الحق لكنه انقلب.

فقلبُ الكافر أغلفُ مربوط على غلافه لم يدخل إليه الحق نهائيا.

أما قلب المنافق فعرف الحق وفاح منه الخير وأظهر أنه مسلم ودخل المسجد وحضر الدرس وحضر الصلاة وسبَّح وصام وحج وأخيرا انقلب كل ذلك فصار قلبا منكوسا.

– ثم القلب الرابع وهو القلب المصفح كما سماه رسول الله  وهذا فيه إيمان ونفاق، فيه إيمان مرَّةَ ونفاق مرّة والإيمان فيه مثل البُقْلة أي النبتة الصغيرة التي يغديها الماء فتنبت وتنتعش، هذا جانب الإيمان فيه، وجانب النفاق فيه مثلُ القُرحة أو الدُّمُل يغذيه الدم والقيح، إذن له شعبتان وله اتجاهان : حالة إيمان، وحالة نفاق ولَهْو مختلط فيه فأي الحالتين غلبت عليه كان منسوبا إليها، فإذا غلبت عليه حالة النفاق كان منافقا وإذا استطاع أن يرتفع قليلا ويزدهر الإيمان في قلبه كان قلبه مؤمنا. إذن فهذه هي القلوب الأربعة كما ورد عن رسول الله  في الحديث وهو موجود في مسند الإمام أحمد بن حنبل ].

أ. د. مصطفى بن حمزة

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *