تطْبيـقُ الشّـريـعـةِ يحْـتـاجُ إلـى صِـدْق الانتـمـاءِ لـربِّ الشّـرِيـعَـة


بـيْـنَ جــاهِـلـيّـتَـيْـن

الجاهليّة العربيّة الأولى كانت تائهةً تَيَهانَ الإنسان في العالم كلّه. ومصدر تيَهَانها هو أنها حادَتْ عن عبادة الواحد الأحد، فأصبحتْ مستعْبَدة لآلهة شتى، وأهواءٍ شتى، وشهواتٍ شتى، فكانت نتيجة التيَهان بين المعبودات المختلفة فقْدانَ الهدف في الحياة، وفقدانَ الرؤية الصحيحة لمستقبَل ما بعْد الحياة الدنيوية، وفقدانَ الحياة الكريمة المطمئنّة، وفقدان الأثر الحضاريّ للإنسانية السامية.

وإذا كانت الجاهليةُ الأولى تأسّسَتْ على عبادة الأصنام، وعبادة القبيلة، وعبادة العُرْف القاضي باتِّباع الآباء والأجداد، وعبادة الأخْذِ بالثّأر لمحْو العَار، وعبادة المال والنّسب والزّهو بكثرة الأولاد… إلى غير ذلك من المعبودات المتناسِبَة مع بداوة الحياة، وبساطة الفكر الماديّ المحاصَر بتحَجُّر العقل، ورتابَة الحياة العلميّة… فإن الجاهلية الحديثة تعْرِف أرباباً أكثر عَدَداً، وأشدَّ خفاءً من أرباب وأصنام الجاهلية الأولى.

فالقومية بمفهوماتها الضيقة والواسعة، العنصرية والعِرْقية صنَمٌ، والحدَاثة بمفهومها الإلحادي صنم، والعلمانية بمفهومها المائع شكلا، والمضاد للدين مضموناً صنم، والتقدُّم بمفهومه المادّي صنم، والمجتمع المدني، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة والطفل أصنام، والشرعية الدولية صنم، والعلم المحتكَر صنم، والعدالة الدولية صنم، ومجلس الأمن صنم، والسلفية المعوجة صنم، والصوفية المعوجة صنم، والتنوُّر والتنوير صنم، والمذهبية الفقهية صنم، والحزب صنم ، والمنصب صنم، والسلطة صنم.. إلى غير ذلك من الأصنام المنسوجة خارج الملة، أو المنسوجة داخل الملة الإسلامية المتمردة على ملة ابراهيم، وملة محمد، وملة أمة محمد التي هي ونبيُّها أولى الناس بملة ابراهيم، على ابراهيم ومحمد وجميع الأنبياء السلام {إنّ أوْلَى النّاسِ بإبْراهِيم للّذين اتبعوه وهذا النّبيء والذين آمنوا والله ولي المومنين}(آل عمران : 67).

جاهليات لا تمحوها إلاّ الرّبّانية

قال تعالى : {كُونُوا ربّانِيِّين بمَا كُنْتُم تعْلَمُون الكِتابَ وبِما كُنْتُم تدْرُسُون}(آل عمران : 79) أي كونوا مُنْتَسِبين انتساباً حقيقيّاً -بدون واسطة- إلى الربّ سبحانه، إسْلاماً واستسْلاماً وانقياداً وتلقّياً وطاعة وإخلاصاً وتوكُّلاً ورجاءً وملجأً وملاذاً، وهذا الاستسلام التام يتطلب شروطا عديدة، منها :

1) العلم بالله : بوصفه إلها مستحقاً للتوجه بالعبادة إليه وحده، لأنه وحده العالم بما يُصْلِح الإنسان من التشريعات -أوامر ونواهٍ- حالا ومآلا، ولأنه الأقْدَرُ على مراقبة تشريعه والمحاسبة عليه.

2) العمل بكتاب الله تعالى : الذي يتضمن مناهج السّيْر الرشيدة لشؤون الحياة.

3) العلم بهذا العلم : لتوضيح النظرية بالتطبيق، والفكرة بالتشخيص.

4) التعليمُ لهذا العلم : الرباني الذي تضمنه كتاب الله، وبُعث به رسوله.

5) الإشْراف على حُسن التطبيق للعلم الرباني : ليبْقَى الشرع مصونا من التحريف على كافة المستويات.

6) حماية الشرع الرباني : بالجهاد في سبيله، ودفْع كلِّ من يحاول تزْييفه، أو تعطيله عن واقع الحياة، وحمايتُه أيضا بالدعوة إليه آناء الليل وأطراف النهار.

7) الإخلاص التام لله تعالى : سواء في طلب هذا العلم الرباني، أو في العمل به، أو في التعليم له، أو في حمايته، أو في الدعوة إليه، إذ بالإخلاص المصاحب لكل عَمَلٍ علْمِيٍّ، أو تعليمي، أو دعوي رشيد يتحقق الأمْرُ الإلهي الذي طَلَب منا أن نكون ربّانيّين.

فالله تعالى عندما طلب منه خليله ابراهيم \ بأن يبعث في الأمة الإسلامية إمامَها الخاتِم، وقائدَها الكاملَ، قائلا : {ربّنَا وابْعَثْ فيهِمْ رسُولاً مِنْهُم يتْلُوا علَيْهم آياتِك ويُعَلِّمهُم الكتابَ والحِكْمةَ ويُزَكِّيهِم إنّك أنتَ العزِيزُ الحَكِيم}(البقرة : 128) استجاب الله دعوته فبعث الرسولَ الخاتم، الذي تلاَ الكتابَ، وعلّمَهم أحكامَه وشرائعه، وأهّلهم بالحكمة اللازِمة لحُسْن التعلّم والتعليم، وحسْن التأدّب مع الخالق وكافة خلقه، وحسن السمع والطاعة للشرع النازل ومَن يبلغُه ويعلمُه ويطبقُه، وحسن الحُكم به، وحُسْن تنزيله على الواقع، وحُسْن التخلُّص من الأهواء المريضة، وحُسْن التولِّي لله والرسول والمومنين، وحُسْن التبرُّؤِ من كل الشياطين وأوليائهم الظالمين… وبذلك تمَّتْ تزْكيتُه للجيل الرباني الفريد الذي أصبح ينظر بنور الله، ويتحرّك بهُدَى الله، ويتكلم بإذن الله، ويسمع بوحْي الله، حيث باع نفْسَهُ لله عز وجل بيعة صادقة لا شائبة فيها من رياءٍ أو نفاقٍ أو ارتزاق.

حتى وُجد في هذا الجيل من يطْلب البيَان الشافيَ في الخمْر قبل أن تُحرَّم تحريما نهائيا، فيقول : >اللّهُم بيِّن لَنا فِي الخَمْرِ بياناً شافِياً< وعندما يحرمُها الله عز وجل تحريما نهائيا، ويقول في نهـاية الآية {فَهَلْ أنْتُم مُنْتَهُون} (الـمائدة : 93) يقول الذين تزَكَّوْا : >انْتَهَيْنا يا ربّنا انتَهَيْنا يا ربّنا..<.

بلْ ووُجد من يرتكب فاحشة الزنا بدون أن يطلع عليه أحد، ويأتي إلى الرسول  وهو يقول : >طهِّرْنِي يا رسُول الله<.

بل ووجدت النساء اللواتي وصلَهُنّ قول الله تعالى وهنَّ في الحقول {ولْيَضْرِبْن بخُمُرِهِنّ على جُيُوبِهِن}(النور : 31) فيقطِّعْن من أطْرَافِ مُرُوطهن ويخْتمِرْن قبل الوصول إلى المنزل أو انتظار السوق لشراء الخمار.

فهَلْ الجاهلية الحديثة تسمح بتطبيق الشريعة وهي على ما هي عليه من التّغَلْغُل في التلقي من مصادر الفكر المادي، والغزو الاستعماري الشيطاني؟! وهل المجتمعات المسلمة الموزّعة بين اليمينيين واليساريين والليبراليين والشهوانيين والدنيويين والإلحاديّين والعنصريين والحزبيين والديكتاتوريين… تسمح بتطبيق الشريعة تطبيقاً عفويّاً ينطلق من اسْتسلام الفرد إلى استسلام الأسرة، واستسلام المجتمع قلبا وقالبا لله رب العالمين في السر والعَلَن، وبحُبٍّ وفَخْر واعتزاز، وبأخلاق تغترف من قول الله تعالى {مُحَمّد رسُــول الله والــذِين معَهُ أشِدّاءُ على الكُفّــار رُحَمَاء بَيْنَهُم}(الفتح : 29) وتغترف من قول الله تعالى : {ومَنْ يرْتَدِدْ مِنْكُم عن دِينِه فسَـوْفَ ياتِي اللّه بقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونه أذِلّةٍ على المُومِنِين أعِزّةٍ على الكافِرِين..}(المائدة : 56).

لا ربانيّة بدون دُعاةٍ يزّحَفُون على الجَهْل بدُون هوادَةٍ

إنّ الوصول إلى تأْهيل المجتمعات المسلمة تأهيلاً يجعلها صالحةً للانطلاق من جديد في اتجاه تأسيس حضارة الأخلاق، وسط الرّكام الإعلامي المُدَمِّر، يحتاج إلى الإعْداد والاستعداد لتصنيع الإنسان الربانيّ من جديد، كما صنعَهُ المرسلون، وصنعه محمد والصالحون من بعده في فترات مضيئة من التاريخ، ولا يتمُّ هذا التصنيع إلا بإخراج دعاة ربانيّين يحققون :

1- القضاء على الأمية الدينية : قضاءً مبرماً في المُدن والبوادي، وبين النساء والرجال.

2- الرجوع بصدق للأصول الإسلامية : تدريساً وتعليما وتخلقا وتحققا.

3- إحياء علوم الإسلام الضرورية : من نحو وبلاغة وفقه وأصول ومقاصد وسياسة شرعية وغير ذلك..

4- محوُ الأمية الإعلامية : حتى يكون المسلم عالما بواقعه ومحيطه، ومحبيه وأعدائه.

5- العمل على تهييء الشعوب : لتعرف كيف تختار الصالحين لمختلف المسؤوليات.

6- إطلاق العِنان لحريّة الدعوة : حتى يتمكَّنُوا من تعليم الشعوب الإسلام الصحيح والشامل بدون انتقاءٍ، ولا تنميط.

7- العمل على حماية الشعوب : من الاختراقات الأخلاقية الفاسدة، والثقافية المعادية، والاعلاميّة المفسدة، والدّعوات الهدامة.

هذه بعض العناصر الضرورية لإنشاء المجتمعات الصالحة القابلة لتطبيق الشريعة والتخلق بأخلاقها عقيدة، وعبادة وشريعة، وتأدبا، وتوجُّها، عن رضاً وطواعية، محققة بذلك قول الله تعالى : {اللّه نزَّلَ أحْسَن الحَدِيثِ كِتاباً مُتَشَابِها مَثَانِيَ تقْشَعِرّ منْه جُلُود الذِين يخْشَوْن ربّهُم ثُمّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللّه ذَلِك هُدَى اللّه يهْدِي بِه من يَشَاءُ ومَنْ يُضْلِلِ اللّه فما لَهُ من هَادٍ}(الزمر : 22).

إذا وُجد الإنسان الذي يجد لذّته في الوضوء والصلاة والصيام، والصدقة، والتكبير والتسبيح، وصلة الأرحام، ونشر الأخوة بين المسلمين جميعا، وحُبِّ التناصُر والتناصح في الله… كان التطبيق للشريعة صحيحا وإلا كان التطبيق مشوهاً لا يجلب إلا النفور والكراهية وحب الثأر والانتقام.

أ. المفضل الفلواتي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *