أمـا آن لـمـهـرولـي الانـتـخـابـات أن (تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق)


عشية انتهاء الحملة الانتخابية الشبيهة في فضاءاتها بمستشفى للمجانين فتح على مصراعيه لكل أنواع اللامعقول، كنت عائدة إلى البيت رفقة  زوجي، حين استوقفنا جمهور ضخم من الرجال والنساء والأطفال وهم في حالة هياج منقطع النظير. ويكفي المرء أن يطالع سحنات المشاركين في تلك الجولة ليخلص إلى أن الأمر يتعلق بتعبئة عشوائية >جمعت حب وتبن< كما يقال، ولا يشترط على ما يبدو في أصحابها إلا التمتع بحبال صوتية جهورية متينة وجرأة تصل حد الوقاحة لصد أصحاب الحملات الأخرى والسلام..

والأدهى من ذلك،  التجميع الأبله حتى لقطاع الطرق والمخدرين وأصحاب السوابق للزعيق عراة عبر نوافذ السيارات، وقد انحنى على زجاج سيارتنا أحدهم وهو مخدر،  وبصوت أثقله السكر سألنا أن نصوت للحاج فلان!!، وكانت لهجته الاستعطافية اللحوحة في غمرة سكره لاختيار صاحبه نابعة من خشخشة الورقة المالية من فئة 100 درهم بجيبه لا من فحوى البرنامج الانتخابي لمرشحه، والذي لا يعرف عنه أدنى تفصيل هو وجوقة المستغفلين المكترين حبالهم الصوتية للصراخ طيلة أيام الحملة الانتخابية!.

حقا لم يكن الأمر يستدعي الكثير من الرصد ليدرك المتتبع لأجوائنا الانتخابية، أن الناخبين والمنتخبين تساووا في جعل الله سبحانه أهون الناظرين إليهم.. ففي الكثير من الشوارع والأزقة،  كانت حمى الشتائم والسب والقذف والسيوف في بعض الأحيان والحجارة والسكاكين أبلغ وأنفذ من البرامج الانتخابية. والتراجيدي في هذا السيرك المفتوح على كل أنواع التهريج والتهريج المضاد، أن الذين كانوا يروجون السلعة الانتخابية  ويهرقون عرقهم وحتى دماءهم هم الغلابى الذين لا يصلهم من تنزيل البرامج إلا الرذاذ، فكيف يساقون إلى الذبح بكل هذه القدرة العجيبة على مد رؤوسهم  بكل هذه الاحتفالية وكل هذا الصخب.. أم أن الشعار المبطن هو (عضة في الحنش ولا يفلت) كما قال لي أحد “المكترين لحنكهم”؟!!

وفي المقابل، ألا يبدو الأمر أكثر مرارة حين يمسح المرء بعينه أديم المدن الذي طلي على امتداد أيام الحملة الانتخابية ببساط عملاق من الأوراق، المليئة بعبارات التوسل والترجي

للجماهيرلإستدرار صوتها مع زرابي مبثوثة من الأوصاف الخاصة بالمرشح، ناهيك عن القناطير المقنطرة من الوعود، والحال على الأرض يؤكد أن كلام ما قبل الفوز بالكراسي يكذبه كلام ما بعد الفوز بالكراسي!..

أليس هذا الإلحاح  والتأنق في نوعية أوراق الدعاية وألوانها، وهذه الولائم المفتوحة وهذه الهدايا، والتواضع في التقارب مع المواطنين، حد تقاسم الخبز والملح والدردشة معهم مدعاة للريبة في أمانة بعض المرشحين  ومصداقيتهم!؟

ومن جهة أخرى، أين المغالون في رسم الجنان على الورق من قوله تعالى : {فلا تزكوا أنفسكم}.

ومن قول رسول الله  : >لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن  مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها<.

وقوله  : >إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة<.

وقوله   : >إنا لا نولي أمرنا من طلبه<..

إن ما يجري من تدافع محموم باسم خدمة المواطنين لنيل المناصب، ليشي بأكثر من الحرص وأكثر من العض على الرئاسة والزعامة.. ودليل ما نقوله الأموال الطائلة التي تبذل للفقراء لتهريب أصواتهم..

والمصيبة أن هؤلاء المرشحين رعاة ولا شك ومساءلين عما استرعوا، فأينهم من الرعيل الأول من أصحاب رسول الله  الذين حملوا أمانة الاستخلاف فتهيبوا منها أشد الهيبة.

(تروي كتب سيرة الخلفاء الراشدين، أن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أحد ولاته

– ماذا تفعل إن جاءك الناس بسارق؟

قال :

– أقطع يده

قال سيدنا عمر :

إذا فإن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل، فسأقطع يدك. إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم ونستر عورتهم ونوفر لهم حرفتهم، فإذا وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها. إن هذه الأيادي خلقت لتعمل فإذا لم تجد في الطاعة عملا التمست في المعصية أعمالا فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية).

إن غياب مفهوم الإخلاص حتى بالمفهوم الدنيوي الذي رأينا أسطع مثال له وأبهر: الرئيس الأمريكي أوباما، وسيرته الذاتية المخلصة للحلم الأمريكي كما يتبين من خطبه المثقفة جدا وديناميته على الأرض المترجمة مشاريع تلو مشاريع للنهوض بأمريكا من كابوس بوش اللعين..

وإن عدم تصفية نية العبودية لله تعالى في أجندة مرشحينا المسلمين يا حسرة! وركضهم وراء هذه المناصب المحفوفة بالنار،  وعدم استحضار المهرولين منهم للكراسي، لجسامة مسؤوليتهم في سد الجوعات وشغل الأيادي بالعمل الشريف، وبالتأطير الأخلاقي والفكري اللازم للمواطنين، قد يفرز بهلوانات راقصة في جوقة المطبلين بلا شك للمرشح، لكن وصلة رقص المستغفلين لن تدوم إلى مالا نهاية..

وتلك هي الكارثة التي يخصب أرضها الملغومة، ثلة المتهافتين والوصوليين..

أما عن الآخرة إذ تأزف الآزفة، فالحساب أدهى وأمر.

يقول تعالى : {فإذا جاءت الطامة الكبرى يوم يتذكر الانسان ما سعى وبرزت الجحيم لمن يرى فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى}(النازعات : 14- 16).

ذة. فوزية حجبـي

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *